تعبر بعض السلوكيات العفوية عن طبيعة العلاقة التي تربط بين شخص وآخر، وليس أدل على متانة العلاقة الزوجية، لاسيما حين الخروج لقضاء إجازة سريعة، أو عزومة بسيطة، من التعبيرات الصغيرة التي تغلف تعاملاتنا في هذه المواقف.
وليس بالجديد أن نقول إن نوعية العلاقة بين الوالدين تلقي بظلالها المباشرة على أبنائهما، فلا يحتاج الأمر إلى تأكيد علمي بأن العلاقة الطيبة تشيع في الأبناء روحاً من الثقة والمحبة والاستقرار النفسي.
بينما تتحول هذه الصفات إلى اكتئاب وتوتر عصبي وانعدام للثقة وعدوانية إذا اتسمت علاقة الأبوين بالجفاء والشقاق والشجار المتواصل، لاسيما إذا حدث ذلك في مكان عام على مرأى ومسمع من الجميع..
فهل على الأبوين أن يحرصا على تشابك أيديهما في ود ومحبة حينما يصطحبان أولادهما إلى مكان عام، أو لقضاء نزهة؟ وكيف الحال إن تجاهلا كل ذلك واكتست ملامحهما بالعبوس، ونفوسهما بالضغينة؟ قبل أن تختارا أي الطريقين ستسلكان، اقرأا السطور التالية..
نتوقف أولاً أمام مشهدين يتكرران في حياتنا، قد لا نعيرهما كثيراً من الاهتمام، إلا أنهما بالفعل جديران بأن ندقق فيهما وفي الآثار التي يخلفها كل منهما وراءه، المشهد الأول حدث في أحد المولات الكبيرة.
توقفت سيارة صغيرة أمام المول التجاري، وكان بداخلها زوجان وطفلان: طفلة في الثامنة من عمرها، وطفل في الرابعة من عمره، على الفور هبط الزوج وكان في أواخر الثلاثينات من عمره ممسكا بطفله الصغير.
وفي الوقت نفسه ساعد طفلته على النزول، بينما لم يعر زوجته اهتماماً يذكر سوى إشارته لها بأن تسارع بالهبوط، وبامتعاض لاحظه كثير من رواد المول هبطت الزوجة في تكاسل واضح، وصفعت باب السيارة في حدة.
واندفعت إلى المول وهي تشيح بنظراتها بعيدا عن زوجها الذي رمقها بنظرة نارية قبل أن يلحقها مع طفليه إلى الداخل، ولم تمض عشر دقائق حتى تعالى شجارهما، كانت تصرخ قائلة بأنها ملت هذه الحياة الجافة وتصرفاته الفجة.
بينما كان يمطرها بوابل من السباب، واصفاً إياها بالزوجة التي لا تتحمل المسؤولية، وتسعى دوماً لإحراجه، وتبين من بين شجاره أنه كان قد أخبرها قبل خروجهما بألا تتجاوز مشترياتها من المول مبلغاً محدداً يتناسب مع إمكاناته المادية.
فإذا بها تتجاوزه بما يوازي ضعف المبلغ، ما أصابه بثورة من الغضب قابلتها بثورة مماثلة، وصفته فيها بالبخل وسوء المعاملة.. ولم يتوقفا عن صراخهما إلا بعد أن انفجر الطفلان في صراخ هستيري حصد شفقة كل من تجمعوا من رواد المول.
مشهد آخر
المشهد الثاني حدث في أحد المطاعم ولفت انتباه كل الحاضرين، كانت أيضا أسرة مكونة من أربعة أفراد، زوجان في بداية الأربعينات من عمرهما، ومعهما فتاتان يبدو من ملامحهما أن إحداهما طالبة جامعية والثانية في المرحلة الثانوية، ما لفت انتباه رواد المطعم أن الجميع دخلوا متشابكي الأيدي، تعلو وجوههم ابتسامة واسعة، صافية، تنم عن وئام أسري ومشاعر جياشة لم تحدها سنوات الزواج العشرون..
كان من الواضح من معاملة الزوج وهو يفسح الطريق لزوجته ويجذب لها مقعدا أمام إحدى الترابيزات الهادئة أنه يحمل لها مشاعر فياضة، بادلتها الزوجة بابتسامة حانية ممتنة، تدل على أنها تبادله المشاعر نفسها، فيما راحت الفتاتان تتبادلان حديثاً خافتاً تتخلله ضحكات رقيقة كملامحهما.
وعلى الرغم من أن الزوجين وابنتيهما لم يجلسوا في المطعم أكثر من نصف ساعة تناولوا فيها عشاءهم في جو من المرح والسعادة، فإنهم أضفوا على المكان جوا من البهجة والسعادة انتقلت عدواها إلى كثير من رواد المطعم.
انعكاس طبيعي
إلى ذلك يؤكد، د. محمد المهدي، أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر، أن العلاقة بين الزوجين لها انعكاس طبيعي ومباشر على أبنائهما، سواء كانت علاقة طيبة أم سلبية، وبصفة خاصة إن تم التعبير عن هذه العلاقة في مكان عام، يراه جمع من الناس الذين يشهدون على هذه العلاقة وبصفة خاصة السلبية منها.
فمن الطبيعي أن تتأثر نفسية الأبناء عندما يشاهدون والديهما يتشاجران أمام الناس، فينشأ الأبناء أسوأ نشأة، لذلك على الزوجين أن يراعيا نوعية علاقتهما لاسيما في الأماكن العامة حتى لا يتأثر بها الأبناء سلبا..
فمثلا إن كان الزوجان سيصطحبان أبناءهما إلى أحد المطاعم العامة هناك عدة خطوات مهمة ينبغي مراعاتها لإشاعة جو من المودة ينعكس بالتالي على الأبناء، ومن ذلك تنحية أي خلافات سابقة بين الزوجين أو على الأقل تأجيل نقاشها إلى ما بعد العودة إلى البيت، مع أهمية تبادل النظرات التي تنم عن الحب الذي يربط الزوجين.
ويشير د. المهدي إلى بعض الخطوات التي تدعم أواصر المحبة بين الزوجين وتنعكس إيجابيا على أبنائهما، لاسيما حال خروجهم إلى أحد الاماكن العامة، ومن ذلك حرص الزوجين على أن يمشيا متجاورين، فلا تسبق الزوجة زوجها حتى يظن الناس أنها تقوده.
ولا خلفه حتى لا يظهر التباعد بينهما، فيما يتبعهما الأولاد في خطوات هادئة، وأن يأخذ الزوج رأي زوجته في نوعية المكان الذي سيذهبان إليه، ونوعية الطعام على سبيل المثال إن كانت الوجهة إلى أحد المطاعم العامة.
مع الحرص على إظهار الألفة والتفاهم سواء بالفعل أو القول، والجلوس متجاورين وتبادل بعض العبارات العاطفية، والابتعاد تماما عن أي نقاشات مادية أو أسرية حتى لا تنقلب الجلسة إلى نقاش حاد قد يتطور إلى شجار، أو على الأقل تفقد الجلسة نقاءها.
وأن تحرص الزوجة على أن تذكر للأبناء بعض المواقف الطريفة التي شهدتها لقاءاتهما في سنوات زواجهما الأولى لإشاعة جو من البهجة ينتقل صداه إلى الأبناء، الذين يشعرون بالتالي بمدى الوئام الذي يربط بين والديهما.
ومن الممكن تبادل بعض الدعابات الخفيفة بصوت خافت، وأن يتبادل الزوجان بعض العبارات الخافتة أقرب إلى الهمس، وجلوس الزوجان متجاورين وليسا منفصلين بالأبناء، ولا مانع إن كانت ترابيزة الطعام في مكان بعيد عن أعين الغرباء من أن يطعم الزوجان بعضهما لقمة أو لقمتين كل من طبق الآخر.
مع استرجاع بعض الذكريات الجميلة خاصة التي حدثت قبل إنجاب الأبناء، وقصها للأبناء بما يوحي بأنهما يحملان أجمل المشاعر، وتأكيد ذلك بتشابك أيدي الزوجين من آن إلى آخر لاسيما أثناء انصرافهما من المطعم.
