كثير من العلوم والفنون تعود أصولها إلى الحضارة المصرية القديمة، هذا ما يؤكده د. خيري الملط، أستاذ الكمان بكلية التربية الموسيقية بالقاهرة، كاشفا عن جانب جديد في فن الموسيقى، الذي قد يتبادر للأذهان حداثته، أو كونه من إبداعات الحضارة الأوروبية الحديثة مثلاً..
فقد تنبَّه الملط قبل أكثر من 15 عامًا إلى أهمية البحث العلمي في هذه القضية، وأعدَّ أول دبلومة عن الموسيقى الفرعونية، ثم أسس مشروعا قوميا لإحياء هذه الموسيقى، وكوَّن أخيرًا أوركسترا «أحفاد الفراعنة».
لإحياء التراث الفرعوني بالآلات الموسيقية نفسها التي كانت تستخدم في غابر القرون، مثل الناي، الطنبورة، العود، والهارْب، بعضها تم ترميمه والبعض الآخر تمت صناعته بالمقاييس والمواصفات نفسها..
تفاصيل المشروع يستعرضها الملط في حواره مع «الحواس الخمس» فيقول: «تفكيري في إحياء الموسيقى الفرعونية بدأ منذ سنوات طويلة، أثناء رئاستي لقسم الموسيقى بكلية التربية النوعية بقنا في صعيد مصر.
هناك انبهرت بالمعابد الفرعونية والرسومات الموجودة عليها خاصة المتعلقة بالآلات، وأثناء ذلك تفتَّحت شهيتي للبحث في نشأة الموسيقى الفرعونية وتجميع ما كُتب عنها في محاولة لإعطاء هذه الموسيقى حقها، ومنع الآخرين من السطو عليها».
مشروع قومي
ويواصل الملط حديثه عن المشروع وفكرته بقوله: تجميعي للكثير من الأبحاث والدراسات عن هذه الموسيقى قادني العام 2000 للبدء في تنفيذ المشروع القومي لإحياء الموسيقى الفرعونية الذي يهدف إلى جمع المادة العلمية المتعلقة بها.
ومحاولة نشرها في جميع أنحاء العالم، وكانت البداية بكتاب مهم اسمه «الموسيقى عند قدماء المصريين من خلال المناظر» كتبه عالم ألماني ووضع فيه نحو 80% من جداريات الحياة الموسيقية عند الفراعنة.
كما كان هناك بحث مهم عن آلة الناي في هذه الحقبة، وقادنا هذا البحث للتعرف إلى السلالم الموسيقية التي كان يستخدمها الفراعنة، ومن ناحية أخرى تمت صناعة الآلات الموسيقية بالمقاييس والمواصفات نفسها التي كانت موجودة عند القدماء من خلال ورشة دولية لإعادة تصنيع الآلات الموسيقية الفرعونية.
وهذا يؤكد ان الموسيقى كانت موجودة في الحياة اليومية للمصري القديم على المستويين الديني والدنيوي، فهناك الغناء والرقص الذي يقتصر على كهنة المعابد في المناسبات الدينية مثل تتويج الملك الفرعوني، وهو طقس مقدس له مراسم تكاد تكون سرية، وما يصاحبه من موسيقى وغناء ورقص، وفي هذا المجال استطاع د. شريف بهادر.
أستاذ البالية بأكاديمية الفنون، دراسة ورصد حركات الرقص المختلفة الموجودة على جدران المعابد وتوظيفها في تصميم رقصات تجمع بين القديم والحديث، وقد استفدنا من ذلك في معرفة أوزان وأعداد الإيقاعات المستخدمة؛ لأنها تتزامن مع حركة أرجل الراقصين والراقصات.
أما الشق الدنيوي فكانت الموسيقى من أهم مظاهر الحياة الثقافية ووسيلة التعبير والترفيه معًا، فكان طبيعيًا مع معرفة الإنسان بالزراعة والاستقرار في الدولة الحديثة 2500 ق.م أن تظهر الفنون بشكل عام ومنها الموسيقى والغناء والرقص، وتوصَّل المصري القديم إلى معرفة المقامات والسلالم الموسيقية.
لكن ظلت هناك معضلة في عدم معرفة التدوين الموسيقي «النوتة»؛ لذلك نجد أن كل عازف أمامه قائد يوجهه بإشارات لها دلالات إيقاعية ونغمية، وهناك أغانٍ للتسلية أثناء العمل في الزراعة، وأخرى في البيت في نهاية اليوم.
تواصل
وعن علاقة الموسيقى الفرعونية والموسيقى في الحضارات القديمة الأخرى يوضح الملط: عندما سيطرت مصر على بلاد ما بين النهرين «بابل» و«آشور»، حدث نوع من التواصل بين الموسيقيين هنا وهناك، وجاء بعضهم إلى مصر للتعلم، وعرفنا ذلك من صور الموسيقيين ذوي الملامح الآسيوية على جدران المعابد، لكن أكبر تأثير كان من مملكة النوبة عندما حكمت مصر نحو 120 عامًا نحو 550 ق.م.
وكانت حضارة كبيرة ومنها عرف المصري القديم السلم الخماسي والأسلوب النوبي في الغناء وتدفق الإيقاعات وتنوعها؛ ولذلك فنحن نهتم في مشروعنا بتلك الموسيقى؛ لأنها دليل تواصل وامتداد تاريخي للموسيقى في مصر، ويساعدنا في ذلك الفنان النوبي محمد عبده، وبدأنا في تسجيل بعض الأغاني الحديثة ذات السلم الخماسي مثل «يا حبيبي عود لي تاني» ألحان منير مراد، وغناء شادية.
ويضيف الملط: هناك المزيد من التفاصيل حول التشابه والتواصل أولها الآلات، فقد عرفوا جميع أنواع الآلات الوترية والنفخ والإيقاع ما عدا آلات الكمان والتشيللو، ومن حُسن الحظ أنها ذات أصول عربية مغربية عرفتها أوروبا عن طريق الحضارة العربية الأندلسية.
فالعود الفرعوني كان بالشكل نفسه تقريبًا، لكن بدون القصعة «التجويف الخشبي»، والمهم أنه يصدر الأنغام نفسها بكل درجاتها حتى الربع «تون» وهو «السيكا» التي تميز الموسيقى الشرقية.
يمكن عزفه مع كل الآلات الفرعونية، والبعض قال إن العازف خاصة في آلات النفخ يمكن أن يتحكم بحركة فمه ليصدر الربع تون، لكن أثبتنا أن آلات النفخ القديمة كانت مصممة لتخرج هذه الدرجة الصوتية، كذلك الآلات الأخرى.
أما المفارقة الحقيقية أننا وجدنا المغني يضع يده على أذنه كما يفعل مقرئو القرآن في مصر الآن، وكانوا يفعلون ذلك حتى يشعروا بمدى تردد الصوت والإحساس بالإيقاع، وقد قدَّم أوركسترا «أحفاد الفراعنة» عدة حفلات في مكتبة الإسكندرية وساقية الصاوي ومتحف محمود مختار بالآلات نفسها.
فالسؤال الذي كان يلحُّ علينا بعد أن عرفنا الآلات والسلالم وغيرها: كيف سنقدم هذه الموسيقى بشكل حي للجمهور، ومن ثم فكرنا في أن الأمر أولاً وأخيرًا يعتمد على تمثل روح هذه الموسيقى وإعادة إنتاجها، وكانت هذه تجربة للعازف الشهير محمود عفت عندما عزف على «ناي» عثر عليه في أحد الحفائر.
سرقة
وعن محاولات بعض العلماء اليهود أن ينسبوا تلك الموسيقى إليهم يقول: لقد سبق وقالوا إنهم بناة الأهرام، فهل يكثر عليهم سرقة الموسيقى، لقد قمنا بتفنيد كل تلك الادعاءات في المؤتمرات العلمية التي دعينا إليها في برلين وفيينا وبرشلونة وغيرها في السنوات الأخيرة.
لدرجة أن أحدهم ويُدعى «رافاييل» ولن أذكر اسمه كاملاً حتى لا أروِّج له قام بتسجيل أسطوانة موسيقية كتب عليها إنها موسيقى يهودية من القرنين 7 - 8 ق.م، وفي المؤتمر الصحفي وأمام أكثر من 30 قناة فضائية وصحف وإذاعات دحضت كل هذه الادعاءات.
ولم يستطع الرد بأي كلمة، لكن للأسف حققت تلك الأسطوانة مبيعات بالملايين، لذلك نقوم حاليًا بتسجيل أول أسطوانة للموسيقى الفرعونية بأحد الاستديوهات، وهناك اتفاق مع منتج مصري مقيم بأمريكا لإنتاج فيلم جرافيك مدته 15 دقيقة نصور من خلاله طقوس تتويج الفرعون مع الموسيقى المصاحبة له.
