تحيَّر كثيرون في أمر مستشار الأزياء، أو ما يُطلق عليه في الوسط الفني «اللبِّيس» أو «اللبِّيسة»، فهو ظلُّ الفنان أينما ذهب، يختار له ملابسه ويرافقه في جميع تحركاته في الداخل والخارج، ويطَّلع على أدق الأسرار.
ولا يُبالغ البعض حينما يؤكدون أنه يُبدي أحيانا برأي حاسم في النصوص التي تُعرض على الفنان؛ لذا كان من المفترض أن تتوافر صفات نادرة فيمن يقوم بهذه المهمة، أولها الكتمان التام فيصبح «اللبِّيس» صندوقا مغلقا على خبايا الحياة الخاصة للفنان. وهذا ما يدفع كثيرا من الفنانين إلى اختيار لبِّيسة فلبينية أو سريلانكية لا تُجيد اللغة العربية؛ حتى يضمنوا تجنب فضول بعض الصحافيين الذين يستدرجون اللبِّيس ليتعرفوا إلى ما يدور في كواليس حياة الفنان، ولعل هذه الشخصية الحيوية صارت مثيرة للعديد من التساؤلات حول انتشارها كظاهرة.
حيث تحارب الفنانة من أجل الحصول على راتب لبيستها من شركات الإنتاج في كل عمل، وإذا تعنَّتت الشركة تقوم بدفع تكاليف اللبِّيسة من أجرها الخاص.إلى ذلك، أكدت فنانات كثيرات أن اللبيسة من الممكن أن تتحوَّل إلى جاسوس؛ حيث تطلعها النجمة على كل شيء خاص بها؛ لذا فإنها تتعرَّض لاختبارات ثقة من قِبل الفنانة، وقد تصل مبالغة البعض في تصوُّر وضع اللبيسة تحت ضغط جهاز كشف الكذب، فإما أن تنجح وتستمر، وإما تسقط من أول اختبار، وفي هذا الوقت لا سبيل أمامها لدخول الاختبار مرة ثانية، فيكون البديل الاستعانة بأخرى تجهل اللغة العربية، وتتحمل الفنانة نفقات انتقال لبيستها الوافدة من سريلانكا أو الفلبين من وإلى القاهرة، كذلك إقامتها أيضا، علاوة على سداد مرتبات مضاعفة لما تحصل عليه المصريات، وكأنه تطبيق لمبدأ الاحتراف في كرة القدم.
وممن يقمن بالاستعانة بلبيسة من هذا النوع المحترف الفنانات صفية العمري، رغدة، إيناس الدغيدي، ونبيلة عبيد، بعد أن ذُقن مرارة كشف أسرارهن لدى الصحف على يد اللبيسة الخاصة بكل منهن؛ لذا جاءت الاستعانة بخادمات ولبيسات كأنهن إنسان آلي ينفذ مهمته في صمت تام دون التدخل في أي تفاصيل، فهي تنفذ أوامر ومبرمجة ببعض الجُمل باللغة العربية مثل «المدام عندها تصوير» أو «ليست موجودة»؛ وذلك لضمان عدم تسريب أي خبر للصحافة.
وهذا لا يمنع اتصاف اللبيسة بذكاء خارق يناسب طبيعة عملها، خاصة أنها الوحيدة التي تخترق الحياة الخاصة للفنانة؛ تدخل غرفة نومها، تبحث في ملابسها عن أي شيء، لكنها أبدا لا تطرح سؤالاً خارج حدود تخصصها.
ليلى والوصيفات
ورغم هذا النجاح منقطع النظير للبيسة الفلبينية أو السريلانكية، إلا أن بعض الفنانات يفضلن المصرية التي تتميز بالثقة والعِشرة الطويلة، ومن هؤلاء النجمات ليلى علوي التي تفضل أن تصطحب معها في كل مناسبة أو تصوير عمل فني إحدى لبيساتها التي أطلقت عليهن «وصيفات»، وكأنها عادت إلى القرون الوسطى حين كانت الملكة لا تتحرك إلا بوصيفاتها، ولم تكتفِ ليلى بواحدة مثل معظم النجمات.
بالإضافة إلى أنها تُعد من أكثر الفنانات التي تدفع أجورا للعاملات معها؛ حيث تحصل اللبيسة على 1000 دولار شهريا، وتمنح اللبيسة 30 يوما كل عام كإجازة سنوية، وتتكفَّل ليلى بجميع مصروفات الانتقال لهؤلاء الوصيفات، إلا أن معاملتها الطيبة لهن تجعلهن يفضلن البقاء معها عن قضاء الإجازة مع الأهل.
طوق أمني
أما لبيسة الراقصة دينا فهي من نوع خاص لا تسمح لأي شخص باختراق حياة الفنانة مهما كانت درجة قرابته، وخصوصا الصحافيين الذين يحاولون من وقت إلى آخر البحث في أوراقها وحفلاتها وأعمالها الفنية، إلا أن لبيستها تفرض طوقا أمنيا على كل ما يخص دينا؛ لذلك لا تستطيع الاستغناء عنها، وتصطحبها معها سواء في العمل أم الإجازات حتى لو كانت خارج مصر، بعد أن اعتبرتها من أقرب صديقاتها.
لكن الراقصة فيفي عبده وقعت في مشكلات لا حصر لها مع لبيستها الخاصة، امتدت إلى أقسام الشرطة، بعد أن قامت اللبيسة بتسريب خبر لإحدى ناشطات حقوق الإنسان مفاده أن فيفي تحتجز بعض خادماتها الفلبينيات وتمنع عنهن جوازات سفرهن، كما سهَّلت مهمة اختراق الناشطة للحِصن الذي فرضته فيفي على فيلتها، فكان جزاؤها أن اتهمتها الفنانة بإخفاء بعض المصوغات الذهبية، وحررت بلاغا ضدها في قسم الشرطة، لكنها تنازلت عنه بحجة الحفاظ على مستقبلها، وكانت هذه الفتاة آخر لبيسة تدخل حياة فيفي عبده؛ لأن ابنتها أصبحت مسؤولة عن اختيار ملابسها بعد ذلك.
كذلك تسببت اللبيسة الخاصة بالفنانة أميرة فتحي في إشعال الخلاف بينها وراوية بياض، مسؤولة شركة الإنتاج، بعد أن قررت الشركة تحمل تكاليف وأجر اللبيسة، إلا أن راوية رفضت وتنصَّلت من وعودها، فقررت أميرة عدم تصوير مشاهدها المتبقية في المسلسل، وأخيرا تم التوصل إلى حل سريع يُرضي جميع الأطراف؛ حيث تحملت الشركة أجر اللبيسة، بينما تحملت أميرة أجور الماكيير وثلاثة مساعدين.
بهرجة
وتخرج الفنانة مي عز الدين عن القاعدة وترفض الاعتراف بمهمة اللبيسة؛ حيث تقوم باختيار ملابسها بنفسها متخذة من والدتها كاتمة أسرار وصديقة لها، كما أنها لا تقبل بأي حال من الأحوال اختراق أحد حياتها الخاصة، كما تمتنع عن مشاركة أي أحد في أجرها ممن يساعدونها؛ لأنها تعتبر ذلك بهرجة، إضافة إلى أنها تكره التكلُّف في الملابس والإكسسوار والماكياج.
وتتفق منة فضالي مع مي في عدم الاستعانة بلبيسة؛ لكونها ترفض أن يخترق أحد حياتها الشخصية أو يتعرف إلى سر من أسرارها، كونها لا تثق في أي شخص بسهولة، وتعتبر أن اختيار الملابس ووضع الماكياج ذوق خاص لا بد أن يكون نابعا من داخل الفنانة، فلا تفضل أن يجملها أحد لأنها تقتنع باختياراتها.
بينما لا تستطيع منة شلبي الاستغناء عن اللبيسة بأي حال من الأحوال على الرغم من أنها ترتدي الجينز في معظم أدوراها وحياتها الشخصية، لكنها تعوَّدت على أن يكون معها لبيسة كما كانت ترى لبيسة والدتها، الراقصة زيزي مصطفى، لا تفارقها إلا عند النوم، وترافقها في معظم حفلاتها وفي السفر خارج مصر أيضا؛ حيث اعتمدت عليها أكثر من 15 عاما حتى أُصيبت بعدة أمراض، فاستعانت بابنتها بعد ذلك.
ونظرا إلى عمل الفنانة رجاء الجداوي كعارضة أزياء على مدار 20 عاما، فإنها ترفض الاستعانة بلبيسة؛ حيث تعتبر نفسها أفضل واحدة تختار الذي يناسبها سواء عند التصوير أم السهرة؛ لما لها من باع طويل في هذا المجال وامتلاكها ل«بوتيك» ملابس تقوم هي بتصميم معظم القصَّات، وتختار أنواع الأقمشة التي تناسبها.
حافية القدمين
وقد يؤدي إهمال اللبيسة لأي من الأشياء الخاصة بالفنانة إلى فقدانها عملها، وهذا ما حدث بالفعل مع الفنانة نجوى فؤاد قبل عامين، فقد وُضعت في موقف حرج أمام طاقم العمل في مسلسل «عقدة ماما عزيزة» بعد أن فقدت «فردة الحذاء» التي كان من المفترض أن تصور به مشهدها الأخير من المسلسل، ما اضطرها إلى أن تقوم بالتصوير «حافية» القدمين عكس ما كان موجودا في السيناريو.
حيث وضعتها اللبيسة في هذا الموقف المحرج، فكان جزاؤها الطرد قبل الانتهاء من العمل، والاستعانة بأخرى تقوم بمساعدتها في اختيار ملابسها، وتقوم ببعض الأعمال المنزلية.
ولا تقتصر مشاكل اللبيس أو اللبيسة على إفشاء الأسرار، لكن قد يتسبب في مشاكل مضاعفة كما حدث مع الفنان طارق الدسوقي، الذي كان يثق ثقة عمياء في اللبيس الذي عمل معه منذ أعوام، واعتبره كشقيقه الأصغر، وكان يعطف عليه باستمرار ووعده بتأمين مستقبله، إلا أنه فوجئ باختفاء مفروشات وتحف ثمينة من شقته تُقدر بآلاف الجنيهات.
حيث كان اللبيس يحتفظ بنسخة خاصة من مفاتيح الشقة، فقام باستدعاء أحد التجار وباع له غرفة سفرة إنجليزية، صالونا فاخرا، سجادا من مختلف الأنواع، نجفا، كريستالاً، وعددا من الأجهزة الكهربائية والتحف، وبعد البحث في محال التحف تم التوصل إلى المعرض الذي يقوم بعرض التحف المسروقة.
وتم القبض على صاحبه الذي أدلى بأوصاف الشخص الذي باع له المنقولات والتحف، وتطابقت الأوصاف على اللبيس الذي تم القبض عليه ويقضي حاليا عقوبة الحبس.
الحاجة عليَّة
أما أشهر لبيسة في الوسط الفني فهي «الحاجة عليَّة» التي قضت مع الفنانة يسرا أكثر من نصف عمرها وتعرف أدق أسرارها؛ حيث تأخذ رأيها في كل شيء، فتختار لها الموديلات التي تفضلها، وتقرأ معها أدوارها السينمائية والتليفزيونية، وتفهم ما تحتاج إليه من نظرة عين، ولم تقف وظيفتها عند حد اللبيسة، بل أصبحت مديرة لأعمالها أيضا.
وعن سر احتفاظها بالحاجة عليَّة حتى اللحظة تقول يسرا: «العلاقة بدأت بيننا منذ فترة طويلة عندما كنت في بداية مشواري السينمائي؛ حيث تعرفت إليها وأنا أصور دوري في فيلم «بياضة» مع الراحل رشدي أباظة، وكانت «عليَّة» تعمل في طاقم الأزياء في الفيلم وتختار ملابس الشخصيات مع المخرج من واقع السيناريو، فوجدت أن جميع اختياراتها موفقة؛ لذا عرضت عليها العمل معي كلبيسة خاصة، ومن وقتها لم تفارقني منذ أكثر من 30 عاما.
حيث حاول أكثر من زميل في الوسط الفني إغراءها بالأموال للعمل معه، إلا أنها ترفض؛ لأنها تشعر معي بالأمان، كما أنها لا تتحدث إلى أي شخص مهما كانت قرابته بأي حديث يخص حياتي الشخصية أو الفنية».
ثقافة عامة
وعن هذه المهنة تقول شيماء البهي، خبيرة الإيتيكيت وشؤون الأسرة: «مهنة اللبيسة أو مستشارة الأزياء مهنة معروفة منذ قديم الأزل؛ حيث كان الملوك يستعينون باللبيس لمساعدتهم في ارتداء ملابسهم، وتجددت مرة أخرى مع احتلال الفن مساحة كبيرة في حياتنا حتى أصبحت هذه المهنة معروفة في الوسط الفني والأوساط الاجتماعية رفيعة المستوى.
كذلك لدى بعض نجوم المجتمع كالسفراء والوزراء وزوجاتهم، ولم تعد تقتصر على الفنانين فقط بعد أن أصبح هوس الظهور في أحسن صورة أملاً لكل السيدات والرجال أيضا».
وأشارت إلى أن هذه المهنة يمارسها أفراد تتوافر فيهم اشتراطات مثل الثقافة العامة، والتعرّف المستمر إلى أحدث ما وصلت إليه خطوط الموضة العالمية والمحلية، ومعرفة المحال الراقية، وقبل كل هذا الأمانة وحفظ الأسرار وعدم البوح بأي كلمة لأي شخص لضمان الاستمرار، كذلك معرفة نمط شخصية التي تعمل معها وطبيعة مهنته وأسلوبه في الحياة ما إذا كان يحب الكلاسيكيات أم الرسميات، علاوة على معرفة ذوقه في الألوان، مع إلمامه بقدرات شخصية في إقناع الفنان بما يناسبه من ملبس أو ماكياج أو طريقة تعامل، كأنه عين أخرى للفنان في كل ما يخصُّ عمله وحياته.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية


