يعود عمر هذا السؤال إلى عمر البشريّة، عمر الدموع في عيون الرجال وعمر الرجال في عين التاريخ، إلا أن إجابته لا تزال مُبهمة يسودها اللبس واجتهاد المجتهدين.
لطالما ارتبط البكاء بالأنوثة، واعتُبر نشاطاً مُقتصراً على النساء فقط، خصوصاً في الحضارات التي تُسيطر عليها الأفكار الذكوريّة الفارضة على الرجل أن يكون عدائيّاً صارماً، وطموحاً لا تأخذه العواطف، كما أن تركيزه منصب فقط على توطيد نفوذه في المجتمع. في حين تُحكم النساء جمعاً بصفات التواضع والرقّة والحساسيّة والتردّد والانفعاليّة.
وبكاء الرجل في هذه المجتمعات انتقاصٌ حادٌ لرجولته، وعلامةٌ على ضعف شخصيّته.ولأنّنا محكومون بقوانين بشريّة تُحتّم على الإنسان أن يظهر ذكورته أو أنوثته فقط، يضحى البكاء، المرتبط بالأنثى أبداً، علامةُ نقصٍ في سجلّ الذكورة.
إلا أن الحقيقة تبتعد تماماً عن تلك الأفكار الموروثة، فالدراسات الفلسفيّة القديمة شأن ما ذكر في «إمبراطوريّة أفلاطون».والكثير من المعاصرة منها والمنشورة في صحف عالميّة شأن «ذي إندبندنت» و«نيويورك تايمز»، ومواقع الإنترنت المختصّة بالدراسات الاجتماعيّة شأن (سفٌَُ.كٍُ)، تُفيد بأن الإنسان يولد وفيه صفاتٌ كثيرةٌ من الجنس الآخر.
ولا نقصد بهذه الصفات ما هو بيولوجيّ، وإنّما تلك المتعلّقة بالمشاعر والمواقف والأحلام والرغبات.وفي الحديث عن البنية البيولوجيّة، يتحوّل الذكر إلى التعبير عن طاقته المرتبطة ببنيته الجسديّة، وبهذا الشكل يكون تفاعله مع العالم الخارجيّ أكثر كفاءة.
في حين يتحكّم التكوين البيولوجي للمرأة بردود أفعالها وإحساسها الداخليّ، حيث تكون توّاقةً لخلق مساحةٍ داخليّةٍ تُجسّد حساسيّة المرأة ورغبتها في العطاء، خصوصاً أنّها طرف المعادلة الذي يقدّم أكثر ممّا يأخذ، في محيط الأهل والزوج أو الأولاد.
موازنة المشاعر، والتعبير الصحيّ عنها، ينتج عنه حاجة كلا الجنسين للآخر، فالمرأة تحتاج إلى رجلٍ تعكس من خلاله طاقاتها الرجوليّة، وكذلك هي الحال بالنسبة للرجل، بعض الصفات الرقيقة فيه تحتاج لامرأة كي تُظهر انعكاسها جليّاً.
وعلى هذا الأساس، يكون الرجل واثقاً من كمال ذكورته، فلا يشعر بأيِّ نوعٍ من التهديد للانتقاص منها، فينطلق بالجوانب الرقيقة فيه مُتجاهلاً ارتباطها بالنساء.
ومن الممكن أن يبكي، ويعبّر عن الانفجار داخله بدموعٍ منهمرةٍ أمام الجموع كما حصل مع ديفيد بيكهام ومارادونا وأرنولد شوزارزينيغر، إضافة إلى الكثير من مشاهير عالم السياسة، وهو واثقٌ بأن جاذبيّته التي لا طالما كانت مرتبطة بذكورته، في أمان. وأن مكانته في أعين النساء لاتزال مرتفعةً لا تمسّها دموعه.
أما الرجل الذي يعوزه النضج، فيحاول كبت مشاعره وخنق كلّ الصفات المرتبطة بالرقة، كالبكاء أو الحساسيّة الزائدة أو غيرها، بل يزيد في أسلوب دفاعه عن ذكورته الناقصة، بالتعبير المبالغ فيه عن سلطته وصرامته وعِدائيّته.
وفي حال زادت الأمور عن حدّها، وأجهش في البكاء في يومٍ من الأيّام، حصلت الكارثة، لأنّ أيّ امرأةٍ لن تتمكّن من رؤية انعكاس بعض صفاتها فيه، بسبب الغطاء الذي يخلقه البكاء ليفضح ميكانيكيّة الدفاع النفس الملازمة له طيلة الفترة السابقة.
والمرأة غير القادرة على تمييز ازدواجيّة الصفات لديها، يُشكّل لديها بكاء الرجل صدمة، حيث لا يمكنها أن تفكّر إلا بأن الوجنتَين المليئتَين بالدموع وهي صورةٌ تراها في مرآتها فقط، أو خلال حديثٍ عاطفيٍّ مع امرأةٍ أخرى.
وفي نهاية الحديث، نعلم الرجال كلّهم يبكون في السرّ أو في العلن، والمرأة الممتلئة بأنوثتها، تجد دموع الرجال جذّابةٌ بلا حدود، لأنّ الرجل الحسّاس والقادر على التواصل الاجتماعيّ معها هو إنسان، وليس ذكراً ناقصاً.
عادةُ التّعبير عنِ العواطف
أفادت الكثير من الدراسات النفسيّة المختصّة، والمنشورة في الفترة بين 1993 و2003 باختلاف التركيبة النفسيّة جذريّاً بين الرجال والنساء، إلا أن دور العامل البيولوجيّ في هذا الاختلاف لا يزال مبهماً، ومع هذا يُرجع الأخصّائيون النفسيون ذلك الاختلاف لموروثاتٍ ثقافيّة تشجّع تطوّر المشاعر لدى المرأة وتُثبطها لدها الرجل.
ونقيضاً لذلك، تُظهر الدراسات الحديثة تشابُهاً كبيراً في ردود الأفعال النسائيّة والرجالية تجاه التجارب العاطفيّة المتطابقة. وقد وضّحت هذه الدراسات أن الاختلاف يكمن في التعبير عن التجربة، وليس في تفاصيل التجربة ذاتها، على امتداد خطّها الزمنيّ.
وهنالك أدلّة دامغة وردت لدى أطبّاء نفسيين عالجوا أناساً من الجنسين، مرّوا بتجارب شبه متطابقة، في كلٍّ من ألمانيا والمملكة المتّحدة، بأن الرجال يفضّلون التركيز على المشكلة، وليس على سيل العواطف الناتج عنها.
فالإناث يَمِلنَ إلى قراءة التعبيرات العاطفيّة المنطوقة والمكبوتة أو المخفيّة، وعلى أساسها يبنين ردود أفعالهن ويكبُتن الغضب، في حين تُبنى ردود أفعال الذكور على زيادة الغضب والعدوانيّة، والابتعاد التامّ عن كلّ المشاعر المتعلّقة بالإحساس بالذنب والتأثّر بالنقد.
وبالتالي، فالافكار المُسبقة عن الأدوار الحياتيّة المحصورة بالنساء أو الرجال، هي التي تفرض الاختلاف في التعبير عن العواطف، وتؤثّر في تباين درجاتها.
دبي - علي محيي الدين
