«الحلزونة يا امَّا الحلزونة.. الحلزونة انتحرت كانت تعبانة.. تعبانة.. تعبانة، والحلزون خبطته عربية في ميدان التحرير..».

لا تتعجب!.. فهذه ليست كلمات من زمن خرافي بعيد، بل إنها كلمات من هذا العصر تم تقديمها على أنها شعر أو صورة مشوَّهة للشِّعر، فقد تم طرحها بين أحداث فيلم «مرجان أحمد مرجان» بطولة عادل إمام، وليست القضية هنا مناقشة ما قدَّمه الفيلم، لأنه ببساطة حلقة من سلسلة طويلة تم تسريبها إلى لاوعي المشاهد تفيد الاستهزاء بالشِّعر والشَّاعر. وليس التغني بالجمال والقيم الروحية الصافية التي تسمو بالإنسان في كل زمان ومكان، والتي كانت دعاوى أساسية لفن الشعر الذي يُعد فن القول الأول للأمة العربية..

لقد كانت القبائل قديمًا حين يولد فيهم شاعر تقيم الاحتفالات، لأنهم بصدد حدث كبير، فقد ظهر لسان حالهم الذي سيغني آلامهم وآمالهم، لكن هذا الكائن الذي يحمل لقب «شاعر» تحوَّل مع بزوغ عصر العولمة والاستهلاك إلى لسان ينطق بحاله المعزول عن البشر والمجتمع، حتى تناولته السينما كمادة صالحة للتهكُّم والعبث مثلما حدث في أفلام كثيرة منها «مرجان أحمد مرجان»، حيث يشتري عادل إمام، بطل الفيلم، كل شيء بمبالغ طائلة، ويأتي الدور على قصيدة لشاعر فيشتريها بأبخس الأثمان، وكأنه يقول إن الشعر صار أحط بضاعة في الأسواق.

ويعتبر البعض الآخر من الأفلام الشاعر روحًا غير موجودة على الأرض تُحرِّك الأحداث وتقول الفلسفة من عالم الغيب، فتستند إليه الأحداث باعتباره رسولاً من المجهول كما حدث في فيلم «ديل السمكة» الذي كتبه وحيد حامد دون أحداث، نظرًا لبساطة الفكرة التي تم تصديرها في الفيلم.

حيث إن الفيلم مستوحى من وقائع حقيقية رواها كشَّاف النور الشاعر محمد مسعد، لذا اتخذ الفيلم من بطله الشاعر «أحمد عويس» الذي أداه الفنان عمرو واكد، قاعدة الانطلاق دونما أحداث، فظلت الرباعيات المختارة خلفية موسيقية وروحية للفيلم وما يحدث داخل نفوس الأبطال، فرحلة كشَّاف النور تكشف أغوار المجتمع المصري شديد التناقض والتفسُّخ.

خلفية موسيقية

وتأكيدا لقيمة رباعيات صلاح جاهين في الفيلم، نتابع أثناء نزول تيترات الفيلم في البداية فنجد الكشَّاف وهو يجري منسالاً من وجهه العرق الغزير، بينما نستمع إلى صوت لهاثه في الخلفية السمعية، إلا أننا نكتشف عند نهاية تيترات المقدمة أنه لم يكن يجري في أنحاء مصر، بل كان يجري على عجلة التخسيس في مكانه، وبمجرد انتهاء التيترات نراه يصحو فجأة من كابوسه، لنكتشف أنه لم يكن يجري على عجلة التخسيس وأن الأمر كله لا يعدو أكثر من كابوس، ويأتي مشهد النهاية متضمنًا كشّاف النور الذي يسير وحيدا في الزحام متحولاً إلى قزم، ونستمع إلى صوته في الخلفية مرددًا رباعية الشاعر صلاح جاهين التي تقول:

في يوم صحيت شاعر براحة وصفا

الهمّ زال، والحزن راح واختفى

خدني العجب، وسألت روحي سؤال

أنا متّ، ولاّ وصلت للفلسفة..

فقد اكتشف البطل زيف كل ما حوله وأنه ليس بإمكانه الوصول إلى ما يحلم به بالرغم من وجود أمل بسيط مع المطربة التي اشترت كلماته لتغنيها، ولكن ما الفائدة وقت ضياع الحب المتمثل في «حنان ترك» التي فضَّلت الثروة على الشعر.

وجاء تناول السينما أيضًا للشاعر باعتباره بضاعة تُشترى بالمال في سوق النخاسة، وهنا يمكن التهكم عليه بسهولة في زمن انهيار القيم.

وفي هذا الزخم والوضع المهين يتساءل الشاعر: لماذا تعاملت معي الشاشة السينمائية بهذا التهميش؟

تهكُّم عادل إمام

والإجابة تأتينا على لسان الفنان عادل إمام في فيلم «السفارة في العمارة»، حيث يعيش البطل مع أصدقائه حالة من التخدير الدائم بتناول المخدرات، فهو غير مكترث بأي قضية في حياته سوى «الكِيف» والعلاقات الغرامية، وفي إحدى المرات يذكر عادل إمام أبياتًا شعرية لقصيدة هي الأشهر بين الأعمال التي تعاملت برفض فكرة التطبيع مع إسرائيل وهي قصيدة «لا تصالح» للشاعر المصري أمل دنقل، وكانت الأبيات تقول:

لا تصالح ولو منحوك الذهب!

أترى حين أفقأ عينيك ثم أُثبِّتُ جوهرتين مكانهما.. هل تَرَى؟

هي أشياءٌ لا تُشْتَرَى.وجاء رأي الناقد د.جابر عصفور في حزن شديد على التهكُّم الذي أصاب القصيدة وهي التي تمثل الموقف العربي لرفض الكيان الصهيوني، وتبعه كُتَّاب ومثقفون مصريون يعتبرون الفيلم متخذًا منهجًا تطبيعيًا خفيًا بالتعرض للسخرية من قصيدة أمل دنقل، مستنكرين في بيان لهم ما جاء في الفيلم على لسان البطل عادل إمام باستبداله مفرداتها بشكل مسيء، وقد وقَّع على البيان كل من الروائيين صنع الله إبراهيم، يوسف أبو ريَّة، والشاعر عبدالمنعم رمضان.

الأخطر من ذلك ما تفعله الدراما التليفزيونية والسينمائية، خاصة في الأفلام الرومانسية التي دائمًا ما يقول فيها البطل كلامًا ساذجًا لحبيبته وترد عليه الحبيبة بقولها «بقيت شاعر كمان»، كما لو كان الشعر هكذا مرميًا في الطرقات يستطيع أن يقوله أي إنسان، فهذه الجمل الحوارية على نيتها البسيطة تسرب إلى المشاهد استسهال فن عريق يحتاج إلى موهبة ضخمة قلما يهبها الله إلى إنسان، وبالتالي يحدث نوع من التخريب في استقبال الناس للشعر ومن ثم التأثير سلبيًا على قيمة أهله.

الزمَّار

لكن الفيلم الأهم الذي كُتب شعرًا عن شخصية شاب يبحث عن الإنسان، ولم يلتفت إليه النقاد هو فيلم «الزمَّار» المأخوذ عن مسرحية عالمية لتنسي ويليامز، والفيلم يحكي عن الزمار «حسن»، نور الشريف، المطارد والمتنقل من قرية إلى أخرى في صعيد مصر بحثًا عن الأمان والاستقرار.

ولا تتبين مشكلته إلا عندما يستقر في قرية «العرابة»، فهو شاب طموح مغضوب عليه من قبل السلطة، وانتهى الأمر به في المعتقل دون جريمة سوى أنه يبحث عن الإنسان في كل مكان، وقد كتب هذا الفيلم شعرًا على يد الشاعر المصري عبدالرحيم منصور، وكأنه حال الشاعر في كل الأزمنة، وكأنه هو المطارَد المضطهَد والمهمَّش والمعاقَب على لا جريمة.

ويعوّل كثيرون على نماذج جيدة تم تقديمها في الدراما مثل مسلسل «نزار قباني» الذي قدمه الفنان السوري تيم حسن عن حياة الشاعر نزار قباني، ولأن الشخصية المحورية كانت الشاعر الشهير، فلم يكن من السهل التقليل منه، خاصة في ظل كتابة أغلب أعمال السيرة الذاتية من منطلق تمجيد الشخصيات التي يتم تناولها، مثلما حدث مع أم كلثوم وعبدالحليم حافظ.

كذلك فإن المشروع الضخم الذي ستنتجه الدراما السورية تحت عنوان «في حضرة الغياب» عن حياة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش سينضم إلى الأعمال التي تناولت شخصية الشاعر، لكن هل سيتم تناولها من منطلق الملهم لشعبه أم سيتعرَّض الكاتب إلى تحليل لشخصية الشاعر بشكل غير مسبوق دراميًا؟

ردٌّ درامي

وفي هذا الإطار الحائر بين السينما والدراما التلفزيونية حول تجسيد شخصية الشاعر يعلِّق الناقد محمود قاسم بقوله: »«إن السينما همَّشت شخصيات كثيرة من المثقفين على رأسها الشاعر الذي يُعد قيمة روحية لا يجب إهمالها أو التعامل معها هكذا، إلا أن الدراما التليفزيونية ردت للشاعر جزءًا من حقه وليس حقه كاملاً، فشخصية الشاعر «أحمد رامي» في أحداث مسلسل أم كلثوم جاءت على قدر كبير من الأهمية .

ولم تقف في الظل في حياة أم كلثوم، بل أظهر العمل قيمة رامي الشعرية وكذلك دعمه ودوره في بناء ثقافة أم كلثوم، كذلك تمت مناقشة شخصية الشاعر «بيرم التونسي» كاتب الأغنية الشهير، ليس باعتباره صعلوكًا، بل مناضلاً مصريا خالصا وموهبة فذة بالفطرة.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية