قبل الكتابة عن فيلم (فيكتوريا الشابة ـ Young Victoria) الذي بدأت عروضه هذا الأسبوع في صالات السينما المحلية من المفيد معرفة أنه ليس فيلماً عادياً، ذلك انه يقدم عددا من الدروس المستفادة.
أولها الضجة التي صاحبت عرضه في الأوساط الثقافية والإعلامية البريطانية بسبب الاستياء الذي أبدته الملكة إليزابيث الثانية من بعض الأخطاء التي اقترفها مخرجه الكندي جان مارك فاللي وكاتبة النص البريطانية جوليان فيلوز.فقد نقلت صحيفة »دايلي تلغراف« أن الملكة إليزابيث شعرت بأن الفيلم تخطى الحدود في تصوير زوج الملكة فيكتوريا الأمير ألبرت وهو يحاول إنقاذها من رصاصة أطلقت عليها بهدف اغتيالها، وهو أمر لم يحصل بهذا الشكل أو بالطريقة نفسها، كما أنها وجدت أن الملابس التي ارتداها الضباط البريطانيون كانت ألمانية.وقللت كاتبة السيناريو جوليان فيلوز من أهمية هذه الانتقادات، حيث أكدت أن الفيلم لتسلية المشاهدين، كما أنه يعد نموذجا شديد الثراء في نقل مرحلة تاريخية بكل تفاصيلها، وهذا ما جعله ينال أكثر من ترشيح للفوز بجوائز الأوسكار لعام 2009 في الإخراج الفني (تصميم الملابس والماكياج).
أما الدرس الثاني فيتمثل في أسلوب استخدام السينما كوسيلة لتقديم وجهة نظر ايجابية عن شخصية لاقت انتقادات واسعة واعتبرت فترة حكمها مثيرة للإحباط من جانب الشعب الإنجليزي، الذي لم يظهر بوضوح إلا في خلفيات المشاهد كرافض أو غاضب، دون تبرير حقيقي لهذه الصورة، مع استعراض للقصور والحدائق والأماكن.
حيت صُوِّر الفيلم داخل قصور ومعالم بريطانية، وذلك بفضل سارة فيرغسون دوقة يورك التي تحملت مسؤولية إنتاج هذا العمل مع مارتن سكورسيزي وجراهام كينج، وكانت تملك المفاتيح كافة - إذا جاز التعبير- فقد سهّلت دخول هذه الأماكن، واستغلت مكانتها كعضو سابق في العائلة المالكة لتقدم العون عند الحاجة، ولعبت دورا خفيا في تحسين صورة الملكة فيكتوريا.
أما الدرس الثالث فيأتي من الممثلة »إيملي بلانت« التي تألقت من قبل في فيلم »الشيطان يرتدي حذاء« عام 2006 و»حرب تشارلي ويلسون« عام 2008 وشاركت في فيلم الرعب »الرجل الذئب« مع النجم البريطاني أنتوني هوبكنز، فقد أدت دور الملكة فيكتوريا على نحو بالغ الفهم.
وقدمت نموذجا للمرأة الملكة التي تدافع بشراسة من أجل تحطيم دائرة الحصار القاسية المضروبة حول عنقها، ورغم قلة عدد المشاهد التي توضح قوتها، لكنها نجحت في مشاهد الشطرنج، حيث ربطت بينها وبين قطعه التي يحركها البعض لتحقيق مصالحهم الشخصية، ومشهد اجتماعها برئيس وزراء حكومتها وما أثاره من مطالبات البرلمان المستمرة بتحديد صلاحيات الملكة وتوسيع صلاحيات رئيس الوزراء.
هذا في الوقت الذي ألمح الفيلم إلي بعض المنجزات؛ مثل رغبتها في تحسين ظروف الحياة وبناء مساكن للعمال وازدهار التعليم والأنشطة الفنية، كما نجح الممثل روبيرت فريند »الأمير ألبرت« في تجسيد دوره بمهارة شديدة، وعززت المؤثرات الصوتية ورسَّخت أهمية الفيلم الفنية تحت قيادة المخرج جان مارك فاللي الذي أخرج العديد من الأفلام الناجحة من بينها »الورود السحرية«، »القائمة السوداء«، »غرباء«، و»المغامرات السرية لجولز فيرن«.
ويأتي الدرس الرابع ملخصا توجه صناع هذا العمل السينمائي الذي ركز فقط على أعوام شباب الملكة فيكتوريا من خلال قصة حب جميلة مكتوبة بإتقان وحرفية مع مسحة من أحداث سياسية، دون التطرق إلى استخدام مصادر ومواقف مادية تسجل نقاطا إيجابية تحسب لقصر باكنغهام ومن يعيشون داخله.
وبالتالي حلت محل الأحداث الواقعية بعض الأمور بشكل خيالي لجعل الفيلم مشوقا للجمهور مع إنتاج ضخم يليق بهذه الملكة التي عاشت عمرا طويلا وصل إلى 82 عاما.
أحداث الفيلم التي تستغرق على الشاشة ساعة و45 دقيقة، تتناول حياة فيكتوريا التي تعتبر من أهم الملكات بالعالم شهرة، فقد تربعت على عرش انجلترا في عمر الثامنة عشرة، وتقودنا الأحداث إلى تفاصيل تبدأ منذ سنوات المراهقة الأولى لها إلى بلوغ قصة حبها.
حيث تتحول إلى رواية ناعمة ترصد المعارك التي اضطرت فيكتوريا إلى خوضها داخل وخارج البلاط لتثبيت عرشها أمام أطماع الآخرين.
يبدأ العمل لقطاته الأولى بمراسم تتويجها ملكة على بريطانيا عام 1837، ثم تعود الأحداث إلى عام سابق، حيث نتعرف إلى فتاة صعبة المراس لا تستجيب إلا لإرادتها بعيداً عن مؤثرات أغلب المحيطين بها، خصوصا عمها (وليم الرابع ـ جيم برودبينت) الذي خلق لها العديد من المشكلات ـ كما ظهر بالفيلم ـ وقد أحرج أمها أكثر من مرة في مواقف لافتة للصراع داخل هذه العائلة.
كما تم التركيز على حياتها عندما كانت تقضي معظم وقتها في قصر باذخ تعزف على آلة البيانو وترسم كلبها أو الشخصيات المقربة منها وتقرأ بعض الروايات الأدبية، وأظهرتها بعض المشاهد متشددة ورافضة لا تستجيب لطلبات أمها (أدت الدور ميراندا ريتشاردسون).
أو لمستشار والدتها »سير جون كونروي ـ مارك سترونغ« الذي كان متطفلاً وكثير التدخل في الشؤون الرسمية والخاصة لأسرة فيكتوريا؛ ومن أبرزها إجبار فيكتوريا التوقيع على قانون الوصاية، لكنها رفضت أن تفعل ذلك وألقت الورقة والقلم على الأرض بعصبية شديدة.
ومن يتتبع هذا الفيلم سيجد نفسه مندمجا في أحداثه المتلاحقة ومتعايشا مع شرارة الحب الأولى بين فيكتوريا وألبرت، بدءاً من الرسائل العاطفية التي كانا يتبادلانها، مروراً بقصة الحب التي اشتعلت في قلبيهما وتطورت إلى الدرجة التي لا يمكن معها إلا أن يتزوجا.
وانتهاء بالتضحية الكبيرة التي قدمها الأمير ألبرت إلى زوجته وحبيبة روحه حينما تلقى رصاصة في جسده كي ينقذها من موت مؤكد في حادث لاغتيالها، ونصيحة سكرتيرها الخاص ملبورن بضرورة مشاركة زوجها قراراتها نظراً لحكمته ودرايته وخبرته وحنكته في مجالات مختلفة.
وهكذا حكمت فيكتوريا بريطانيا أطول فترة في التاريخ (63 عاما) قبل أن يموت زوجها ألبرت في عمر 43 عاما، لتعيش هي 40 سنة إضافية متذكرة قصة حبها العاصف مع تسعة أولاد لألبرت والتزامها اليومي بتجهيز بذلته الرسمية حتى اللحظات الأخيرة قبل مماتها.
ومع انتهاء الفيلم بشكل مفاجئ معتمدا على سرد معلومات وثائقية في محاولة دفع المشاهد إلى تأمل قصة »فيكتوريا الشابة«، تأتي المعالجة السينمائية مخيبة للآمال لدى البعض، في الوقت الذي يراها الآخرون عملا كلاسيكيا مؤثرا، وسط ضجيج أفلام العنف والرعب التي تزاحم وتفرض سطوتها على موسم صيف هذا العام.
دبي - أسامة عسل

