البحث عن الجديد جاوز حدوده في عالم الموضة؛ فمنذ عشرينات القرن الفائت، وأكبر الأسماء في عالم التصميم لم توفّر جهداً في طرق كلّ الأبواب التي من شأنها أن تُطلق خطوطّاً استثنائيّة تُصبح مرجعيّةً لمتتّبعي خطاهم في السنوات المُقبلة.

وفي خضمّ عمليّة إعادة تصنيع تلك الخطوط، ومزجها بلمسةٍ معاصرةٍ تُبقيها في حيّز المقبول، وترتقي بها إلى مستوياتٍ تُثير إعجاب متتبّعي الموضة، الذين لا يَروي عطشهم إلا ما هو غرائبيٌّ واستثنائيّ، يُخاطر رؤوس أهرامات أكبر دور التصميم في العالم ليستقوا، ليس فقط من العقود الماضية، وإنّما يتجاوزها لتدخل تصاميمهم ميادين اشتهرت بها نساء القرن الثامن عشر. حيث تبدأ الحكاية عند مارك جايكوب، المدير الإبداعي لدار «لوي فيتون»، الذي يُشهر بانعدام الحياة في عمليّة البحث عمّا هو جديد، ويلجأ إلى نزعاتٍ مُغرقة في القدم في سبيل بعث تصاميمه بأبعاد حديثة. وبعيداً عن الزمان، يختار جون غاليانو، المدير الإبداعيّ لدار «كريستيان ديور»، مكاناً قلّما ذكره صنّاع الموضة.

حيث يأخذ من حضارة الغجر عامل عدم الانتماء، ويعيد توظيفه بإبداعاتٍ تهزّ خشبات العرض في عواصم الأزياء في العالم.نزعاتٌ مشتركة ياقات عالية جذّابة يرى البعض أن الياقات العالية لم تعد بالانتشار الذي استمتعت به العقد الفائت، إلا أن ظهورها لدى دورٍ شان «مارك جايكوب» و«كارولينا هيريرا» و«جون غاليانو» ضمن مجموعاتهم لخريف وشتاء 2010، يُؤكّد أن من يعتمد خطّاً معيّناً، يُمكنه أن يُخضعه للقواعد التي يريدها، وعليه ستعود الموضة الجذّابة التي ميّزت العديد من مشاهير العالم. فخلط الألوان، وإضافة بعض الإكسسوارات كفيلان بأن يعيدا إحياء تقليعةٍ قديمة ونشرها بحيويّة فائقة.

اللون الأسود

يبدو أن العودة على الكلاسيكيّة لم تحكم فقط على القصّات والأقمشة، بل تجاوزتها لتصل عالم الألوان،

حيث ان اللون الأسود لا يغيب عن الأذهان إذا ما تعلّقت الموضة بالفصول الباردة، وليس في هذا الموسم من استثناء لسواد الأقمشة لامعةً كانت كالتي قدّمها «مارك جايكوب» و«سيلين»، أم طافئة ضمن مجموعة كارولينا هيريرا.

ألق يرسمه الفراءٌ

لا تزال العديد من جمعيّات الرفق بالحيوان تحاول الوقوف ضدّ هذه، إلا أن الفراء يعود للظهور على أكتاف وحول رقاب عشّاق الموضة كلّ شتاء. وفي هذا الموسم، يعود الفراء بشكلٍ أكثر جاذبيّة، حيث لا يقف عن اختلاف التصاميم والقصّات وأساليب الارتداء، بل يتجاوز ذلك ليدخل ضمن ألوانٍ منوّعة تتدرّج بين الطبيعيّ لدى كارولينا هيريرا والأصفر الليموني بتوقيع مارك جايكوب.

قفّازات الذوق الرفيع

ما هي أهمّ إكسسوارات الشتاء التي يُمكن أن تلبسيها لتزيد من أناقتك؟

لقد شهدت منصّات العرض لموسم خريف وشتاء 2010 العديد من تصاميم القفّازات الغريبة، جلديّة طويلة لدى مارك جايكوب وشاموا قصيرة من كينزو، أما أثناء ممارسة الرياضة، فلابدّ من تلك التي ليس لها أصابع من تصميم سينثيا ستيف.

خريف وشتاء 2010 مارك جايكوب Marc Jacob

كان عرض جايكوب حالماً شأن معظم عروضه السابقة، يتميّز بالسكينة، متعته نبعت من عدم بحثه عن التجديد الدائم، حيث علّق مارك عليه قائلاً: لشدّة البحث عمّا هو جديد، لم يعد الجديد حيّاً كما يجب أن يكون. ولمن شاهدوا العرض، أحيت معظم التصاميم إحساساً بالحنين نحو الماضي، حيث ظهرت بصمته التي جهد في بنائها لما يُقارب العقدين من الزمن واضحةً في عناصر ثابتة، بنسب متفاوتة، كتغيير الأزرار وزيادة تدرّج الألوان، وإنّما من غير الخروج عن الإطار الكلاسيكي للتصاميم الحياديّة.

كارولينا هيريرا Carolina Herrera

في آخر عرضين لها، كشفت تصاميم «كارولينا هيريرا» عن عناصر يُمكننا تسميتها بالمشهيّات عير الثقيلة، بسبب استخدام أسلوب باروك، المتّسم بخلط الأقمشة وزخرفتها بعُمق. هذه المعادلة لا تقدّم إلا ما هو على درجةٍ عاليةٍ من الأناقة، خصوصاً أنّها في التصاميم الجديدة، بدت تماماً وكأنّها وظّفت أنامل أكثر رقّةً في العمل، مع ضربات فرشاة الرسم والورود والألوان القويّة كالأزرق البروسيّ أو الأحمر الغامق.

لوي فيتون Louis Vuitton

عنوان هذه المجموعة الأساسيّ هو عودة دار لوي فيتون إلى التفاصيل الكلاسيكيّة، مع الأزرار والياقات المصنوعة من الفراء، والكعوب العالية. وقد حاول مارك جايكوب أن يُظهر قوّة التصاميم التي قدّمتها الدار هذا العام باستدعاء أهم الأسماء في عالم عرض الأزياء شأن بار رافايلي ولاتيشيا كاستا وكاثرين مكنيل وإيل مكفيرسون، ومع ذلك راهن بأن أنظار المتفرّجين ستتركّز على الأقمشة والتصاميم فقط، وبالفعل نشرت التصاميم عبيراً باريسيّاً على خشبة العرض لم يستطع المتفرّجون تحريك عيونهم عنه.

كريستيان ديور

تحوي هذه المجموعة معاطف الخيّالة المتميّزة بياقاتٍ المتطايرة تُترك مفتوحة فوق قمصان الموسلين المرهفة، والفساتين المخرّمة والمتحرّرة على شكل قمصان، مع نقوش أزهار مستوحاة من القرن الثامن عشر. من جهة أخرى، تمتزج الأقمشة مثل الجلد المعتّق والموهير الناعم، وجلد الثعبان الرقيق وصولاً إلى جلد الفرس والجلد المثقّب.

وتبرز ملابس السهرة المستوحاة من الفنّ الرومانسيّ، والتي تعبّر عن حالة غامضة وآسرة. ولاننسى كشاكش الموسلين والتصاميم المخرّمة ثنائية اللّون، المصنوعة من قماش جورجيت الحريري بالألوان الزاهية مع أكاليل زينية حريرية مرهفة ملفوفة بالفراء.

جون غاليانو

هُيئَ العرض وكأنّ العارضات هم عبارة عن قبيلة من الغجر الرحّل، تشق طريقها بصعوبة في أراض جبلية وتعبر حدوداً وهمية بحثًا عن أراضٍ وآفاقٍ جديدة. لا يتأثرون بالظروف التي تحيطهم لأنهم يتحكمون بمصيرهم ويحتاطون من خلال ارتداء ملابس مزركشة وسترات من الخيوط الصوفية مع كنزات مضلّعة تلتصق بالجسم.

تكوّنت التصاميم من طبقات متعددة في مسعى للحماية من العناصر القاسية للمناخ المتغير على الدوام. وقد اكتست الأميرات الغجريات بملابس تميّزها قصّات وثنيات تتخللها بقع من فراء الياك التي تجمع بين الجانب المتوحش والحرفية الراقية، ويزين القماش الحريري الناعم بفراء منغوليا الذي تم إضفاء مظهر رثٍّ عليه من خلال فراء بربري والإكسسوارات المعدنية.

دبي ـ علي محيي الدين