واحدة من الحوادث التي أتذكرها في الجامعة أن زميلا لي أهدى خطيبته كتابا عنوانه كيف تهزم النكد، فقد كانت الفتاة كثيرة التذمر والشكوى، من كل شيء، وما أن صار الكتاب بين يديها حتى توتر الجو وتفاقم الخلاف؛ فكان سببا في فسخ خطوبتهما، وتلك الحادثة التي مر عليها أكثر من خمسة عشر عاما تجعلني أرغب في الحصول على الكتاب وإهدائه لكثير من الناس ممن لا يجيدون سوى الشكوى والنكد ونادرا ما تجدهم راضين عن شي.

بتلك الكلمات عبر إياد عبد الرحمن، استاذ جامعي، عن استيائه من الناس الشكائين الذين يعجزون عن النظر إلى الحياة بطريقة إيجابية، حيث يشكلون عبئا على أنفسهم ومن حولهم، وتناقش الرأي نفسه رويدا كمال، اعلامية، قائلة لا تخلو حياة أي انسان من المشاكل، لكن هناك من لا يرى غير تلك المشاكل، بل يضخمها ويصنع منها قصة يرويها لكل من حوله، ومع اننا كلنا حفظنا بيت المتنبي الذي يقول فيه (وتعظم في عين الصغير صغارها).

لكن كثيرون يصرون على أن تكون الشكوى طريقة حياة عندهم، لذا أتمنى أن الشخص الشكاء يدرك ما يفعله بنفسه وبالآخرين، وكيف انه يتحول إلى شخص منفر، يبتعد عنه الناس، ونحن نصادف هذه الاصناف من البشر بكثرة، وخصوصا في العمل.

ومنهم من يمتلك عقدة الاضطهاد ويشتكي دائما من ظلم رؤسائه، لكنه في الحقيقة قد لا يكون كفؤا في عمله، واعتقد ان الشكوى جزء من شخصية الانسان وهي عقده تكبر بداخل الانسان ومن لا ينجح في السيطرة عليها سيجد نفسه وحيدا نهاية الامر لاننا في الحقيقة لا نكون بحالة نفسية جيدة، حيث نستمع لشكواهم المتكررة.

بينما تقول هنادي حنونة، موظفة: الناس الشكاؤون يسببون لي الكآبة وهذا أمر أقوله من دون مبالغة؛ فحين استمع إلى شخص يشكو ويستمر بالشكوى بينما تكون حياته أفضل بكثير من غيره، أحزن وأشعر أن علينا أن نوقف الشكائين عند حدهم لأنهم ينقلون إلينا أمراضهم النفسية ومشاكلهم وازعاجاتهم.

وللأسف هذا الأمر نجده كثيرا حولنا، فهناك أشخاص يحبون دور الضحية ويستمتعون بهذا الدور حتى إنهم لا يرغبون بالخروج من هذا الدور حتى لو حلت مشاكلهم، وهؤلاء الناس يمكن أن نسمعهم مرة ومرتين وثلاث، ولكن بالنتيجة نصل إلى مرحلة الملل منهم، ومن شكواهم فنبتعد.

من الناحية النفسية نجد أن للشاكي تأثيرا سلبيا على محيطه؛ كما تشير إلى ذلك الباحثة النفسية بتول قاسم قائلة: يمكن أن يشكل الشاكي عبئا نفسيا على محيطه كونه يجبر الآخرين على الاستماع إلى شكواه، وأحيانا التصرف وفقها، فهو ينقل الطاقة السلبية، حيث تنقسم مواقف الآخرين منه إلى نوعين الأول هو المتعاطف معه، والذي يمكن أن يحزن ويتأثر نفسيا من تلك الشكوى، والصنف الآخر الذي لم يعد يطيق الاستماع إلى تلك الشكاوى.

ولا يستطيع التفاعل معها، لذا يسود جو التوتر بين الشاكي والمستمع خصوصا أن لم يستطع المستمع أن يوقف الشاكي عند حده لأسباب اجتماعية، كأن يكون الشاكي أحد الوالدين أو صديق مقرب أو حتى المدير في العمل، لذا ينبغي على الشاكي أن ينتبه إلى نفسه ويحد من فكرة الشكوى فالناس لا يميلون إلى الحزن بطبيعتهم والشخصيات المبتسمة تكون أكثر تأثيرا فيهم.

من الناحية الدينية يكون المتذمر أو الشاكي في مكانة غير محمودة كما يشير إلى ذلك رجل الدين الشيخ شيرزاد طاهر قائلا يخشى على الشخص المتذمر وكثير الشكوى أن يكون معترضا على ما قسم الله سبحانه وتعالى له من رزق ونعم في الحياة، وهذا ضرب من عدم الرضا الذي يؤثم عليه، فقد حث الخالق سبحانه وتعالى على التحدث بنعمته في قوله (وأما بنعمة ربك فحدث).

وهو أمر ينبغي أن يتذكره الانسان، ولا ينكر فضل الله عز وجل عليه، كما أن كثرة الشكوى والتعود عليها تؤدي إلى القنوط واليأس من نعمة الله، واليأس قرين الكفر لذا لابد من تجنب الشكوى وتعزيز الايمان بالله تعالى، وحتى الذين يحاولون التشكي درءا للحسد والعين ينبغي عليهم التفريق بينهما أولا فالحسد هو تمني زوال النعمة عن الغير، وعلاجه يكون بقراءة المعوذتين بينما العين يمكن أن تأتي من شخص محب .

حيث يمكن أن تصيب الأم طفلها بالعين، لذا ينبغي على المرء إن اعجبه أمر أن يقول تبارك الله سبحانه وتعالى، ومع موانع الحسد والعين لا يحتاج الانسان إلى التشكي الذي يزعج من حوله، بل عليه أن يشكر الله سبحانه على نعم قد يحلم بها آخرون ولا يجدونها.

دبي- دلال جويد