سجادها بات قطعاً نادرة في متاحف نيويورك ومشاهير من الفن والعلوم أقاموا فيها الى جانب الوجهات البحرية التي يقصدها الناس في فصل الصيف، فإن الوجهات الجبلية تبدو خيارا يتمتع بذات القدر من الجاذبية، وخصوصا لسياحة العائلات.
ومع تكريس جبال لبنان أو ألمانيا أو استراليا، كوجهات رائجة بين الاماراتيين في مجال السياحة الجبلية، التي تتصف عادة بالنشاطات الرياضية المثيرة كالصيد والتسلق، والمناخ اللطيف الذي يجعل العائلات تسترخي، تبرز وجهات جديدة غير تقليدية، لتوفر خيارات مبتكرة وأقل تكلفة مما تم الاعتياد عليه. غوبا التي تبعد 168 كلم عن العاصمة الاذربيجانية باكو، هي احدى تلك الوجهات التي بدأت تجد مكانا لها على خارطة السياحة العائلية الجبلية. وتقع المدينة في القسم الشمالي لجبال شاهداغ، على ارتفاع 600 متر عن سطح البحر.
وتشير وزارة الثقافة والسياحة في الجمهورية الاذربيجانية على موقعها على الإنترنت إلى عناصر طبيعية جذابة في غوبا تبدأ من الشلالات المنحدرة من أعالي الجبال، والتي قامت مياهها بنحت الكثير من التماثيل والأشكال الطبيعية، من بينها صخرة «المنارة» التي تعتبر مقصدا رئيسيا للسواح، مرورا ببحيرتين اصطناعيتين، وصولا الى الظروف المهيأة من أجل الصيد البري أو الصيد في مياه الأنهار والينابيع.ويقطن في غوبا المدينة ومحيطها حوالي 140 الف نسمة، وهي تعتبر مركز الاصطياف والعطلات لسكان العاصمة باكو، كما تحتوي على عدد كبير من المنتجعات والفنادق الفخمة، بعضها يتخذ طابع الفلل في الغابات، كما هي الحال في غابة «غشريش»، وبعضها الآخر ذو وجه عصري.
وفي المدينة أيضا سوقا خضار ولحوم شهيران، كما أنها تسمى بحديقة التفاح، اذ إن سهولها هي المصدر الرئيسي للتفاح الى دول كثيرة في منطقة القوقاز. وأفضل الوقت لزيارة الحقول هو الربيع حين تتفتح زهور التفاح ويفوح عبقها في طرقات المدينة. ولا يمكن اغفال العسل الذي يصنعه أهالي المنطقة بطريقة مميزة.
ويقول وصال مامدو، وهو محام من أبناء المدينة: يقطع السواح نهر فيلفيليشاي، ذا المياه الطينية، للوصول إلى شلال كانكيرت قرب منطقة غوناكند التي كانت المركز في منتصف القرن الماضي»، ويتحدث عن مفاجأة تتمثل باحتواء الجبال المحيطة بغوبا، حتى اليوم، بحيوانات مفترسة من بينها الدببة البرية!
وتحتوي أنهار أخرى مثل هاشيشي على سلفات الهيدروجين الأمر الذي يجعل أحواض حماماتها، التي لا يعرف أحد من بناها، مثالية لبعض أنواع السياحة العلاجية.
وتسهم غوبا، كما مناطق أخرى في أذربيجان في صناعة السجاد الذي لا يزال يحاك يدويا على آلات معقدة، ويحتاج الى وقت طويل لكي ينجز، لكنه يحتفظ بأسرار جماله وعبق هذه الحرفة التاريخية التي ما انفكت تمارس في هذه البقعة من العالم منذ مئات السنوات.
فقد أثبتت الدراسات أن حياكة السجاد في اذربيجان تحتل مكانا مهما منذ فترة البرونز، وورد ذكرها في آثار هيرودوت وكلوديوس اليان وزينوفون وغيرهم من المؤرخين في العالم القديم.
وتحتوي المدينة على مركز لحياكة السجاد ويؤكد أهالها أن أنواع شيشي وآغ جول وبيراباديل، التي تنتج فقط في غوبا «هي الأفضل في أذربيجان»، ويقتني متحف متروبوليتان في نيويورك احدى قطع الشيشي التي حيكت في غوبا في العام 1712.
لكن نوعا آخر من السواح، غير الباحثين عن الاسترخاء والترفيه، يجدون في غوبا أيضا خاصية أكسبتها شهرة عالمية تاريخية، وجعلتها محطة رئيسية لزيارات الوفود الدولية ومنظمات حقوق الانسان، اضافة الى المؤرخين؛ ففي العام 1919 شهدت المنطقة حوادث مأساوية بين الأرمن والسكان المسلمين أنتجت أعمال عنف ذهب محصلتها الآلاف من القتلى الأذربيجانيين.
وقبل سنوات تم اكتشاف مجزرة جماعية تحتوي رفات القتلى، وتم الحفاظ على المكان الذي يظهر جزءا من هذه البقايا فوق الأرض، فيما أهيل التراب على الجزء الأكبر. وتخطط الحكومة الأذربيجانية لبناء نصب تذكاري في مكان المقبرة.
وثمة نوع آخر من السياحة أيضا، قد يكون أكثر تخصصية، وهو يدور حول نمط من السياحة الدينية للاطلاع على التآلف الديني الحاصل في المدينة بين جالية يهودية تعتبر الأكبر في منطقة القوقاز، تقطن في حي خاص في غوبا، يتسم بالفخامة، وبين مسلمين من طوائف متنوعة.
ومن المعروف أن أذرذبيجان تحتوي على عدد كبير من المجموعات الدينية يصل عددها الى 425 طائفة مسجلة حسب هداية اوروجوف رئيسة اللجنة الوطنية لشؤون المؤسسات الدينية، ما يجعل البلد مقصدا رئيسيا للراغبين بالتعرف على خصوصية هذه التجربة من التعايش السلمي بين انتماءات مختلفة.
وتذكر المعلومات المتوافرة في متحف المدينة أن المؤلف الفرنسي الكسندر دوماس والمستشرق الروسي بيرزين والرحالة العلمي النرويجي تور هايردال قد زاروا المدينة.
غوبا (أذربيجان) - الحواس الخمس


