لم يعد الإنترنت مجرد وسيط اتصال عادي، وإنما امتدت أذرعه إلى مجالات النشر والإبداع، فأصبحت هناك مواقع للأدباء والنقاد بخلاف المنتديات الحوارية الثقافية والفكرية التي تناقش قضايا إبداعية تُثار على الساحة لحظة بلحظة، من هنا فإن الإنترنت تحوَّل إلى دار نشر جبارة يلتحق بها الأدباء مبتعدين عن الرقابة، وعالم الورق، واستغلال مواهبهم وأموالهم من خلال دور النشر المعتادة، فصار لدينا شاعر الإنترنت، وروائي الإنترنت، وناقد الإنترنت.. فهل يستمر طغيان الإنترنت واحتكاره لأهل الأدب في الحاضر والمستقبل القريب؟

سؤال عن حال الأدباء نحاول الإجابة من خلال آراء مبدعينا.الشاعر فاروق جويدة يرى أن الإنترنت استطاع أن يُغير العلاقة بين الشاعر والجماهير، فلم يعد الشاعر ذلك الذي نرى دواوينه على أرفف المكتبات، أو على الأرصفة إلى جوار الجرائد والمجلات، وإنما أصبح شاعرًا عصريًا ينشئ موقعًا على الإنترنت، لتصل إبداعاته إلى الملايين على مستوى العالم في لحظة واحدة، كما يعتبر الإنترنت نافذة جيدة للأدباء والمثقفين الذين تمنعهم الأنظمة السياسية من نشر إبداعاتهم على الورق، كما يستطيع الشعراء متابعة أعمال بعضهم البعض في حالة تحاورية سريعة بين فعل ورد فعل.

وأكد جويدة أن الإنترنت ساعد الكثير من الأدباء على اختراق حيِّز المكان والزمان؛ للوصول إلى المتلقي بعد أن أتاح له الفرصة لتلقي كل ما يُنشر من معلومات أو أدب أو أخبار تمكِّنه من الوقوف على آخر المستجدات في المجالات كافة.

و في الوقت ذاته، يؤكد الأديب المصري مصطفى على أن الإنترنت أفاد الأدباء في الاتصال بالجهات المعرفية مثل المكتبات العالمية، ومراسلة جهات ثقافية مختلفة، بالإضافة إلى إمكانية حفظ المادة الأدبية التي يرغبها الأديب في منزله بسهولة، علاوة على إقامة حلقات النقاش بين عدة أطراف أدبية في عدد من البلدان المختلفة في وقت واحد حتى لو كانوا في قارات متباعدة.

مدينة صافية

البعد «الزمكاني» ذاته، أكده الشاعر فاروق شوشة قائلاً: «إن ما يحدث حاليًا من تطور هائل في ثورة المعلومات جعل كوكب الأرض مدينة صافية لها لغة عالمية واحدة هي التكنولوجيا، فظهور شبكة الإنترنت بداية لعصر جديد يختلف اختلافًا هائلاً عمَّا سبقه من عصور، وتحديدًا في مجال التواصل الإنساني، وسرعة انتقال المعلومات، وعبور الحدود الجغرافية، وإلغاء الرقابة، كل هذا يضع أمام المبدع ألف سؤال ويفتح أمامه ألف نافذة، ليرى إنتاجه النور.

ويُحقق أوسع انتشار، فحين أقوم بتأليف كتاب أو أطرح ديوانًا شعريًا فقد أتمكن من توزيع أكثر من 3 آلاف نسخة، وقد يحتاج ذلك جهدًا ووقتًا كبيرين، وبالتالي فإن الإنترنت يتيح لي أن أنشر كتاباتي إلى الدنيا مخترقًا حدود الزمان والمكان، وهي إمكانات كانت خيالاً وحلمًا فيما مضى، واليوم أصبحت واقعًا، وعلينا أن نعرف كيفية الإفادة من ذلك في تطوير تجاربنا الإبداعية».

أوضح شوشة أن هناك قوانين خاصة بحقوق الملكية الفكرية لم تُفعَّل حتى هذه اللحظة، كذلك حماية حقوق النشر وغيرها، لكن بشكل عام فإن الإنترنت يُتيح لأي أديب أن ينشر الأدب والفكر في كل مكان، وهو ما يسعى إليه الأدباء منذ قديم الزمان.. مضيفًا أنه لمس بالفعل من خلال تجاربه في الكتابة على الإنترنت إقبالاً كبيرًا على تصفُّح المواقع الأدبية، والتفاعل معها بحماس، والمشاركة الإيجابية فيها.

تكنوفوبيا

أما الشاعر أحمد فضل شبلول، مؤلف كتاب «أدباء الإنترنت أدباء المستقبل»، فيقول: «إن الأدباء العرب حاليًا أمام تحدٍ كبير، وهو: هل سينجح الأديب العربي في التواصل ومتابعة الثورة المعلوماتية أم لا؟

ولعل الواقع ما زال مجهولاً، وإن كانت هناك بعض التجارب الناجحة إلا أن الكثير من الأدباء ما زال يعاني رهبة التكنولوجيا - التكنوفوبيا».. يضيف شبلول أنه بالرغم من كل ذلك إلا أن هناك العديد من الأدباء الذين استطاعوا التواصل مع الكمبيوتر والإنترنت وأصبحت العملية الإبداعية تستكمل أركانها كافة لديهم، فالأديب يجلس في بيته أمام شاشة الكمبيوتر ويستطيع التفاعل مع نصوصه الإبداعية عبر الإنترنت.

إلا أن شبلول يُشكك في قدرة الشعراء على تحمُّل انتظار نتائج الإنترنت، ليختار أثناء بحثه نتيجة واحدة من بين 40 ألف نتيجة تظهر أمامه.. مؤكدًا أن الناس ستظل تقرأ الكتب حتى لو ظهرت ابتكارات جديدة تزعم أنها بديلة.

بينما أمسك الروائي بهاء طاهر بعصا الحكم من المنتصف، فقال: «إن الأدب أساسًا يقوم على المشاعر والحواس، ويصوغ بنيانه العقلي من جمع المعلومات؛ لذا فإن الثورة الجديدة والتي صارت قديمة بعض الشيء متمثلة في الإنترنت جزء مهم في حياة الأديب، لكن أهميته تأتي في شكل «جزئية المعرفة العامة»؛ بحيث يحصل الشاعر أو الروائي على ما يريده لتغذيه نصه الأدبي، ثم يُكمل بموهبته صياغة النص الأدبي بعيدًا عن الخطط المعلوماتية».

تشويه حقائق

إلا أن الشاعر أحمد زرزور أشار إلى أن ضعف الأمن على العمل الأدبي والملكية الفكرية يضيع حقوق الأديب الفكرية؛ حيث إن نشر العمل الأدبي والفكري على الإنترنت يُمكن أي شخص من نقل الموضوع باسمه، أو نسبه إلى ذاته، إضافة إلى جانب أخطر وهو الضرر الذي يصيب المجتمع، فالأدب ليس جميعه خيرًا، فهناك ثقافات نُسبت إلى الأدب والأدباء، وهي ثقافات مُشوَّهة تحت مسمى «الثقافة الجنسية».

وما هي بثقافة، لكنها مقالات مشوَّهة عن علاقات إنسانية تكتب صورة حيوانية بحتة لا يقصد منها إلا التخريب ونشر الرذيلة، كما أن الإنترنت عالم مفتوح للجميع، وهذا يُمكِّن أي شخص من نشر موضوع بكل حرية بلا حسيب أو رقيب، ما يتسبب بهذه المقالات المنسوبة إلى الأدب في تشويه حقائق وأمور واقعية، ومعلومات خاطئة مضللة.

زرزور شبَّه تأثير التكنولوجيا في الشعر بسلاح ذي حدين، فالجانب الإيجابي يتعلق بسهولة النشر والتواصل في العالم الإلكتروني بعيدًا عن العالم الورقي في مختلف مجالات الكتابة، كما أن هذه الثورة تتيح للكاتب نشر ما يُكتب فور كتابته دون انتظار لدار نشر تتحكم في مواعيد النشر، وذلك من خلال المنتديات والمواقع، أما الجانب السلبي فيتمثل في وجود مواقع ومنتديات تنشر كل ما يُرسل إليها، بغض النظر عن مستواه الإبداعي أو الفكري؛ حيث لا تخضع هذه الأعمال للتقويم.

استفادة للقارئ

ويعتقد الشاعر عبدالمنعم عواد يوسف أن التكنولوجيا أثرت بشكل كبير في حركة النشر الأدبي بشكل عام، فقد سهَّلت عملية التواصل بين الكاتب والقارئ، فلم يعد الكاتب في حاجة إلى موافقات على النشر، ولا إلى أموال طائلة للطباعة، فقد خلَّصته ثورة الإنترنت من سوء التوزيع.

ووفرت عليه الجهد والوقت والمال، وعبء الرقابة على ما يُكتب، لكنها في المقابل حرمته من الاستفادة المادية لثمرة جهده، فالمستفيد الأول من هذه الثورة هو القارئ الذي وفر جهده وأمواله التي كانت تضيع في شراء الكتب، وحضور الندوات والمتابعات الأدبية والنقدية، كما ساعدت هذه الثورة القارئ من التخلص من رقابة السلطات، ومن بينها رقابة الأسرة في بعض الأحيان.

خُرافة موت الناقد

أما عن دور الناقد في ظل المتغيرات الحديثة والنشر التكنولوجي، فيقول الناقد د. أحمد درويش: إن الإنترنت إذا كان يساعد على التواصل مع الجمهور، فإنه يساعد الناقد على الوصول إلى آفاق نقدية ومعرفية جديدة من الصعب الوصول إليها بالطرق التقليدية، أو من الممكن الوصول إليها لكن بعد عناء طويل، ولا يستطيع أحد إغفال أهمية الدور الإنساني للناقد، أو القول بأن التذوق والانطباعية سيتراجعان أمام العلم أو غزارة المعلومات.

كما لا يستطيع أحد أن يُجزم بموت الناقد في عصر التكنولوجيا الحديثة، فهذه أسطورة، فيمكن الاستفادة من التكنولوجيا، لكن المؤكد أنها لن تلغي دور الإنسان، ويضيف أن النقد عن طريق الوسائط التكنولوجية يُسهم في اكتشاف السرقات الأدبية، وكذلك تحديد مستوى العمل الإبداعي، فقد تظهر مستقبلاً برامج إلكترونية للنقد الأدبي، أحدهما لنقد الشعر، والآخر للنقد الروائي، وهذا لا يقلل من أهمية النقد البشري مهما تقدمت التكنولوجيا من أهمية.

في حين أوضح د.سيد البحراوي، أستاذ الأدب والنقد بكلية الآداب جامعة القاهرة، أن التعامل مع النص الأدبي عبر الإنترنت يختلف عن التعامل مع النص المطبوع ورقيًا، فشبكة الإنترنت تُتيح للناقد العديد من المعلومات.

ويبقى أمامه توظيف هذه المعلومات في تحليله للعمل الأدبي مثل تحديد الكلمات اللامعة، وإبراز الجمل الخبرية، ورصد الأحداث، وغيرها من عناصر تحليل العمل، لكنه أكد وجود تساؤلات مستقبلية لا تزال تبحث عن إجابة: هل سيتمكن النقد الإلكتروني من تحويل الإحساس بالجمال إلى منهج؟ وأين دور الشعور والإحساس من ذلك؟ وهل يتمكن النقد الإلكتروني من الجمع بين عنصري الذاتية والموضوعية؟

أسئلة كثيرة توالدت عن أسئلة، وتحتاج منا إلى مزيد من استطلاعات الرأي حول مستقبل الأدباء في ظل ثورة الإنترنت التي كادت تدخل في صراع طويل مع كل ما هو بشري.

خدمة: دار الإعلام العربية