إنه نور البصيرة الذي يمنحه الله لأناس دون غيرهم بعد أن يسلبهم نور البصر، ليكونوا قناديل مضيئة للمحرومين من اكتشاف مواهبهم وطاقاتهم الإبداعية.. فهذا كفيف حاصل على ليسانس الآداب قسم التاريخ من جامعة الإسكندرية، وتم ترشيحه للعمل بإحدى شركات الملاحة البحرية العالمية، لكنه رفض أن يكون أسير عمل مكتبي، وفضل الذهاب إلى المستحيل، فحصل على العديد من دورات التنمية البشرية حتى أصبح في وقت قياسي أحد أشهر الخبراء في هذا المجال، ويعمل حالياً مساعداً بالطب النفسي.

وانتهى أخيراً من درجة الماجستير، قسم إدارة الأعمال من جامعة كامبريدج، بالإضافة إلى أنه أول كفيف في العالم يؤلف كتاباً عن الخرائط الذهنية للمبصرين والمكفوفين، كما كتب مقدمة لكتاب «كوارث العولمة وغياب الإدارة» للكاتب اليمني المقيم بألمانيا فلاح الجوفي.. هذا هو السيد محمد عبدالفتاح، الملقب ب«السيد الشيشيني»..

تنويم بالإيحاء

قال: نشأت في هواء الإسكندرية، لوالدين لم ينالا أي قسط من التعليم، ووسط ستة من الإخوة لم يكملوا تعليمهم، ودخلت مدرسة المكفوفين من الابتدائية حتى الثانوية، ثم التحقت بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، وبعد تخرجي حصلت على دراسات في التنمية البشرية والطاقة والبرمجة اللغوية العصبية، وفي الذاكرة والخرائط الذهنية، وبعدها حصلت على ماجستير إدارة الأعمال من جامعة كامبريدج.

وعن تجربته الأولى مع التنويم الإيحائي يقول: التجربة الأولى لي مع التنويم بالإيحاء لم تتعد المتابعة عن بعد، فقد كنت أتابع التجارب التي يجريها د. إبراهيم الفقي في دورة ليست لها علاقة بالتنويم، كان الأمر مبهراً لي، وكنت أتساءل: هل أستطيع أن أفعل مثله؟

الأمر كان أشبه بعملية سحرية تتلاعب بالعقل الباطن.. ثم تابعت تجربة أخرى للدكتور إبراهيم وهي بمثابة جلسة استرخاء لجموع الحاضرين، وحينما أخطرنا بما سيحدث داخل التجربة، تضاعف انبهاري وزاد وشعوري بالإثارة يعلو تجاه خوض هذه التجربة، التي اعتبرتها نوعاً من الجنون لا يمكن أن يحدث، ومع الوقت تأكدت أن الأمر ليس سحراً، فاندمجت واستخدمت كل قدراتي للتعايش مع التجربة وكأنها حقيقة، لكني انفصلت بعض الشيء ووصفت الأمر بأنه هزلي.

لكنني احتفظت بهواجسي داخلي، وقلت إنني لن أخسر شيئاً، سأحصل على الشهادة سواء استفدت أو لم أستفد، وهذا ما دفعني إلى الاندماج مع التجربة مرة أخرى، فاستمتعت أكثر، حتى زالت عني الأفكار السلبية وانتهت التجربة، ووجدت أن مشاعري ومشاعر من حولي هدأت، ففكرت بطريقة إيجابية في التنويم بالإيحاء.

تغيير الإدراك

ويضيف ان هذا العلم يساعد على تغيير الإدراك في العقل الباطن بمحو التجارب السلبية وإحداث النسيان، وزيادة الثقة في النفس وتحسين الذاكرة من خلال إيحاءات قوية واسترخاء ذهني وبدني، كنت أتساءل: كيف لي وأنا لا أرى أن أُدخل شخصاً في مرحلة الاسترخاء والنسيان؟..

الأمر يتطلب أن أتعرف إلى ملامح وتعبيرات وجهه وتحركات جسمه وانفعالاته.. كيف لي أن ألاحظ إشارات الأصابع؟ فبدأت في وضع استراتيجيات خاصة تعتمد على الإحساس بالشخص من خلال قوة أو ضعف تنفسه، وملاحظة نظامه التمثيلي، وذلك قبل إحداث التنويم، بالإضافة إلى جمع قدر كبير من المعلومات التي لديه حتى أستطيع مساعدته.

ولاحظت أن بعض المتدربين يغفلون أهمية الصوت ولا يتدربون عليه، والمثير بالنسبة لي في الدورة الأولى أن جميع الحاضرين وكانوا أكثر من 100 شخص، رفضوا الجلوس أمامي لأقوم معهم بعملية التنويم.

السيد لا

ومن المواقف المحرجة التي تعرض الشيشيني يقول: أذكر أن إحدى السيدات عرض عليها د. إبراهيم الجلوس أمامي، وحاول إقناعها بأنها ستكون تجربة مثيرة وممتعة، إلا أنها صرخت: «السيد لا!»..

وكان هناك أحد الحاضرين الذي ظهر لنا وكأنه بطل، وعرض استعداده للجلوس أمامي لممارسة التنويم بالإيحاء والاسترخاء، وهو من إحدى دول الخليج ويعمل بالخطوط الجوية التابعة لدولته، فسألته: ما السبب الذي دفعك للتعاون معي؟، فقال لا شيء.. وجدتك تبحث عن أحد فساقني ضميري للتعاون معك.. فأدركت أنه تعاون معي بدافع الخير والشفقة لا بدافع التدريب، فقلت له مازحاً: اجلس وأجرك على الله!..

وأتممت عملية التنويم معه بنجاح وصرنا من بعدها أصدقاء، وأُزيلَ حاجز الخوف لدى الآخرين، وتعاونت مع أكثر من شخص خلال الدورة، وبدأت أقرأ في التنويم بالإيحاء وأمارسه حتى استطعت أن أقيم دورات تدريبية فيه.

وفي إحدى الدورات تحدَّت إحدى السيدات قدرتي على تنويمها، فطلبت أن تجلس أمامي، كانت ذات شخصية قيادية وغير مرنة على الإطلاق في التعامل، فتعرفت إلى بعض المشاكل الخاصة بها، واستطعت أن أنومها مستخدماً قدرتها على قيادة الآخرين بقيادتها لنفسها، كما استخدمت صلابتها وعدم مرونتها وانفصالها المستمر في بداية الجلسة لزيادة قدرتها على الاسترخاء.

ويضيف قائلاً: للتنويم معي العديد من القصص، كان د. أشرف صبري يعتقد في قدرتي على وضع الإيحاءات المناسبة للشخص وللحالة، وجدير بالذكر أن د. أشرف كان يستخدم التنويم بالإيحاء وغيره من الأبحاث الخاصة بمجال تطوير الذات في التنمية البشرية كجزء تكاملي مع الطب النفسي، ففي إحدى المرات طلب مني أن أستخدم التنويم مع أحد مدمني المخدرات لتغيير إدراكه في العقل الباطن عن طريق تنفيره من المواد المخدرة، فاستخدمت الموسيقى والمؤثرات الصوتية الخاصة بالطبيعة في الدورات والعلاجات الخاصة بالمدمنين حتى أنعش خيالهم، وحتى أبدي انسجاماً تاماً مع ما أقدمه لهم.

منابع الإبداع

وعن مؤلفاته حول الخرائط الذهنية يصفها بقوله: الخرائط الذهنية من أبرز الأنواع التدريبية والوسائل العالمية للعمل والتدريب على تقوية الذاكرة، تلقيت هذا العلم عن الخبير العالمي توني بوزان، وقمت بإعداد كتاب تطرقت خلاله إلى الوصول إلى أسرار الخرائط العقلية والذهنية لذوي الاحتياجات الخاصة من المكفوفين وضعاف البصر وكذلك المبصرين، ويساعد هذه الفئات على اكتشاف منابع الإبداع وإبرازها، فأنا أرى أن الإعاقة الحقيقية ليست في فقد الإنسان جزءاً من الجسد أو حاسة من الحواس، لكنها إعاقة الفكر، فكل إنسان يمتلك قدرات إبداعية مطلوباً اكتشافها، لكن الأمر يحتاج فقط إلى التوجيه والتدريب.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية