ترتبط صحة الإنسان في جميع مراحل حياته بغذائه، لاسيما مع زيادة انتشار أمراض سوء التغذية، أو أمراض السمنة نتيجة تركيب الوجبات بصورة خاطئة، أو تناول وجبات لا يحتاجها الجسم فعليا.
هذا ما أكدته الدراسات الحديثة أخيرا؛ حيث ثبت أن تحقيق التوازن الذهني والعضلي السليم لا يتم إلا بتناول الوجبات التي يحتاجها الجسم حسب المجهود الذي يبذله الجسم، فالمخ يصبح أكثر ذكاءً إذا تناول الشخص أطعمة معينة. كما أن الإنسان يتحمل المجهود الشاق إذا ما تناول الغذاء والطاقة التي يحتاجها، ما يعني أن كفاءته في العمل يرسم ملامحها نوعية الغذاء الذي يتناوله، لاسيما خلال فترة عمله.. مزيد من التفاصيل حول ارتباط الكفاءة الوظيفية والغذاء نتعرف إليها في السطور التالية.
د. فوزي الشبكي، أستاذ التغذية بالمركز القومي المصري للبحوث، أكد أن هناك بعض المهن التي تحتاج إلى مجهود ذهني أو عضلي معين، ما يستلزم تقسيم الفئات إلى أصحاب المهن الذهنية مثل الصحافي والمفكر والطبيب والمحامي وغيرهم، وأصحاب المهن ذات المجهود العضلي مثل العمال والحرفيين والصناع والبائعين وغيرهم. كذلك أصحاب المهن في بيئة غير ملائمة وهؤلاء يقومون بمجهود شاق إلى جانب ظروف مناخية صعبة كالعمل في مصانع الكيماويات والبلاستيك والمحاجر وغيرها من الظروف الخاصة، وعمل كل فئة من الفئات السابقة يحتاج إلى نوعية معينة من الغذاء.
أطعمة المفكرين
يشير الشبكي إلى أصحاب المجهود العصبي أو ممن يعتمدون على الذكاء في إنجاز أعمالهم أي أصحاب المهن ذات المجهود الذهني، فالطاقة غير لازمة بالنسبة إليهم إلا بالنسبة للشخص العادي، أي يحتاج من 2000 إلى 2400 سعر حراري في اليوم.
ويمكن أن يتناولوا السكريات والنشويات بنسب قليلة؛ لأنهم لو تجاوزوا الحد المسموح من الأغذية المولِّدة للطاقة فقد يتعرَّضوا إلى خطر السمنة؛ لأن الجسم سوف يختزن الدهون في صورة شحوم متراكمة، أما بالنسبة إلى ما يحتاجونه من أطعمة فلابد من توفير مركبات مثل «السيراتمين، الدوبامين، والاستايل كولين».
وهذه المركبات هي المسؤولة عن نقل الإشارات العصبية من المخ إلى سائر أعضاء الجسم، وتتوافر هذه المركبات في مواد غذائية معينة مثل اللحوم والأسماك والدواجن وبعض البقول بكميات أقل، كذلك مادة «الكولين» وتوجد في الكبدة والمخ والكلاوي والخضراوات.
وأوضح أنه لكي ينتج الجسم المركبات السابقة بصورة صحيحة فلابد أن يتوافر فيتامين «ب» المركب، وهو فيتامين مهم جدا للجهاز العصبي، ويتوافر في الأحماض الأمينية كالفواكه والموالح، كذلك يحتاج المخ إلى الكالسيوم الذي يتوافر في اللبن والزبادي، وللفسفور الذي يتوفر في الأسماك بأنواعها، اللبن، والخضراوات الخضراء.
أطعمة الطاقة
أما عن فئة أصحاب المجهود العضلي والشاق، فيؤكد الشبكي أنهم يحتاجون إلى الطاقة بصورة دائمة وبكميات مضاعفة؛ لأنهم يعتمدون على الجسم في بذل الجهد، لكن الأمر يحتاج إلى تنظيم الوجبات حتى يتوافر للجسم ما يحتاجه من الغذاء، فمن يعملون في المحاجر أو تسوية الطرق والكباري والرياضيين ممن يبذلون أقصى طاقاتهم يحتاجون إلى مد أجسامهم بالغذاء اللازم بالطاقة؛ لذا فمن المهم أن تحتوي وجباتهم على سعرات حرارية وبروتينات ونشويات عالية، توجد بكميات كبيرة في عسل النحل والعسل الأسود والمواد السكرية بأنواعها.
ومن أجل حرق السكريات يجب إعطاء الجسم فيتامين «ب» المركب أيضا، والموجود في الحبوب والبقول والخضراوات الخضراء الورقية كالخس والجرجير، كذلك لابد أن تحتوي الوجبة على نشويات مثل الأرز والمعكرونة، كما ينبغي أن يتضمن غذاؤهم وجبتين على الأقل تحتويان على البروتين الموجود في اللحوم الحمراء والبيضاء.
أطعمة وسطية
وهناك أيضا أصحاب المهن التي تتضمن مجهودا بدنيا وذهنيا في الوقت نفسه، كمن يعملون بمصانع الأسمدة والغزل والنسيج والحرير والمحاجر وغيرها من الأماكن التي تتعرض لملوثات بيئية تتسبب عند دخولها لجسم الإنسان بالكثير من المضاعفات.
ولكي يقاوم الجسم هذه المضاعفات الخطرة قد يكون الحل في وجبات تقوي جهاز المناعة، وتمنح الجسم مانعا للأكسدة مثل الأطعمة التي تحتوي على فيتامين «ج»، والتي تتوفر في الموالح والجوافة والخضراوات الورقية والجزر والطماطم والبطاطا، كذلك تناول الأطعمة التي تحتوي على فيتامين «ه» المتوفر بزيت جنيني القمح وزيت جنيني الذرة.
أطعمة الإشارات العصبية
أما د. فاضل مصطفى، أستاذ التغذية بالمركز القومي للبحوث الزراعية، فيوضح أن الشخص العادي يتناول وجبات تختلف عن وجبات أصحاب المهن الشاقة، فالإنسان العادي لا يحتاج في غذائه إلا لقليل من الأملاح والفيتامينات وأقل نسبة من النشويات والدهون، ولا يبالغ في تناول الأطعمة حتى لا يتعرَّض لمخاطر السمنة وأمراض القلب.
أما من يعملون في مهن شاقة، ومن يعملون بالمهن التي تعرض أصحابها لمخاطر تستنزف جهدهم وطاقتهم، فإنهم في حاجة إلى أغذية توفر قدرا كبيرا من السعرات الحرارية والنشويات والبروتينات، إلى جانب الأكلات التي تساعد في بذل الإشارات العصبية إلى كامل أعضاء الجسم.
ويلفت إلى أن كرات الدم الحمراء تتجدد كل ثلاثة أشهر تقريبا، كذلك خلايا الجسم تتجدد باستمرار، وكلها تعتمد على نوعية الغذاء، فنوعية الغذاء الذي نتناوله لمدة 3 أشهر على سبيل المثال تحدد مدى جودة الدم الذي تعتمد عليه جميع أعضاء الجسم، فإن واظبت على تناول أغذية طبيعية من فاكهة وخضروات وحبوب وبقول وأسماك ولحوم ومكسرات خلال هذه الفترة، مع الابتعاد عن التدخين والملوثات الأخرى.
والمحافظة على التمارين الرياضية تكون على الطريق الصحيح لجسم قادر على الانتاج والعمل بقوة، ومن أجل استيفاء حاجات الجسم لا بد من توفير التنوع الغذائي في هذه الوجبات، ما يعني أن كل يوم وجبات متنوعة بين اللحوم والأسماك والدواجن، فضلاً عن النشويات والدهون.
يحِدّ ولا يعوِّض
بينما كان للدكتورة سونيا صالح زكي، أستاذ التغذية بجامعة عين شمس، رأي آخر في علاقة الغذاء بالعمل؛ حيث نفت أن يكون الغذاء قادرا على تعويض العامل الذي يتعرض
لمخاطر التلوث والمركبات الكيميائية بسياج آمن يحمي صحته تماما، لكنه فقط يحدُّ من الأضرار الناتجة عن مخاطر التلوث، وفي هذه الحالة تحاول إعطاء بعض النصائح العامة أهمها:
أن الجسم دائما في حاجة إلى الطاقة؛ حيث تحتاج كل خلية إلى الطاقة لتؤدي عملها وبالتالي تنتج الطاقة بنفسها، ما يستلزم توفير فيتامينات أساسية منها ب أ، ب2، ب6، ونياسين وبيوتين + معدن الماغنسيوم لكي تتحول الطاقة الكيميائية لطاقة ميكانيكية تحتاجها عضلات الجسم، فضلاً عن الزبادي الذي يوفر الكالسيوم، الذي يسهل حركة العضلات للقيام بالعمل الحركي، فأثناء عملية الانقباض والارتخاء في العضلات تقوم الطاقة المحوَّلة من الغذاء لتعوِّض الجسم عما يفقده أثناء قيامه بالعمل.
القاهرة - دار الإعلام العربية


