في بعض القرى التي تفتقر إلى الكهرباء ومياه الشرب والهواتف الخلوية في باراغواي صارت الموسيقى مصدرا للطاقة الحيوية لسكانها. وصارت القيثارة، تلك الآلة الموسيقية ذات المغزى الثقافي الخاص في هذه الدولة التي تقع في أميركا الجنوبية، قناة لبعث الحياة في نفوس أبنائها.

وقد تم ضم مجموعة من الفتيان والفتيات يبلغ عدد أفرادها 600، تتراوح أعمارهم بين التاسعة إلى الثامنة عاما، وينتمون لتجمعات سكانية عدة إلى مشروع طموح لدراسة فن العزف على القيثارة، أطلق عليه اسم «أصوات الأرض»، ويخرجه الموسيقيان لويس سازاران وسيزار كاتالدو.ثم اختار منظمو المشروع من بين هؤلاء 200 من صغار السن ليشكلوا أوركسترا القيثارة وليعزفوا مقطوعات موسيقية في بداية الاحتفالات بمناسبة مرور مائتي عام على استقلال البلاد، والتي أقيمت في ميدان الاستقلال بالعاصمة أسينسيون يوم 14 مايو الماضي.كما عزفت أوركسترا الصغار في وقت لاحق من مايو مقطوعاتها الموسيقية في الأرجنتين، حيث مثلت باراجواي في احتفال آخر بذكرى مرور مائتي عام على اندلاع الكفاح من أجل الاستقلال، والذي جاء بشكل متزامن في مختلف دول المنطقة.

وقالت مارلين سوسا، عضو الفريق المنظم للمشروع إن الفكرة كانت تتمثل في عزف أفضل المقطوعات الموسيقية التي تنتمي لعصر الكفاح من أجل الاستقلال، في الاحتفال بهاتين المناسبتين، المحلية والدولية، اللتين تشترك فيهما كل دول أمريكا اللاتينية.

وقالت إن الذين يقدمون المعونة للأوركسترا يريدون أيضا أن «يعرضوا خارج حدود باراجواي، هذا التشكيل الفني البديع الذي ليس له مثيل، حيث يراهنون بقوة على العازفين الصغار، والترويج لقيثارة باراجواي».

واختار كتالدو، معلم الموسيقى، عازفي القيثارة المائتين، وكانت تجربة مثمرة له، حيث قال إن المنظمين اكتشفوا موهبة قوية ومؤثرة، حتى بين الأطفال صغار السن، بأجسادهم التي تقل حجما عن الأداة التي يعزفون عليها.

ويضيف إن كلا من الآباء والأطفال والشباب اتجهوا إلى العزف على القيثارة بحماس كبير، وتغيرت وجهات نظرهم إزاء معنى الترفيه ليروا المشروع مصدرا للاستمتاع، بكل تفان ومسؤولية.

ويشير كتالدو إلى أن مشروع «أصوات الأرض» أعاد إحياء القيثارة كرمز لثقافة باراجواي الموسيقية، حيث إن لها تأثيرا سريعا، كما أنها قادرة على إيقاظ مشاعر الاهتمام بالعزف على هذه الأداة.

وأوضح أن الشباب، والصغار، اكتشفوا أنه يمكن عزف الكثير من الألحان باستخدام القيثارة، وأنه على الرغم من استمرار سيادة الأداء الموسيقى الكلاسيكي والتقليدي، إلا «أننا نرى بالفعل شبابا يبدعون أنواعا حديثة وتقدمية وتجريبية من الموسيقى».

وتتمثل مهمة معلم الموسيقى في القيام بجولات في أنحاء البلاد، حتى في القرى والتجمعات السكانية النائية، مثل إسلا باكو وأتيرا وكاجوازو وكوروزو أراوخو وريباترياسيون وسان ميجويل ياكو وغيرها.

وتعد القيثارة أداة موسيقية بالغة القدم شهدت تحولات مختلفة عبر العصور، ووصلت إلى أمريكا اللاتينية عبر أسبانيا، وهي صالحة لمختلف أنواع العزف، سواء العازف المنفرد أو الأوركسترالي في الحفلات الكلاسيكية، والأكاديمية والشعبية.

وعلى الرغم من أن القيثارة لا تقتصر على باراجواي، حيث توجد في دول أخرى في القارة اللاتينية، مثل شيلي وكولومبيا وبيرو وفنزويلا والمكسيك، إلا أنها في باراجواي شهدت تطورا بشكل يفوق أي من هذه الدول .

وأصبحت القيثارة تمثل باراجواي من الناحية العملية، وصارت أكثر الأدوات الموسيقية المحلية ارتباطا بها حتى الآن، كما وجد عازفون ماهرون على القيثارة طريقهم للشهرة، مثل فليكس بيريز كادوزو ونيكولاس كاباليرو.

وبلغت القيثارة من الأهمية الحد الذي جعل سلطات باراجواي تسعى لأن تعلن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) إدراج قيثارتها في قائمة التراث الثقافي العالمي للمنظمة الدولية. ويشارك في هذا المهرجان عازفو القيثارة من أنحاء العالم، وبينهم 28 عازفا من أيرلندا والولايات المتحدة واليابان.

«الحواس الخمس»- «د ب أ»