عندما انظر مثلا الى حبيبتي زمن كنت مراهقا فانني أفعل ذلك بابتسامة استخفاف الى مشاعر غضة ممزوجة بحنين غامض، لذا أدرك الآن أن مشاعر الحب تتغير بمرور الزمن، وأن ما نعتقده حالياً موضوعاً محسوماً لا رجعة فيه، قد لا يكون هو نفسه بعد سنوات.

هكذا عبر محمد خليل النصار «موظف» عن نظرته لمفهوم الحب، وهو يتحدث عن فكرة أن الحب هو حالة إدمان على الحبيب إذ يقول اعتقد ان العاطفة هي الادمان لكون الحب لاتعريف واضحا له فهو متغير كأغلب الاشياء في الكون كما الكائنات.

وعندما تلتبس العاطفة بالحب حينذاك من الممكن ان يكون ادمانا لدى البعض، كما ان الحب يختلف عند المرأة عما هو لدى الرجل، و يختلف بحسب العمر فحب المراهقة يختلف عن حب مرحلة النضوج عن حب مرحلة الكهولة.

بينما ترى لينا دانيال«ربة بيت» أن التعلق بالحبيب يأتي أحيانا نتيجة التعود عليه، لذا نجد أن كثيرا من الأحبة حين يفترقون عن بعضهم يكونون في حالة حزن وتوتر وألم وبمرور الوقت تخف الحالة ويصبح الأمر أقل حدة، وتكون التفاصيل اليومية الصغيرة هي أكثر ما يؤلم ويؤجج الذكريات.

وقد عايشت صديقة لي مرت بحالة هستيرية حين انفصل عنها زوجها، وكانت تبكي بشكل متواصل إلى الدرجة التي اقترحت عليها مراجعة طبيب نفسي، وبالفعل قامت بالأمر وتحسنت قليلا خاصة أن الطبيب نصحها بالسفر وتغيير الجو.

ولفارس الكامل « موظف» رؤية موسعة ناتجة عن قراءاته الكثيرة حيث يقول تناول عالم النفس اريك فروم في احد كتبه وهو كتاب الانسان بين الجوهر والمظهر وعنوان الكتاب الاصلي هو ( ان تملك او ان تكون ) قضية الحب في احد فصول الكتاب وانا مؤمن برأيه جدا ومضمون الفكرة يتلخص بان الانسان عليه ان يقرر وهو يحب في انه يملك او يكون.

واكثر علاقات الحب هي نوع من الملكية لا اكثر وهذا هو الادمان، يريد الحبيب من حبيبة ان يكون ملكه فقط وغير مسموح له ان يفكر او يعبر عن رأيه او حتى يخالف رأي حبيبه، فالمطلوب ان يكون كل شئ ملكه، جسده عواطفه وحتى احلامه.

في حين أن المفروض ان يكون الحب تعبيرا عن الوجود، فانا لا أعبر عن وجودي الا عن طريق حبيبي بمعنى ان تكون قضية الحب خيارا وقرارا وموقفا وقضية زائد العواطف طبعا وان تكون العلاقة مؤسسة على مبدأ الشراكة والايثار والمعاملة بالمثل لا ان يكون الحبيب مجرد احد مقتنيات من يحب، وتبقى قضية الوعي والتجربة هي الحكم وعموما الانسان الواعي والمثقف يكون في الغالب ضحية منجزاته، واقصد ان يكون وعيه احيانا سبب حتفه .

الكاتب والناقد السينمائي جلال نعيم يقدم رؤية خاصة لإدمان الحب إذ يقول دقَّمََّّيَُ مفردة لا نظير لها في لغتنا، وفي اقرب ترجماتها تعني التعلّق المرضي بشيء او بشخص ما، وقد يقدم من يعاني منه، اذا ما طال به الوقت، الى ان يدمر شخصية المقابل الطرف الآخر او ان يدمر نفسه.

ولا شك بان علاقات الحب هي السبب الرئيس لتوليد هذا الشعور لاننا عندما نحب، تذوب ذاتنا فيمن نحب، او هذا ما يخيّل لنا، ولعل اعنف ما في الحب يتولد من الغاء المسافة او الحدود ما بين هذين الضدين، الواقع والخيال.

وربما لأن واحدة من اهم وظائف الخيال هي سد ثغرات الواقع، وملء فراغاته، فانه لا يكف عن توليد عوالمه حتى بعد ان يكف الواقع عن توليد او تغذية هذه المخيلة وتخييلاتها، وقد يسرطنها احيانا فتتضخم لتلتهم كل شيء، وتهيمن على كل ما عداها، وعندها تتولد حالة الاستحواذ الذي لا فكاك منه.

اما تغذية الواقع لهذه الحالة فتتشكل من هيمنة شخص على آخر،بالاعتماد الكلي او الجزئي عليه، بالاعتياد على حضوره الكلي وفي كل لحظة وكل شئ، لذا فان غيابه المفاجئ يولد فراغا قاحلا، فتتحول علامات غيابه، او افتقاده، الى حضور مضخم له وهو ما يوصل للنفس ايعازات تجزم باستحالة العيش بدونه.

ولذا فبالرغم من ان تعداد البشرية ربما فاق المليارات الستة من البشر، حوالي نصفهم من النساء والنصف الآخر من الرجال، الا ان العالم من وجهة نظر حامل فايروس الاستحواذ، يختزل برجل واحد او امرأة بعينها، والباقي قبض ريح او كأن لا وجود لهم.

من الناحية النفسية يرى الدكتور ريموند حمدان اختصاصي الأمراض النفسية أن الشخص العاطفي الذي يعيش تجربة الحب يمكن أن يصل إلى درجة فوق الطبيعية في خوفه على حبيبه وتعلقه به وحالات الغيرة التي تنتابه، إضافة إلى الخوف من عدم القدرة على أن يكون مناسبا لهذا الحبيب.

أو جديرا بعاطفته، وفي تلك العلاقات يتحول الحب إلى ذوبان في الآخر بينما تكون الحالة الصحية حين يكون الشخصان متفقان ويكملان بعضهما من دون أن يكون الآخر ضعيفا ومنهارا بدون شريكه.

وفي حالات الانفصال التي يكون فيها التعلق مبالغا فيه يشعر المرء انه مرفوض لذا يكون في حالة رفض للرفض ويحاول بكل الطرق استرجاع هذا الحبيب ويعاني من حالات حزن تؤدي إلى الكآبة والمرض، لكن الزمن يمكن أن يساعد في انهاء تلك الحالة الحزينة التي لا بد من المرور بها بدرجات متفاوتة عند الناس.

نافذة

البحث عن ماهية الحب وتعريفاته ليس أمرا جديدا فطالما كان الشغل الشاغل لكثير من الشعراء والفلاسفة والأدباء واحتل مكانة واضحة في الأساطير والشعر والحكايات الشعبية، وقد اهتمت به الدراسات النفسية الحديثة حتى أن دراسة أميركية تقول إن الدماغ يتعامل مع الحب مثل الإدمان.

دائماً في حاجة إلى جرعات منه مثل المخدر، فقد قامت هيلين فيشر،ألا الباحثة في البيولوجية البشرية في جامعة روتجرز في نيوجرسي، وفريق البحث، بفحص أدمغة 15 شخصاً انفصلوا عن شركائهم بعد نحو سنتين على الأقل على العلاقة.

واحتفظوا المشاعر لهم، وذلك قبل 63 يوماً من بدء الدراسة، وأكدت الباحثة أن الحب الرومانسي هو إدمان، إنه إدمان قوي ومذهل حين تسير الأمور على ما يرام،ألا وإدمان رهيب حين تسير الأمور على نحوألا سيئ.

وتابعت بالقول: عند الرفض تصبح مجنوناً بحب ذلك الشخص، وتتوق له بشدة، ويتملكك التفكير به، وتحس بألم جسدي ومعنوي، فأنت مازلت مرتبطا بعمق به، وأنت تحاول يائساً تحديد ما حدث بالضبط.

وفسرت بأن تلك المشاعر قد لا تقود بالضرورة إلى تصرفات غير سوية، إلا أنها قد تربك البعض وتدفعهم لسلوك مقلق مثل تتبع الحبيب، غير أن العلماء طمأنوا أن الوقت كفيل بالشفاء من هذا الإدمان، وأشار الباحثون إلى أن الانشغال بأنشطة أخرى مثل الكتابة أو الغناء أو التكلم عن المشكلة مع الآخرين قد يخفف وطأة هذا الإدمان.

دبي - دلال جويد