اللغة هي أداة التواصل والتلاقي والتعاون والتمازج بين البشر، وهي في حد ذاتها فن يزيل كل الفواصل والحدود بين الاختلافات الثقافية والجغرافية، لكن ماذا عن المحرومين من اللغة، أي لغة، أولئك الفاقدين لنعمة التخاطب والتحاور والتناقش بمختلف المرادفات واللغات ماذا عن الصم والبكم الذين يعيشون بمعزل عن العالم، لا يستفيدون من فنونه ولا يفيدونه بمواهبهم..
لسنوات وربما قرون طويلة ظل حاجز العزلة قائماً بين تفاعل هذه الفئة مع مجتمعها، حتى قام أحد الفنانين المصريين بهدم أسوار العزلة إيذاناً بدمج الصم والبكم مجتمعياً وفنياً مع مجتمعهم من خلال فرقة للأداء الحركي تعمل على توظيف الفن لكسر مجتمع العزلة الذي لازم هذه الفئة.. ابقوا مع التفاصيل.«الصامتين للأداء الحركي» هو اسم فرقة مصرية من نوع خاص، إذ يقتصر أبطالها على الصم والبكم، الذين نجحوا عبر خمس سنوات في لفت انتباه العالم بأداء حركي رائع واستعراضات تحكي قصة وتوصل فكرة ذات قيمة تبهر الجمهور.
تكونت الفرقة التي تقدم الرقص المسرحي الصامت قبل 10 أعوام بمدينة المحلة الكبرى بدلتا مصر على يد الفنان رضا عبدالعزيز وهو مخرج ومصمم رقصات أراد توظيف الرقص المسرحي لدمج الصم والبكم في المجتمع وجعل منه لغة تكون وسيلة للتفاهم والتواصل، وهذا ما نجحت في تحقيقه الفرقة منذ طلتها الأولى على مسرح المركز الثقافي الفرنسي عام 2005.
أداء حركي صامت
ولأن الحركة هي لغة كل البشر وسبق أن تكلم الإنسان الأول بالحركة قبل أن ينطق بلسانه، فمن هنا جاءت فكرة تأسيس الفرقة التي أطلقت على نفسها اسم «الصامتين» ليعبر عن عالمهم الساكن الصامت، ووفقاً لما يؤكده رضا فإنه اتجه إلى تأسيس فرقته الفريدة عندما لاحظ أن العروض المسرحية التي يقدمها الصم بلغة الإشارة الخاصة بهم لا تحقق التواصل والتفاهم بينهم وبين الأشخاص العاديين.
فأراد أن يبتكر اتجاهاً فنياً جديداً يحقق التواصل والتفاهم بين الطرفين، بديلاً للغة الإشارة، من خلال عروض مسرحية راقصة تعتمد على لغة الأداء الحركي والتعبير النفسي.
يستطرد مؤسس الفرقة: كنت دائماً أحدث نفسي كيف سأجعل الصم ينفعلون مع الموسيقى وهم لا يسمعونها، ولأنني موسيقي واستعراضي في الأساس فقد وجهني حسي الفني للبحث والتنقيب في حياة الموسيقار العالمي «بيتهوفن» الذي قرأت عنه كثيراً وشاهدت كل الأفلام التي تحكي قصة حياته وبحثت عن هذه الحقبة الزمنية التي فقد فيها السمع، وكيف كان، رغم الإعاقة، قادراً على مواصلة التأليف الموسيقي،.
وكنت أريد أن أعرف كيف كان باستطاعة هذا العبقري أن يتعرف إلى موسيقاه وألحانه التي يقوم بتأليفها دون أن يسمعها، وهنا توصلت إلى طريقة الاتصال العظمي التي كان يستخدمها بيتهوفن للتعرف إلى ألحانه والتي تكمن في وضع رأسه على البيانو أثناء عزفه للموسيقى التي يقوم بتأليفها ليشعر بذبذبات الأنغام التي يخرجها البيانو عوضاً عن سماعها،.
وأحياناً أخرى كان يضع طرف مسطرة خشبية بين أسنانه والطرف الآخر يضعه على جسم البيانو ليشعر بالذبذبات المنبعثة من البيانو أثناء عزفه، أي أنه يشعر بالنغمات الموسيقية عن طريق الذبذبات الصادرة من البيانو عوضاً عن سماعها.
بيتهوفن ينقذ الفرقة
براعة الفكرة التي استوحاها مؤسس الفرقة من بيتهوفن لم تكن كافية لتطبيقها، فالأزمة الكبرى كانت في أنهم ولدوا صماً، ولم تكن لديهم أي خبرات سابقة مما دفعه إلى تطوير أسلوب الموسيقار بيتهوفن بحيث يناسب أبطال الفرقة واعتمد على حقيقة الروح الموسيقية، بمعنى أن لكل آلة من الآلات «تمبو» أو انفعالاً خاصاً بها.
ومن ثم يقوم بتحويل هذا التمبو إلى نبضات إيقاعية يقوم بنقرها بأصابعه على كفوف وأكتاف الصم حتى يجعلهم يحسون بالتمبو الموسيقي والأداء الحركي والتعبير النفسي لهم، ويقول رضا عبدالعزيز أن هذه التجربة لاقت نجاحاً كبيراً.
تولي فرقة الصامتين للأداء الحركي اهتمامها بالقضايا الإنسانية أولاً، خاصة أن أساس اتجاه الفرقة الفني يتمثل في أن يتحدث الصامتون للمجتمع بلا حوار، وفي مختلف القضايا التي تهم هذا المجتمع والإنسانية بشكل عام، فهي.
كما يقول مؤسسها، فرقة للإنسانية بشكل عام بغض النظر عن كون أعضائها ذوي إعاقات، فمثلاً في عرض «أجنحة صغيرة» رصدت الفرقة الانتهاكات والعزلة التي يعيشها ذوو الإعاقات في المجتمعات العربية وفي عرض «نيران صديقة» استعانت بهم منظمة الصحة العالمية لتوعية الشباب والبنات بمخاطر التدخين باعتباره بوابة للإدمان.
دموع الفرح
ومن أهم عروض الفرقة عرض «دموع الفرح» الذي استوحته من الفولكلور المصري من خلال لوحة تعبيرية لرقصة التحطيب الشهيرة بصعيد مصر، وبهذا العرض شاركت الفرقة في احتفالية أقامتها وزارة الخارجية المصرية للسفير الأميركي الأسبق بالقاهرة ريتشارد دوني.
وعن المشاريع المقبلة لفرقة الصامتين، يقول رضا إنه من المقرر عرض «الملائكة أيضاً تموت» وهو من تأليفه وإخراجه، لافتاً إلى أن العرض صرخة صامتة وبمثابة رسالة سلام من مصر للعالم، ونسلط خلاله الضوء على معاناة الأطفال أثناء الحروب بغض النظر عن العرق والجنس والدين،.
بالإضافة لتصوير فيلم وثائقي عن تجربة الفرقة بعنوان «نحن هنا» من إنتاج الهيئة العامة لقصور الثقافة، وسيتناول الفيلم تجربة فرقة الصامتين منذ الفكرة الأولى، مروراً بالإعداد والتحضير لتنفيذها على أرض الواقع، كما يسلط الفيلم الضوء على محطات المعاناة والعراقيل التي واجهتنا ومحطات أخرى مهمة في مشوار الصامتين.
مهرجانات دولية وقومية عديدة شاركت فيها فرقة الصامتين للأداء الحركي، منها المهرجان الدولي السابع للرقص المسرحي الحديث على المسرح الصغير بدار الأوبرا، ومهرجان اليوم العالمي للمعاق، واليوم العالمي لمكافحة التدخين وغيرها من المهرجانات.
ويؤكد رضا أن الفرقة تضم أكثر من ثلاثين عضواً من الصم والبكم منهم حسين سعد، صابر إبراهيم، وفاء فؤاد، هشام شكري، محمود عادل، عبدالتواب خضر، سمر صبري، سمر أحمد، محمد جمال، أحمد حمدان، مروان إبراهيم وغيرهم من أعضاء فريق الصامتين.
والفنان رضا عبدالعزيز مخرج ومصمم، وهو أحد أهم المجددين في مجال الرقص المسرحي الحديث بالعالم العربي، وقد دخل إلى صميم الحركة الفنية العالمية وجعل من التعبير بلغة الجسد مدخلاً إلى تطهير الذات وفهم الروح، وابتكر اتجاهاً فنياً جديداً لم يكن معروفاً من قبل، حيث إنه وظف الرقص المسرحي لدمج الصم والبكم في المجتمع، كما يرى من بين صخور إعاقة الأطفال الصم تمثالاً رائعاً فحمل على عاتقه العمل من أجلهم ومن أجل دمجهم في المجتمع.
القاهرة - دار الإعلام العربية

