للأطفال عالم خاص في الخيال تسكنه كائنات خرافية مضحكة أو كلاب تفعل المعجزات مثل الكلبة الأسطورية »لاسي«، أو فئران ذكية مثل »جيري« الذي يقهر القط الغبي »توم«، أو شخصية تان تان الصحافي النشيط الباحث في حل القضايا والألغاز.

لكن هذا العالم لدى أطفال العرب يستورد خاماته وشخصياته من الخارج ومن بيئات لا تناسب عقلية وعادات أطفالنا؛ تحت مبررات جاهزة من صناع سينما الطفل تتعلق بضعف الإمكانيات فيما رأى بعض النقاد أن الإنتاج الخاص غير قادر على إفراز مادة قوية تعبر عن دور تربوي سليم. الأمر من الخطورة التي يجب اتخاذها بشيء من الحذر؛ في ظل دراسات تؤكد أن سينما الأطفال المعروضة في عالم العربي تقدم سلوكيات مشوّهة تستقر في العقل الباطن لدى الطفل، وتظهر آثارها بعد فترة من الزمن، ما يولد حالة من العنف في نفوس الأطفال تؤدي إلى ارتفاع درجة الإرهاب في مجتمعاتنا.

وذكرت تلك الدراسات أن هذا الوعي الضعيف بثقافة الطفل والسينما الخاصة به يقودنا حتما إلى جلب أفلام كرتونية يابانية وأميركية لا تتوافق مع ثقافتنا، ومن ثم يتم دبلجة العمل بصوت عربي، وهو ما يعني الاستخفاف بالعقلية الواعدة للأطفال التي تستطيع التمييز بين الأحداث والصوت ومدى التناقض بينهما. خطورة وغياب وكي نتعرف إلى مدى تأثير سينما الأطفال بشخصياتها الجذابة على عقول ووجدان الطفل، لابد من التعرف إلى الدراسة التي حذرت من مخاطر ما تقوم به مطاعم الوجبات السريعة التي تربط بين منتجاتها وشخصيات كرتونية شهيرة، الأمر الذي يدفع الأطفال إلى الارتباط بهذه الوجبات التي تؤدي إلى السمنة بسبب حبهم الشديد لشخصياتهم المفضلة.

وأكدت الدراسة التي أعدها المركز القومي للبحوث في مصر أن الأطفال أعلنوا أنهم يصدقون أن الوجبات التي توضع في علب تحمل صور الشخصيات الكرتونية ألذ طعما من تلك الموضوعة في علب عادية.

وهذه الدراسة تشير بوضوح إلى مدى خطورة تأثير سينما الأطفال وشخصياتها على حواس الطفل ورغباته؛ لذا يمكن من خلالها أن نمرر أفكارا وسلوكا يبني المجتمع بدلا من ترك الساحة لأفلام العنف والسلوكيات المبتذلة الهدامة، لكن الجدل لايزال مستمرا حول مسببات غياب سينما الطفل، خصوصا أن عالمنا العربي في حاجة ماسة لسينما طفل جادة تشكل إضافة حقيقية لثقافته.

مشكلات متراكمة

المنتج شوقي حجاب، شاعر وكاتب قصص أطفال، وصف واقع سينما الأطفال بأنه مزدحم بمشاكل متراكمة منذ سنوات طويلة، راجعا ذلك إلى عدم التعامل مع الطفل بالمسؤولية المطلوبة، فلم يتم وضعه موضع الأهمية اللازمة على الرغم من أن الطفل يعد من أهم الأولويات بالنسبة لأي أمة، وبرر ذلك بالثقافة الخاطئة التي فرضتها تقاليد وأعراف بالية، ونفى أن يكون الإنتاج يشكل أزمة، وقال إنه من الممكن أن تقدم سينما جيدة للطفل حسب الإمكانيات المتاحة، وستكون معبرة عن واقعنا ومعالجة لمشكلاتنا.

وحمّل حجاب المنتجين جزءا كبيرا من المشكلة للمؤسسات الثقافية في البلدان العربية، خصوصا أنه كان من الممكن إنتاج أفلام مشتركة مع منتجين خارج الحدود أو مع الدولة أو المؤسسات الثقافية في مصر التي لم تنتج منذ عشرين عاما إلا فيلما واحدا هو »السندباد الأخضر« الذي أنتجه المركز القومي لثقافة الطفل، والذي لم يتم عرضه في التليفزيون المصري غير مرة واحدة فقط؛ لذا فإن الأزمة مطروحة للبحث عن مبادرة حل مدروسة؛ لأننا بالفعل في حاجة لسينما توجه الطفل والأسرة، فمثل هذه الأفلام يمكن أن تعبر عن طفل عربي واحد وتاريخ أمة عربية موحدة.

خطوات بطيئة

أما د.مصطفى الفرماوي، أستاذ فنون السينما ومنتج أفلام أطفال، فأكد أنه على الرغم من الأزمة؛ فإن هناك خطوات جادة وعملية في بعض الدول العربية مثل الإمارات والمملكة العربية السعودية والكويت وقطر لصناعة سينما أطفال، لكن الخطوات بطيئة.

أضاف: إننا في حاجة إلى كوادر متخصصة للعمل على إنجاز سينما عربية للطفل، خاصة في مجال التسويق من خلال طرح العمل على مستوى المهرجانات الإقليمية والدولية والوكلاء حول العالم لتوزيع هذه الأفلام على نطاق أوسع، إضافة إلى عمل دراسات عميقة من متخصصين حتى نضمن استمرار تدفق هذه الأفلام في الأسواق العربية بشكل منتظم.

وقد دعت د. نبيلة حسن، رئيس المركز القومي لثقافة الطفل، إلى تجاوز هذه الأزمة بالعمل على إنتاج أعمال مشتركة بدعم من الحكومة لجهات الإنتاج في القطاع الخاص، مشيرة إلى أنه في ظل التطور التكنولوجي يمكن إنتاج سينما تخاطب الطفل وتعبر عنه، ولكن نبهت إلى بقاء أزمة التسويق عائقا أمام الجهود المبذولة تجاه تنمية سينما الطفل.

وأعربت عن حزنها على ما تم إنتاجه عربيا في هذا المجال، والذي لا يرقى إلى مستوى عرضه في المهرجانات العالمية أو دور العرض السينمائي، موضحة أننا في حاجة إلى الخروج من نفق أفلام الكرتون القائمة على العنف والتي انتشرت في الآونة الأخيرة، خصوصا أن الرسوم المتحركة مؤثرة سلبيا على نفسية وعقلية الطفل، فهي تسهم في تكوين شخصيته بشكل إيجابي إذا راعت التركيز على الجانب التربوي.

وأشارت سلام إلى خطورة مشاهدة الأطفال لأفلام الكبار، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع الإنتاج في مجال سينما الأطفال لعدم ثقة المنتجين في الإقبال المطلوب من الجمهور، ولكن المنتجين يمكنهم إنتاج أفلام للأطفال من خلال مشاركة كبار نجوم السينما والتلفزيون المحبوبين للأطفال، مع مراعاة وجود كتاب قصص يصلحون للكتابة للأطفال يفهمون نفسية الطفل واحتياجاته.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية