كلما ذُكر مسمى «رجل أعمال» أيقن كثيرون أنه «نصَّاب»، بعد أن قدمته الدراما في هذه الصورة إلا فيما ندر، فهو صاحب رأس المال الذي صعد سُلَّم الثروة خطوة خطوة، أو قفز بطرق غير شرعية إلى قمة النفوذ.. مجتمع مادة ثرية لكُتَّاب الدراما بحكايات مكتظة بالأزمات والصراعات، وزاد تناوله دراميا في الأعوام القليلة الفائتة، فتجدهم هاربين بأموال البنوك للخارج، متاجرين بأقوات المواطنين، محترفي غسيل الأموال.

وعصابات المخدرات، والشرفاء أيضًا من هذا المجتمع الذي ورث حياة الإقطاعيين القدامى احتلوا حيزا من دراما رمضان المقبل، إلا أن الدراما لا تريد الاقتراب من القضايا الحسَّاسة التي تمسُّ تزاوج السلطة ورأس المال في ظل معاناة الشعب من هذا التزاوج، لكنهم يبررون ابتعادهم بأن ما لا يُدرَك كلُّه لا يُترك كلُّه.ويلحظ المتابع لدراما 2010 غزوا لشخصية رجل الأعمال من كل ناحية، فمنها ما يجسد رحلة الكفاح في جمع الأموال، والوسائل المختلفة في الحفاظ على الثروات، وإن طال تناول هذه الصورة النمطية على غرار رحلة «عبدالغفور البرعي» من الفقر إلى الغنى في مسلسل «لن أعيش في جلباب أبي» حتى أصبح أحد الرأسماليين الكبار في مصر.

سعد الدالي ومن هذا المنطلق الدرامي يستمر النجم نور الشريف في رصد رحلة «سعد الدالي»، رجل الأعمال العصامي الذي تعرَّض لمِحن ومكائد أفقدته ابنه الأكبر وابن عمه الذي كان يسانده في السرّاء والضرّاء منذ البداية في الجزء الأول مرورًا بالجزء الثاني منتهيًا بالجزء الثالث الذي يُعرض في رمضان المقبل؛ حيث أكد نور الشريف أن قصة المسلسل لم تكن من وحي خيال المؤلف.

لكنها حكاية حقيقية وقعت لرجل أعمال عربي يعيش على أرض مصر منذ ما يقرب من نصف قرن، ويقيم بمنطقة المعادي على كورنيش النيل ويمتلك هيكلاً اقتصاديًا ضخمًا، وتجري أحداث حياته تمامًا مثل التي عرضها مسلسل «الدالي»؛ حيث فقد أحد أبنائه على يد المافيا الدولية، وقد طلب الرجل من الشريف أن يقدم مسلسلاً يناقش مشاكل رجال الأعمال، فظهر المسلسل الذي استعرض بشكل خفي 3 شخصيات مصرية وعربية مكافحة، ليسير على نهجها، وهي عثمان أحمد عثمان، الأب الروحي لشركة «المقاولون العرب» المصرية، الرئيس السادات، ورفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني الذي اُغتيل، واستطاع المؤلف وليد يوسف التلاعب بالأحداث الحقيقية حتى يبتعد عن النمطية والنقل.

3 شخصيات

ولم تترك الساحة للشريف وحده في تجسيد رجل الأعمال، فتطل علينا الفنانة رانيا فريد شوقي في ثوب سيدة أعمال في 3 مسلسلات دفعة واحدة هذا العام، ما يؤكد ثراء هذا النوع من الدراما؛ حيث تجسد دور الشقيقة الكبرى لثلاث فتيات استطعن جمع الأموال من العمل والكفاح من خلال أحداث مسلسل «الصيف الماضي»؛ حيث تقوم رانيا باستثمار أموالها في العقارات والأراضي حتى تصبح سيدة أعمال معروفة.

ويشاركها البطولة محمد وفيق ونهال عنبر، كما تلعب دور سيدة أعمال حققت ثروتها بطرق غير مشروعة وتحاول الارتباط بأحد رجال الأعمال الشرفاء؛ لتخلط ثروتها بثروته حتى تظهر أموالها بشكل شرعي، وذلك في مسلسل «منتهى العشق» الذي يشارك فيه الفنان مصطفى قمر، في حين تقدم رانيا دور زوجة أحد رجال الأعمال وصاحبة إحدى القنوات الفضائية في مسلسل «ماما في القسم» مع النجمة سميرة أحمد والفنان محمود ياسين.

سطوة التناول

المعروف أن دراما 2007 سيطرت عليها قضايا المرأة، ودراما 2008 تربَّعت على عرشها قضايا الطبقة الكادحة، أما 2009 فكان حِكرًا على المشكلات المجتمعية والسيرة الذاتية؛ ونظرًا لسطوة تناول رجال الأعمال في الدراما هذا العام اعتبر البعض أن دراما 2010 هي دراما رجال الأعمال، وللتدليل على ذلك نتابع قائمة ببعض مسلسلات الموسم الرمضاني.

مسلسل «شاهد إثبات» تؤدي فيه الفنانة جومانا مراد شخصية محامية خاصة برجل أعمال يسيطر على الأسواق، ويحتكر البضائع، ويفوز بصفقات متعددة بطرق مشروعة وغير مشروعة حتى يتعرَّض للقتل، وتبحث جومانا طوال الأحداث عن أسباب قتله من خلال مجموعة من الخيوط تستطيع من خلالها الوصول إلى القاتل الحقيقي.

بينما يلعب الوجه الجديد «سيد ممدوح» دور رجل أعمال في مسلسل «اغتيال شمس» مع الفنانة صفاء أبوالسعود والفنانة سميحة أيوب، بعد أن نجح في الأعوام السابقة في تجسيد شخصيات مختلفة في مسلسلات «صبيان وبنات»، «إسماعيل ياسين»، «قلبي دليلي»، «نساء لا تعرف الندم».

و«الهاربة»، أما شخصية رجل الأعمال التي يجسدها هذا العام، فهو المتلاعب بالقوانين والمنفِّذ للسياسات الاحتكارية لبعض السلع، وبعد أن ينكشف ستره يقوم بتهريب أموال الدولة إلى الخارج، ويُعد هذا النموذج استغلالاً دراميًا لتفاصيل مشاكل أصحاب أعمال حقيقيين مثل رامي لكح، هدى عبدالمنعم، وأشرف السعد مع البنوك المصرية، وقصة هروبهم التي شغلت الرأي العام سنوات طويلة.

ملعقة دهب

ولا تكتفي مسلسلات رجال الأعمال التي تُعرض هذا العام بسرد تفاصيل حصولهم على الثروات أو هروبهم للخارج، لكنها تعتمد في الوقت ذاته على سرد تفاصيل أكثر دقة في حياتهم الشخصية وتأثير الثروة في أبنائهم، وهذا ما تشهده حلقات مسلسل «ريش نعام» الذي تلعب بطولته داليا البحيري التي تجسد شخصية «نهلة علوان» التي وُلدت ثرية.

لكونها ابنة أحد رجال الأعمال ذوي العلاقات الواسعة والنشاطات المشروعة وغير المشروعة، وتشهد شخصيتها عدة تحوُّلات تبدأ بزواجها العرفي من أحد أصدقائها وحملها منه، ثم إجهاض الجنين وندمها على ما فعلت، ثم زواج والدها هو الآخر من امرأة غير والدتها، ثم تصادر الدولة أمواله بعد تورُّطه في فضيحة، وتسقط بعدها أوراق شجرة العائلة بعد أن كانت تستمد قوتها من المال.

«أميرة» عكاشة

وكان فساد رجال الأعمال تحت عين الدراما منذ فترة، فقد ناقش مسلسل «أميرة في عابدين» للكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة هذا العالم من خلال نموذج رجل يحوِّل ثروته للخارج بعد استيلائه عليها بشكل غير شرعي ويترك «أميرة»؛ لتحاكم بدلاً منه، فتنتقل من حياة الترف إلى شقة متواضعة في حي عابدين الشعبي بمحافظة القاهرة، كذلك مسلسل «أين قلبي» الذي كشف فساد رجل أعمال يأكل أموال أبناء شقيقه الأيتام، ويساعده في ذلك موظف يتلقَّى الرشاوى للتزوير، بينما ركز مسلسل «يحيا العدل» على عمليات غسيل الأموال.

حيث يلقى رجل الأعمال مصرعه بسبب تعامل شركته مع المافيا، في حين ناقش مسلسل «لدواعي أمنية» الذي قام ببطولته النجم كمال الشناوي الأساليب غير المشروعة لمحاربة منافسيه من رجال الأعمال في محاولة للسيطرة على السوق، مستغلاً سطوته في سرقة أموال الآخرين من خلال المزايدات التجارية.

سيناريو حقيقي

الكاتب بلال فضل يرى أن مملكة رجال الأعمال تحتوي على مئات من القصص والحكايات المختلفة التي تصلح لإنتاج عدد هائل من المسلسلات الدرامية، خاصة أن الحكومة المصرية لم يعد عندها ما تخبئه من سيناريوهات حقيقية، ولعل أبلغ دليل على ذلك تقديم وزير مالية سابق للمحاكمة، بالإضافة إلى محافظ سابق وقضائه فترة عقوبة الحبس، فضلاً عن مسؤول كبير باتحاد الإذاعة والتليفزيون.

ووكيل أول وزارة الزراعة الذين رُصدت ضدهم قضايا رشوة واستغلال نفوذ، كما قامت الحكومة بحملة ضد رجال الأعمال الذين هربوا بالأموال خارج مصر بعد ممارساتهم الانحرافية لأعوام طويلة، خاصة أنهم سرقوا البنوك بضمانات وهمية وهربوا، وهو الأمر الذي وجد صداه في الأعمال الدرامية منذ أكثر من 10 أعوام، وما زال مستمرًا وفي زيادة كل عام.

مرآة عاكسة

أما الناقد السينمائي سمير فريد فيرى أن نصيب رجال الأعمال في المسلسلات الدرامية كل عام يتراوح ما بين 7 و10 مسلسلات، يدور جميعها حول قضايا مختلفة يتركز معظمها حول رجال أعمال مكافحين، وآخرين يتورَّطون في قضايا فساد، وتلقى هذه الأعمال نجاحًا كبيرًا لدى الجمهور المصري لشعوره بأنه ينتقم من هؤلاء الإقطاعيين عن طريق الدراما، بالرغم من معارضة الكثير من النقاد لها باعتبارها تُظهر الجانب السيئ في الحياة في مصر، ما يشوِّه صورة الوطن في الخارج، خاصة أن هذه الأعمال يتم عرضها في أكثر من 20 دولة، إلا أن أشهر كُتَّاب الدراما في مصر، أسامة أنور عكاشة، قال قبل وفاته بأسابيع حينما وجه إليه بعض الصحفيين انتقادًا لأعماله التي تفضح بعض النماذج المصرية في الخارج:

«الدراما التي تُقدَّم للمشاهد ليست سوى مرآة تعكس الواقع السائد في حياتنا، لأن الكاتب يأخذ مادته الدرامية من أحداث واقعية تجري حوله وتسيطر على ما يكتبه».

القاهرة - دار الإعلام العربية