تقف الطفلة الشقراء مع أمها محدقة في اللوحة المعلقة على الجدار، وآثار فطيرة الحلوى لا تزال على أناملها الصغيرة. تحدق في الألوان وتتخيل سر الأشكال في اللوحة التجريدية. تسأل أمها ببراءة متناهية: هل هذه سمكة؟.

في واقع الأمر، ليست كذلك، رغم أن المكان الذي علقت فيه اللوحات التجريدية التي وقعها فنانون شبان اكتسبوا شهرة عالمية، لا يخلو من الطعام. انه مقهى ASPEN في فندق»كمبنسكي مول الإمارات«، لكنه ليس مقهى تقليديا، ويكاد يكون الوحيد من نوعه في دبي، الذي يجمع بين جاذبية الطعام وجاذبية الرسومات التي تتغير على جدرانه، ضمن معارض مشتركة يقيمها مع »غاليري فينديميا«، الذي يتخذ من ممشى الجميرا مقرا لها.ربما تكون فكرة »الصالون الثقافي« أو »المقهى الثقافي« فكرة قديمة، وفي حين استوعبتها منافذ مختلفة غير تقليدية، مثل الفنادق ومحطات القطار وحتى المقاهي الشعبية، في بلدان الغرب، فإن تواجد هذه النوعية من الأمكنة لدينا، ليس شائعا.

وخلال الشهور الماضية، تردد عدد كبير من الفنانين على هذا المقهى لرؤية معارض زملائهم، وسط أجواء كانت موضع ترحاب من الوسطين الثقافي والاعلامي الذين لطالما طالبا بوجود مكان جامع لهذه الفئة من الشخصيات المبدعة، يلتقون فيه، فاذا ب» كمبنسكي مول الإمارات« يحقق هذا الحلم، ويبدأ بالتعاون مع الغاليري تقليدا غير مسبوق في دبي، بمزج التجربة الفندقية مع التجربة الفنية.يقول هولجر شروت، مدير عام الفندق: »ترتبط المقاهي في أوروبا بالأجواء الفنية، وطالما رغبنا في أن نضيف هذه اللمسة إلى آسبن. وكان عرض الأعمال الفنية من كافة أنحاء العالم بالتعاون مع فنديميا غاليري، المتخصصة بعرض الأعمال الفنية والتحف والمجموعات الأثرية، الفرصة المثالية لتطبيق هذه الفكرة التي طالما راودتنا.

ويضيف: »كما تضفي إقامة معارض جديدة بشكل مستمر في ردهة الاستقبال المزيد من الحيوية على أجوائه، وهذا شيء لمسه ضيوفنا وأحبوّه. وتعد المعروضات وسيلة مثالية ليتعرف الزائرون على آسبن وفندق كمبينسكي مول الإمارات، ولتوفير تجربة حيوية وفريدة لضيوفنا الدائمين في كل مرة يعيدون فيها زيارتنا«.تقول ماهيتاب الحسيني، وهي سيدة فلسطينية تعيش في كندا وتزور دبي هذا الصيف:» لا أقيم في الفندق، اذ أن لدي شقتي الخاصة، لكنني اتردد كل يوم على هذا المقهى. انه شيء اعتدته في كندا، أن التقي بشخصيات مثيرة للاهتمام في المقاهي ذات الأجواء الثقافية. وقد علمت من اصدقائي عن هذا المقهى، واتردد كل يوم لاحتساء شاي ما بعد الظهيرة والتأمل في اللوحات.وتعترف غوبيكا، وهي من الهند، أن اللوحات التي شاهدتها في احد المعارض التي استضافها المقهى قبل فترة، وجمعت فنون سبعة مبدعين من الهند، قد غير حياتها: لقد أثرت في اللوحات المعروضة لأحد الفنانين، لدرجة أني اتخذت في اليوم التالي للمعرض قرارات جريئة تتعلق بحياتي وعملي. التقيت بالرسام وتجاذبنا اطراف الحديث، وكانت تجربة موحية جدا بالنسبة الي.

ويمثل هذا المقهى، القريب من محطة التزلج في أحد أشهر مراكز التسوق في الامارات، فرصة حقيقية لدى نزلاء الفندق أو زواره للتعرف على جزء من المشهد الفني في دبي والالتقاء بالفنانين أنفسهم: »قد يكون هذا الأمر متاحا في المعارض الأخرى التي تضج بها منطقة القوز الصناعية.

ولكن من قال ان الناس لا تفضل الاستمتاع بالفن وسط أجواء مكيفة وقريبا من المحلات التي تبيع ارقى الأزياء«، يقول ديفيد وهو من الشبان الحريصين على زيارة المقهى مع اصدقائه باستمرار.

وخلال الأسابيع الماضية استضاف المقهى لوحات لفنانين بارزين مثل البريطاني لي مارتن، والسوري باسم الريس، اضافة الى اربع فنانين من الهند، وغيرهم ومن جنسيات مختلفة، الأمر الذي يعكس الطابع العالمي الذي يتناسب مع طبيعة العلامة التجارية »كمبنسكي« بوصفها تجسد الفخامة والعالمية، كذلك الاهتمام بالبعد المحلي الثقافي في الوقت ذاته.

يقول هولجر شروت: لقد تنوعت الأعمال الفنية التي عُرضت في آسبن حتى اليوم من المنحوتات إلى الرسومات والفن على القماش إلى المعارض الجوالة ومعارض تذكارات المشاهير، ولاقت جميعها اهتماماً كبيراً في المشهد الثقافي والفني في دبي.

تنتبه الأم الغارقة في تأمل اللوحة الى الطفلة الصغيرة وهي تقول:»ان لم تكن سمكة، ربما تفاحة!.. آه، هل مسحت لي التفاح عن فمي؟«. تضحك الأم ويغادران، بعد التأكد من السؤال عن تفاصيل هوية الفنان وسعر اللوحة.

دبي- الحواس الخمس