تروي بداية «س. م»، طبيبة مشهورة 49 عامًا، تجربتها فتقول: «حصلت على بكالوريوس الطب، وكنت من أوائل الدفعة، فتم تعييني في إحدى المستشفيات المتخصصة، وبعد فترة قليلة صرت أيضًا الطبيبة المتميزة، وعُرفت بين زملائي بأنني قادرة على حل أي مشكلة طبية في المستشفى».
وتستكمل: «ارتبطت في بداية حياتي العملية بزميل لي، وكان متفوقًا أيضًا، لكنني كنت أتفوق عليه، وفي يوم صارحني قائلاً: «ليس بك أي عيب سوى أنك تشعرينني دومًا بأنني عاجز علميًا أمامك، وأنا أرفض أن تكون زوجتي أكثر مني تفوقًا» وافترقنا، ولم أرتبط بأي شخص من يومها، فكرَّست حياتي للعلم وخدمة الناس، لكنني لم أشعر بأنني فقدت الكثير».
الأولى دائمًا
«لم أفكر في الزواج في بداية حياتي العملية، لأنني كنت دومًا مشغولة بدراستي وتفوقي الذي لازمني منذ كنت طفلة صغيرة، حيث كان ترتيبي دائمًا الأولى».. بهذه الكلمات بدأت «ن.ع» المعيدة بإحدى الكليات العملية، 36 عامًا.
حديثها وأضافت في مرارة: «لم أكن أحسب أن تفوقي سيكون وبالاً علي طيلة حياتي، والغريب أنني لم أرفض الزواج، بل إن أحدًا لم يتقدم إلي من الأساس، البعض اتهمني بأنه لا يوجد في رأسي شيء سوى التفكير في العلم والدراسة والأبحاث، وأن الرجل أي رجل يريد من المرأة أن تشعره بأنه الاهتمام الأول في حياتها، فهل أخطأت لأن الله وهبني نعمة النبوغ والذكاء».
زوج الهانم
«م.م» دبلوماسية تشغل مركزًا مرموقًا، تقول: «أحيان كثيرة تتسبب حساسية ونوع العمل الذي تمارسه الأنثى في عزوف الرجال عن التقدم للارتباط بها، وقد حدث ذلك معي».
وتضيف: «لم أهرب من الارتباط، ولكن كل مشكلتي أنني دبلوماسية، بمعنى أن عملي يجعلني كل يوم في بلد، والرجل الشرقي يرفض أن يكون مرافقًا لزوجته، أو بالأصح «زوج الهانم»، ولهذا رفض رجال كثيرون الارتباط بي، أو مجرد التفكير في الزواج مني، وصار عمري 45 عامًا ولم أتزوج، ولست حزينة على نفسي بقدر حزني على تفكير الرجل، ونظرته الضيقة للمرأة الناجحة في حياتها العملية».
تضاؤل وهروب
بينما تكشف مبرمجة الكمبيوتر «ل.ع»، 35 عامًا، عن سبب آخر لعزوف الرجال عن المرأة، فتقول: «رغم نجاحي، وتفوقي العلمي والوظيفي، إلا أن النجاح لم يحالفني في حياتي العاطفية، فقد فشلت خطوبتي مرتين.
وأعترف بأنني لم أشعر مع أي ممن تقدم لخطبتي بأنه أقل مني ثقافة أو علمًا، لكن المشكلة ظهرت عندما كنت أتناقش مع مَن تقدموا لخطبتي، فقد كان الواحد منهم يتضاءل حجمه أمامي، فيهرب، ويخاف أن أسيطر عليه بعد الزواج».
تساؤلات مهمة
الحالات السابقة تثير العديد من التساؤلات.. هل تركيز المرأة الذكية على الجانب العملي في حياتها واهتمامها المفرط بنجاحها الوظيفي يجعلها أقل تطورًا أو نضجًا من الناحية العاطفية، ويبعدها عن صورة الأنوثة المثالية، ما يجعل الرجال ينفرون منها، أو يخشونها على الأقل؟، وهل حقًا الفشل العاطفي هو ثمن تفوق ونجاح المرأة؟!.
الدكتورة محاسن علي حسن، أستاذ الأمراض النفسية والعصبية، تعلِّق على ذلك قائلة: «على عكس المعتقد، فإن مثل هذه المرأة الذكية ذات المظهر القوي، غالبًا ما تكون في واقع الأمر امرأة شديدة الرومانسية، رقيقة وحساسة.
وقد تكون خيالية بعض الشيء، إلا أنها عندما تُقدم على اختيار شريك حياتها، تتحرر تمامًا من أي قيود بداخلها، فيكون المحرك الرئيسي لاختيارها هو مدى التلاؤم البيئي والثقافي والعقلي، وليست الكفاءة الاجتماعية أو درجة الوظيفة، فمهما كان مركز المرأة الوظيفي أو العلمي فإنها تضع في اعتبارها دومًا أن شريك حياتها متفوق عليها بأي درجة من الدرجات بحكم التقاليد وأصول العقيدة».
وتضيف أن المرأة تجد متعة وسعادة وطمأنينة لهذا الوضع، ولا تسمح للتنافس بأن يسيطر على تفكيرها أثناء الاختيار، في حين أن الرجل في تكوينه النفسي يحاول إثبات وجوده، وتعزيز كيانه؛ ولذلك يعمل بميكانيكية دفاعية تُخفي ضعفه، أو قلة حيلته أمام المرأة.
وتشير إلى أن الرجل قد يبالغ في إظهار قوته، واستعراض قدراته كنوع من أنواع التعويض، ولهذا يسعى إلى اختيار شريكة حياته بمواصفات تتفق مع مكوناته الشخصية، وطبيعة تكوينه النفسي، فإذا كان من النوع الذي يعتبر أن كيانه الاجتماعي يتوقف في المقام الأول على مركزه ودرجته العلمية.
فإنه يسعى إلى اختيار زوجة من النوع الذي لا يهتم بعمله أو نجاحه، وإذا شعر أن زوجته سوف تبدو أكثر نجاحًا وأوسع انتشارًا منه، فإنه سيخشى الاقتراب منها، ولذلك سيختلق التبريرات والأعذار اللاشعورية للابتعاد عنها، وإن كانت هذه الأعذار لا تُمثل الحقيقة.
فهم خاطئ
وبحسب أستاذ الأمراض النفسية، فإن هناك نوعًا آخر من الرجال، يتصور أن نجاح المرأة في عملها لا بد وأن يكون على حساب مشاعرها واهتمامها بأولادها وبيتها، وهذا الفهم الخاطئ نوع من الغيرة اللاشعورية، وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الصفات غير مرضية، ولا تدل على وجود مرض ما في الرجل، لكنها تدل على وجود خلل في التكوين النفسي لشخصيته.
كذلك قد يُحجم الرجل عن الارتباط بالفتاة الذكية الناجحة في عملها، لأنه ما زال يعيش في أفكار وعقليات الماضي بالنسبة لوضع الرجل في المنزل وفي الحياة الزوجية، فقد يخشى أن تكون هذه المرأة من النوع المسيطر، فتفرض نفسها عليه بقوة التأثير والإقناع، والتي تتطلب دائمًا المساواة، أو قد تفوق طلباتها إمكانات زوجها.
وتؤكد د. محاسن أن الصورة المثلى للعلاقة بين الرجل والمرأة الناجحة في حياتها العملية، تبدأ بأن يكون هناك فهم من جانب الرجل، وأن يختار المرأة بشخصيتها التي تتناسب مع طبيعة شخصيته، بصرف النظر عن نجاحها أو تفوقها الوظيفي.
وأن يعتز بمكانتها وقدرتها على كل عمل تقوم به داخل أو خارج المنزل، بصرف النظر عن المركز العلمي أو الدرجة الاجتماعية التي تكتسبها مقابل كفاءتها في العمل.
