نقود دولاً ونتوّج أبطالاً على العالم، إلا أن دموعنا تجد دائماً لنفسها طريقاً خارج مُقلنا، في الموت أو الفُراق، في النصر أو في لحظات النجاح. يبكي الرجال دائماً في السرّ أو في العلن، إلا أن دموعهم لا تنهمر لاستدرار العواطف وإيضاح النقاط المبهمة أو حتّى لاكتساب شهرة.
من أكثر اللحظات تأثيراً في تاريخ السياسة والرياضة والإعلام، انتقى «الحواس الخمس» خمس لحظاتٍ ذرفت فيها دموع رجالٍ تحكّموا بمصائر الأمم، أو كان حضورهم طاغياً على شاشات أكبر الشبكات الإخباريّة العالميّة. أوباما كان أسبوع انتقال البيت الأبيض الأميركيّ من إدارة الرئيس جورج بوش إلى الرئيس باراك أوباما، أسبوعاً مليئاً بالدموع؛ ففيه ملأت دموع الحزن عيني الرئيس اوباما بسبب فقدانه جدّته العزيزة، وبعدها دموع الفرح لفوزه برئاسة الولايات المتّحدة.
وفي الوقت نفسه، لم يستطع الرئيس السابق جورج بوش، إخفاء دموعه أثناء خطاب انتقال الإدارة الذي ألقاه في حديقة البيت الأبيض، وقال فيه لموظّفي الإدارة: اعرف شعوركم تماماً، إلا أنّني أحثّكم على التركيز في القضايا التي بين ايديكم الآن، لأن البلاد في حاجتكم إلى تحقيق أهدافها. مايكل شوماخر بعد فوزه بالجائزة الكبرى لبطولة «فورمولا ون» بإيطاليا للعام 200، لم يتمكّن مايكل شوماخر من تمالك نفسه عندما انهمر بالدموع، وبات غير قادر على الحديث، ممّا اضطرّ الصحافيين للاتّجاه نحو وصيفيه.
ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحد، حيث إن بكاءه لم يتوقّف، وقام أحد مساعديه بتزويده بمنشفة. وبعد أن زالت عاصفة البُكاء، برّر شوماخر انهياره بأنّ فوزه بالجائزة الكُبرى رقم 41 ذاك، ساواه بالبطل العالمي «آيرتون سيينا»، مثله الأعلى في رياضة «فورمولا ون»، والذي كان يحلم بالوصول إلى مستواه.
أحمد منصور
في ضِيافة الضابط والعالم المغربي أحمد المرزوقي، أحد الناجين من جحيم سجن تازمامارت، تواصلت حلقات برنامج «شاهد على العصر، من تقديم الصحافي المعروف أحمد منصور، والذي يُبثّ على القناة الإخبارية في شبكة الجزيرة».
وفي الأجزاء الأخيرة من الحلقة التاسعة ل«شهادة المرزوقي على العصر»، لم يتمالك أحمد منصور نفسه وهو يستمع إلى ضيفه، وأجهش بالبكاء في كثيرٍ من المرات، وهو يستمع إلى حكايات مرصعة بالدم والآلام والمهانة، يرويها أحمد المرزوقي السجين الذي نجا من أهوال ذلك السجن الرهيب.
وعلى هواء الشبكة ذاتها، لا ننسى اللحظة التي لم يتمكّن فيها المذيع الإخباري الفلسطينيّ جمال الريّان، من إخفاء مشاعره بعد تقريرٍ جهّزه مدير مكتب الجزيرة في فلسطين حول اعتداء إسرائيليّ راح ضحيته أربعة أطفالٍ من أسرةٍ واحدة.
رجب طيب أردوغان
يعدّ رجب طيّب أردوغان أحد أكثر زعماء تركيا الحاليين شعبيّةً، فبنزاهته المعهودة وأسلوبه الراقي في التخاطب والإدارة، كان هو الشخصيّة الوحيدة التي تمكّنت من اختراق قدسيّة الحُصن العلمانيّ التركيّ.
شوهدت دموع رجب طيب أردوغان وهو يعود جرحى فلسطينيين استقبلتهم المستشفيات التركية، وعلق على ما شاهده في خطاب بالقول: «إن إسرائيل ستغرق بدموع الأطفال والنساء المظلومين الذين قتلتهم، وبدموع الأمهات اللواتي فقدن أطفالهن»، مضيفا أن «الله سيعاقب أولئك الذين ينتهكون حقوق الأبرياء عاجلاً أم آجلاً».
جمال عبد الناصر
أثناء تقديم السفير السوري الجديد الدكتور سامي الدروبي، أوراق اعتماده للرئيس عبد الناصر بُعيد انفصال سوريا عن مصر، وبالتحديد بعد نطقه العبارة التالية: «إذا كان يسعدني ويشرفني أن أقف أمامكم، مستشرفاً معاني الرجولة والبطولة فإنه ليحز في نفسي أن تكون وقفتي هذه كوقفة أجنبي، كأنني ما كنت في يومٍ مجيدٍ من أيام الشموخ مواطناً في جمهورية أنت رئيسها».
تسرّبت الدموع إلى عيون عبد الناصر، وإلى جانبه كلّ الحاضرين، حيث لم يتمكّن موحّد أول دولتين عربيّتين في التاريخ الحديث من إخفاء دموعه، كما أنّه لم يأبه لكلّ الضوابط الدبلوماسيّة، وسمح لنفسه أن تعبّر عمّا بداخلها بكلّ صدق.
وبالحديث عن دموع عبد الناصر، لابدّ لنا أن نذكر أن دموع الزعيمة الهنديّة أنديرا غاندي، لم تُذرف في قمّةٍ سياسيّة، إلا عندما وقف إلى جانبها ذلك القائد العربيّ متحدّثاً عن ذكرياته مع والدها جواهر لال نهرو.
دبي ـ علي محيي الدين


