قبل أكثر من 4 عقود، وبالتحديد في صيف العام 1956م، خرج الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بقرار مفاجئ للعالم بتأميم قناة السويس، تلك القناة الشهيرة التي لعبت بطولات عديدة في عالم السينما منذ زمن الأبيض والأسود حتى الآن.

بعد ما دفع فيها نحو 125 ألف مصري حياتهم مهرًا لحفرها لتصبح أهم قناة مائية في العالم تربط بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، وبدونها لم تكن في استطاعة مصر بناء السد العالي. وتعد اليوم مزارا سياحيا جاذبا، حيث يتشوق السياح للتعرف عليها عن قرب ومراحل تشيدها والقصص والروايات حولها.

10 أعوام هي الفترة التي استغرقتها عمليات الحفر بمشاركة نحو مليون رجل من فقراء المصريين، وبلغت تكاليف حفرها آنذاك نحو 369 مليون فرنك فرنسي، بينما بلغت كمية الرمال التي استُخرجت من باطن الأرض بعد حفر القناة 74 مليون متر مكعب، ليتم افتتاح القناة رسميًا في 16 نوفمبر 1869.بطول 163 مترًا منقسمة إلى شقين: شمال وجنوب البحيرات المرة، فيما يبلغ عرضها 190 مترًا وارتفاعها 19 مترًا، ومن خلال العبور بهذه القناة وفرت السفن الوافدة من البحر المتوسط وأوروبا جهدًا كبيرًا؛ واختصرت طريق هذه السفن بدلاً من الدوران حول قارة أفريقيا.

:كلمة السر.. ديلسبس:تعود فكرة إنشاء قناة السويس التي تعتبر ثالث أهم مصدر للدخل القومي في مصر إلى الفرنسيين، الذين كانوا يهدفون إلى إنهاء احتكار بريطانيا لطريق رأس الرجاء الصالح في أفريقيا للوصول إلى آسيا، وتم العمل في القناة تحت إشراف نائب القنصل الفرنسي في مصر «فرديناند ديليسبس».واستمر العمل بها حتى اكتملت في عهد الخديوي إسماعيل الذي احتفل بهذا الإنجاز من خلال حفل كبير دعا إليه عددًا كبيرًا من زعماء العالم، وقد كان حفلاً أسطوريًا بشهادة الإمبراطورة «أوجيني» التي قالت للإمبراطور نابليون الثالث إن الاحتفال كان فخمًا، وأنها لم ترَ مثله في حياتها.لكن الفكرة الأولى لشق قناة في هذا المكان بدأت منذ مئات السنين، وذلك منذ أن قام الرحالة «فاسكو ديغاما» باكتشاف رأس الرجاء الصالح، وقتها لم تكن السفن تمر بمصر بل تدور حول قارة أفريقيا، وبعد أن ضمت بريطانيا الهند إلى مستعمراتها أصبح رأس الرجاء الصالح حكرًا عليها وحدها، ما دعا فرنسا أن تعمل على استرداد هيبتها.

وفكرت في حفر قناة السويس، وهذه المحاولات استمرت طويلاً وفشلت مرات عديدة حتى عهد محمد علي باشا؛ حيث طرحت فرنسا في عهده فكرة إنشاء القناة، وقام محمد علي باشا بعرض الفكرة على المجلس الأعلى للدولة المصرية الذي رأى إنشاء قناطر على النيل لمنع إهدار مياه النيل في البحر.

سيطرة فرنسية

في العام 1840 كان هناك فرنسي يعمل مهندسًا بالحكومة المصرية يُدعى «لينان دي بلفون بك» قد طرح مشروعًا لشق قناة مستقيمة تصل بين البحرين الأحمر والأبيض، وأقنع السلطات المصرية بأنه لا خوف من عُلو منسوب البحر الأحمر على البحر الأبيض المتوسط، وأكد أنه ليس هناك أي ضرر من ذلك، إنما سيساعد على حفر القناة.

وللتأكيد أن المشروع ليست به مخاوف أُنشئت في باريس جمعية لدراسة المشروع المتعلق بحفر القناة وذلك العام 1846، وتوصلت الدراسات إلى إمكانية حفر القناة دون أي أضرار أو حدوث طغيان بحري.

وفي عهد سعيد باشا وبالتحديد في العام 1854 حصلت فرنسا على عقد امتياز قناة السويس الأول، وتضمن هذا العقد 12 بندًا من بينها حفر قناة تصل بين البحرين، ومدة العقد 99 عامًا من تاريخ فتح القناة، وعلى الرغم من اعتراض بريطانيا الشديد على هذا المشروع خوفًا على مصالحها خاصة في الهند.

إلا أن المهندسين الفرنسيين بدأوا دراسات جديدة على أرض الواقع توصلوا خلالها عام 1855 إلى أنه من الممكن شق القناة بدون أي تخوُّفات، وبعد ذلك صدرت وثيقتان في يناير 1856 تقضيان بقيام الشركة بأعمال الحفر كافة.

وإنشاء ترعة للمياه العذبة تتفرع عند وصولها إلى بحيرة التمساح شمالاً ببورسعيد وجنوبًا السويس، على أن تكون حجم العمالة المصرية أربعة أخماس العمالة الكلية المستخدمة في الحفر.

آنذاك طُرحت عملية اكتتاب أسهم شركة القناة، حيث بلغت الأسهم 400 ألف سهم، وكانت قيمة السهم 500 فرنك للسهم الواحد، وتم بعدها إعلان تأسيس الشركة بشكلها النهائي وتحديد مجلس إدارتها، وفي أبريل العام 1859 بدأت عمليات الحفر.

حيث قام المهندس المسؤول بضرب أول معول في الأرض إيذانًا ببدء الحفر، واستمر العمل حتى انتهى حفر القناة البحرية المصغرة، ووصول مياه البحر المتوسط إلى بحيرة التمساح في منطقة «نفيشه»، وبعدها استمر العمل الذي استكملت خلاله كل الملحقات وإنشاء الورش الخاصة بالميكانيكا والحدادة والخراطة وغيرها.

وكذلك كوبري يمتد من البحر إلى الشاطئ لتفريغ شحنات السفن والمعدات اللازمة للحفر، وإنشاء حوض للميناء ومصانع للطوب، وإيجاد وسائل لتوصيل مياه الشرب من المطرية بمحافظة الدقهلية إلى بورسعيد.

الخديوي إسماعيل

وفي العام 1863 تولَّى الخديوي إسماعيل حكم مصر وتحمَّس للمشروع، وأنشأ محافظة القنال في العام نفسه، وفي نهاية العام 1863 بلغت الترعة الحلوة مدينة السويس، واستمر العمل حتى اكتمل في 18 مارس 1869 بوصول مياه البحر المتوسط إلى البحيرات المرة.

وفي 15 أغسطس ضربت الفأس الأخيرة في حفر القناة وتم الاتصال بين مياه البحرين الأحمر والأبيض المتوسط في منطقة «الشلوفة»، وبعدها أصبحت قناة السويس مكتملة تمامًا لتصبح أهم ممر مائي في العالم.

تنفرد قناة السويس بمميزات عديدة مقارنة بأي مجرى مائي آخر، فبجانب أنها أطول قناة في العالم وتجري فيها الملاحة ليلاً ونهارًا، تمتاز أيضًا بأنها من الممكن توسيعها أو تعميقها في أي وقت طبقًا لتطور أحجام السفن، وهي الآن تسمح بعبور الناقلات العملاقة وهي فارغة في ظل مراحل التطوير العديدة خلال مسيرتها، والتي استُخدم فيها كثير من التقنيات العالمية في تنفيذ عدد كبير من المشروعات.

يصل غاطس القناة الآن إلى نحو 66 قدمًا، وهناك جهود خلال الخطة الخمسية 2007 - 2011 ليصل الغاطس إلى 72 قدمًا بما يسمح بعبور الناقلات العملاقة، كما تتمتع القناة بوجود نظام المتابعة والمراقبة الإلكترونية للملاحة تمشيًا مع التطور التقني في مجال الملاحة الإلكترونية في شتى بقاع العالم.

أيضًا من مميزاتها أن المسافة بين ميناءي جدة بالسعودية ومكونستانزا بالبحر الأسود نحو 11771 ميلاً عن طريق الرجاء الصالح، بينما تبلغ المسافة عن طريق قناة السويس 1698 ميلاً فقط.

وفي قناة السويس تجد السرعة المسموح بها للسفن أثناء عبورها تتراوح بين 13 أو 14 كم في الساعة تبعًا لنوعها وحمولتها، ما عدا القطاع الجنوبي فالسرعة فيه تتراوح بين 11 و14 كم بناءً على اتجاه تيار المد والجزر وسرعته.. وهذا ما لا يتوافر في أي ممر مائي آخر.