حوار

عمر خيرت: انغمستُ في الموسيقى دراسةً وعملاً فأصبحت كل حياتي

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

الموسيقار عمر خيرت حين يصطف أعضاء فرقته على ثلاثة أرباع المساحة، ويكون البيانو محتلاً الربع الأخير من المسرح يظهر ببذلته السوداء وقميصه الأبيض، ويجلس بهدوء على كرسي البيانو بعد تحية انحناء للجمهور الذي يصفِّق منتظرا أصابعه التي تتماوج على أنامل بيضاء وسوداء لتخرج موسيقاه من قمقمها، خاطفة مشاعر الجمهور نحو عالم آخر. عمر خيرت بدأت علاقة مؤلفاته بأذن الجمهور العربي منذ أن وضع الموسيقى التصويرية لفيلم «ليلة القبض على فاطمة».

وتوطدت أواصر التجلّي مرورا بموسيقى أفلام «قضية عم أحمد»، «إعدام ميت»، «سكوت هنصور»، «مافيا»، «السفارة في العمارة»، وأخيرا «عسل إسود»، متتبعا أثر خطوات عمِّه المعماري والموسيقي أبو بكر خيرت. «الحواس الخمس» التقاه متحدثا عن إنجازات الموسيقى المصرية ومشواره الفني الطويل الذي لايزال ممتدا. في البداية كيف تقيِّم منجزات الموسيقى المصرية مقارنة بالموسيقى العالمية؟أعتقد أن شيئين كان لهما بالغ التأثير في تخلُّف الموسيقى في مصر خلال الأربعين عاما الفائتة، وأعرف أن رأيي قاسيا، لكن السبب في ذلك التخلُّف عصر الملحنين والمطربين الفطاحل، بالإضافة إلى تأثير حرب يونيو 1967 التي انحدر ذوق الجمهور بعدها، فالموسيقى أكثر الفنون تأثرا وتأثيرا في حياة الشعوب.

عالم مفتوح

لكن كثيرين اتهموا موسيقانا المصرية بمحاولات التغريب الدائمة وهذا ما أضرَّ بشخصيتها.. ما رأيك؟

بحكم نشأتي في بيت يُقدِّر الموسيقى والفنون عامة، فقد درست نظريات الموسيقى وعزفت البيانو بالكونسرفتوار ثم كان عملي مع فرق كثيرة منذ نهاية الستينيات، فعرفت تفاصيل ألوان الموسيقى المختلفة بداية من الشرقية إلى الكلاسيكية والجاز.

وقد أفادني هذا في أمرين أولاً في تأليف الموسيقى فيما بعد، كذلك في استيعاب مشاكلنا الموسيقية التي أراها لم تنحو في اتجاه التغريب بل وقفت موقفا وسطيا، وهذا أمر مقبول في ظل عالم مفتوح في مجالات عديدة من بينها الفنون، فموسيقانا المصرية لا تميل إلى «المودرن» تماما، لكنها تحاول التمسك بالروح الشرقية قدر الإمكان في إطار «سيمفوني هارموني».

وأعتقد أن موسيقاي التي يذهب الجمهور ليحضر حفلاتها تحقق المعادلة الصعبة، فهي ترتقي به مبتعدة عن الأغاني المبتذلة خصوصا تلك التي انتشرت في فترة السبعينيات بظهور «عدوية»، وهذا يكفيني حتى هذه اللحظة.

عائلة فنية

دائما من يتربَّى في بيت فني يكون طفرة فيما بعد، هل هذا ما حدث معك؟

بالتأكيد، فبالإضافة إلى عمي المهندس والمؤلف السيمفوني أبو بكر خيرت كان جدي محمود خيرت، سكرتير مجلس الشيوخ في أوائل القرن العشرين، وكان يجمع في شخصه فنانا شاملاً.

حيث كان رسَّاما وأديبا، وفي صالون بيته بشارع «خيرت» بحي السيدة زينب كان يلتقي أساطين الفكر والفن، وذات مرة التقى محمد عبدالوهاب وأم كلثوم، وغنيا معا مقاطع من أوبريت «العِشرة الطيبة» لفنان الشعب سيد درويش، الذي كان يأتي لزيارته ومجالسته.

سيد درويش

على ذكر «سيد درويش» كثير من الموسيقيين المحدثين تأثروا به.. هل حدث هذا معك؟

سيد درويش يتلخص في قول الأستاذ عبدالوهاب عنه حين قال:

«سيد درويش بنى حجرة الموسيقى العربية الحديثة وكل الموسيقيين عاشوا بداخلها»، فهو موهبة عبقرية في تاريخ الموسيقى العالمية وليس فقط في مصر، ويكفي أن نعلم أن كل الألحان العصرية التي صنعها في وقت مبكر ولا زلنا نعيش عليها إلى اللحظة ما هي إلا نتاج نحو 7 سنوات فقط من عمره القصير، فقد مات مبكرا، ومن المعروف أنه كان ينوي الرحيل إلى إيطاليا لدراسة الموسيقى الكلاسيكية.

وكان يذهب إلى الأوبرا لسماع شوبان وبيتهوفن، ولا شك أن كل موسيقي عربي استفاد من موهبة سيد درويش بداية من عبدالوهاب، تلميذه الأكبر، حتى أصغر وأحدث موسيقي، فلا يمكن إنكار تأثيره على المدرسة الرحبانية، وبالتالي أفخر بتأثري بسيد درويش وبفكره المتطور على كل من أتى بعده.

هل توقعت الأسرة أن يحترف ابنها الشاب مجال الموسيقى؟

كانوا يتوَّسمون في ابنهم أن يصير مهندسا وهاويا للموسيقى، وجرت محاولات لإجباري على هذا الاختيار، ولكنني لم أستطع أن أشرك الموسيقى بداخلي مع شيء آخر، فقد انغمست فيها دراسةً وعملاً إلى أن صارت كل حياتي.

قبول وتفاعل

لماذا تصل موسيقاك في رأيك بسهولة إلى وجدان الناس حتى البسطاء منهم؟

الموسيقى تحمل شخصية وروح الفنان، وتعبر عمَّا بداخله بصدق وما يعتمل في مكنون نفسه، وهذا ما يؤدي بالمتلقي إلى منطقة مجهولة يحتضن فيها الجمهور ما ألَّفه الموسيقي في الخيال.

وأنا مدرك تماما صعوبة نجاح الموسيقى وحدها في بلد يعشق الغناء مثل مصر، خصوصا أن المحاولات التي تمت من قبل موسيقيين في الماضي لتقريب الجمهور من الموسيقى دون غناء، باءت بالفشل على الرغم من جهدها الكبير، مثل أعمال الموسيقي جمال عبدالرحيم، ورفعت جرانة، لكنها في النهاية موسيقى تُدرس في المعاهد ويستفيد منها الدارسون، أما النجاح الجماهيري فلم يحدث، وسنعرف السبب إذا ما توصلنا إلى إجابة واضحة حول سؤال..

لماذا أحب الناس عبدالحليم حافظ ولم يحدث ذلك مع المطرب عبداللطيف التلباني؟ المسألة تتعلق بالقبول لدى المطرب، كذلك لدى الموسيقي؛ لأن شخصيته تظهر في موسيقاه وتصل إلى الجمهور أولاً، وبالتالي يكتب النجاح لموسيقاه ويحدث التفاعل الفني.

إلحاح إعلامي

هل تشعر بالرضا عن مستوى الذوق الموسيقي لدى الجمهور المصري؟

اختلفت الأذواق التي تتلقى الأغنية والموسيقى، وهذا أمر موجود في العالم كله، لكن هناك إلحاح من الإعلام على طرح أنماط معينة من الموسيقى؛ لأنه يكسب من ورائه، ولست ضد الربح بشرط إتاحة الفضاء لكل الألوان حتى يختار الجمهور ما يفضله.

وأعتقد أنني وضعت أساسا يمكن البناء عليه، لكنني بكل أسف لست صاحب قرار بالسيطرة على الإعلام وفضائياته التي تعد الوحيدة في تحمل مسؤولية الذوق الفني للأجيال.

ولكن حفلاتك مقصورة على مسرح الأوبرا ولا تصل للجمهور العادي، هل تجد هذا منطقيا؟

لقد افتتحت مهرجان القلعة للموسيقى، وشاركت فيه لسنوات عدة؛ حيث يحضر الناس من كل مكان دون مقابل، وعندما كان الإرهاب كابوسا مفزعا، خصوصا في صعيد مصر، ذهبت مع أوركسترا كامل في جولة مع دار الأوبرا في محافظات الصعيد المنيا، أسيوط، الأقصر، وأسوان بمصاحبة المايسترو مصطفي ناجي؛ ولأن الأوركسترا يضم عازفين أجانب فكنا نتحرك في حراسة الشرطة المصرية، وحاولنا تقديم موسيقانا بشكل جماهيري ولكن تعميم ثقافة الاستماع إلى الموسيقى لا يزال صعبا.

ظروف اقتصادية

هل ترى أن دار الأوبرا تقوم بواجبها في نشر الثقافة الموسيقية؟

الأوبرا تقدم موسيقيين مصريين عالميين مثل رمزي يسَّى، حسن شرارة، منال محيي الدين وغيرهم، وتحاول أن تقدم أفضل العروض لكن الظروف الاقتصادية لا تسمح باستضافة نجوم الغناء الأوبرالي؛ لأنهم يتقاضون مبالغ هائلة، إلا أن الأوبرا نجحت في استقدام الأوركسترا الملكي الإنجليزي وأوركسترا فيينا وغيرها، وهذا جهد طيب.

ما شعورك حيال تكوين بعض أعضاء فرقتك لفرق خاصة بهم؟

أرى ذلك مفيدا للحالة الموسيقية عامة، فعندما تصبح نسمة عبدالعزيز ومجدي بغدادي أصحاب فرق، لا يجب أن أحرمهم من نجوميتهم، فهم مجتهدون ولديهم طموح لتكوين كيان مستقل، وأفرح لنجاحهم وهم ما زالوا في الأوركسترا الخاص بي، ويلتزمون بحفلاتي وأحيانا يقود بغدادي الأوركسترا.

ما المقطوعات التي تراها كانت سببا في التفات الجمهور والنقاد لموسيقاك؟

كان أول عمل لي الموسيقى التصويرية لفيلم «ليلة القبض على فاطمة» العام 1983، وكان محطَّ أنظار الناس، وأعتقد أنه العمل الذي وضع اسمي في بؤرة الضوء لدرجة أن الموسيقى صارت تُباع في وهو أمر لم يكن معروفا في الوسط الفني، وهناك أيضا موسيقى فيلم «قضية عم أحمد»، مسلسل «البخيل وأنا»، «ضمير أبلة حكمت»، «غوايش»، كذلك مقطوعة «100 سنة سينما».

مهرجانات

ماذا عن مشاركتك في المهرجانات العالمية؟

شاركت كثيرا في مهرجانات عالمية، لكن أعتز بمشاركتي في مهرجان الحضارات الثلاث في «مورسيا» بإسبانيا، ويُقام في الهواء الطلق، وهو مهرجان يعنى بتقديم موسيقى روحانية تعبِّر عن حضارات وديانات أصحاب الحضارات القديمة، ويحضره جمهور ضخم، كذلك مهرجان «سلوفينينيا» بمناسبة تسليم رئاسة الاتحاد الأوروبي لفرنسا، وكان غريبا أن يستقدموا موسيقيا عربيا؛ لذا سعدت بالمشاركة في هذا المهرجان.

لك تجارب في الباليه والمسرح.. لماذا لم تتكرر؟

عندما أصدرت ألبوم «العرَّافة والعطور الساحرة» تلقيت اتصالاً من الراقصة الكندية «ديانا كالنتي» تستأذن في تقديم رقصاتها على موسيقى الألبوم، ثم قامت بتأليف قصة وطلبت مني وضع موسيقى لها، وكان باليه «النيل».

كما قام د. عبدالمنعم كامل رئيس دار الأوبرا المصرية بجمع مقطوعات من مؤلفاتي لتقديمها «باليه»، وتدخلت من أجل إيجاد هارموني بين المقطوعات، وقدمت هذه الأعمال على المسرح الكبير بدار الأوبرا في أوائل التسعينيات، إضافة إلى موسيقى مسرحيات «كارمن» لمحمد صبحي و«كعب عالي» ليسرا، لكن الباليه والمسرح في حاجة إلى موسيقي متفرغ؛ نظرا إلى المجهود الكبير فيهما.

أخيرا.. علاقتك بالبيانو ليست علاقة عادية، لماذا ترتبط بهذه الآلة تحديدا، ولماذا يغلب على معظم المؤلفين «عزف البيانو»؟

إمكانات البيانو تُتيح التعبير عن كل ما يدور في عقل المؤلف، وليس بالضرورة أن يكون «بيانست» محترف، وقد تأثرت ببتهوفن وباخ، وهذا ما جعلني أقترب من هذه الآلة كأنها ابنتي أو معشوقتي الخاصة، ونظرا لإمكانات هذه الآلة الغنية، فهي تُغري المؤلفين الموسيقيين بالتعامل معها دون غيرها.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات