إعلامي مثير للقضايا الساخنة، وإلى «الحقيقة» يبغي الوصول، فاتخذها اسمًا لبرنامجه على قناة دريم، متعمّدًا الخروج على المألوف منذ بداياته في العمل الصحافي بجريدة «روزاليوسف» إلى أن ترأس تحرير جريدة «صوت الأمة» الأسبوعية، وفي الفترة الأخيرة دفعه حسه الشعبوي لكتابة مقال حرَّض فيه المواطنين على عدم تقديم إقرارات الضريبة العقارية التي أقرتها الحكومة بقانون..
إنه الإعلامي «وائل الإبراشي» الذي أطلق حملة شعبية عنوانها: «لا تقدموا الإقرار ولا تدفعوا الضريبة»، فوقع تحت طائلة تحدي القانون إثر بلاغ قدمه ضده د. يوسف بطرس غالي، وزير المالية المصري، فتم تحويله إلى محكمة الجنايات بتهمة التحريض على عدم تنفيذ القانون.
وفي رده على هذا الاتهام قال «الإبراشي»: كان هدف الحملة «الصالح العام»، فالأمر لا يتعلق بمصالح شخصية؛ حيث أحسست بمعاناة البسطاء من الشعب وطالبتهم من خلال الجريدة ب«ألا يقدموا الإقرار ولا يدفعوا الضريبة».
وكان هذا في صورة مقالات تطالب بإسقاط هذه الضريبة التي أراها ظالمة، فالمطلب جماعي لأفراد الشعب؛ لأن هذه الضريبة عائق أمام البسطاء وهم الغالبية العظمى من الشعب، وليست كما يؤكد الوزير بأنها «تُؤخذ من الغني وتُعطى للفقير».
تحقيق سياسي
متى بدأت هذه الحملة؟
في فبراير الفائت، لكنني فوجئت بأنني مطلوب نيابيا، وبدأت التحقيقات معي في فبراير بسراي النيابة بشمال الجيزة، وكان التحقيق الذي يتم معي «سياسيًا»، فقد أحالتني المادة 177 إلى النيابة، وهي التي يُعاقَبُ بها فقط المتهمون في قضايا التنظيمات المسلحة وقلب نظام الحكم، فكيف يعاقب بها صحافي؟!.
هل تقصد أنك لن تُعاقَب بموجب قوانين النشر؟
نعم؛ لأن وزير المالية قام باستدعاء المادة 177 من القانون، والتي تنص على الخروج على الشرعية وقلب نظام الحكم أي «التحريض»، ولم تتم محاكمتي بموجب قوانين النشر، رغم أن الحملة التي قدتها جاءت في إطار النقاش المتاح ولم تتجاوز أي قانون، لكن الغريب أن هذه المادة لم تستخدم أبدًا ضد أي صحافي؛ لأنها مادة ذات حالة مختلفة.
وتستخدم دائمًا في حالات تمس النظام الحاكم، كما أنها لم تطبق في الصحافة والأمور المتعلقة بالنشر من قبل إذ إن الحبس فيها وجوبي، وليس أمام القاضي سوى الحكم بالحبس في حالة الإدانة، ومدة الحبس فيها تصل إلى 5 سنوات، لكني أؤكد عدم تراجعي عن رأيي، وحملتي تضامنًا مع المواطن المصري، واعتبر هذه التحقيقات وساما على صدري، ولن أبحث عن طريق للصلح مع وزير المالية.
وما التهمة التي تم توجيهها إليك بالتحديد؟
قام وزير المالية برفع دعوى ضدي ووجهت إليَّ النيابة تهمة غريبة برروها بأن حملتي تسببت في انخفاض معدلات تقديم الإقرارات الضريبية العقارية، الأمر الذي سيؤثر في الصالح العام، وهذا يُعتبر تحريضًا ضد النظام والقانون.
مناقشة متاحة
وكيف تُقيم موقف الدولة والنظام من قانون الضريبة العقارية؟
هذا القانون لم يحسم بعد، وهذا ما قاله الرئيس محمد حسني مبارك، وقال أيضًا إن هناك أبعادًا اجتماعية يجب مراعاتها، أما وزير المالية فقال: «من لديه منزل مرتفع الثمن يشتري منزلاً ثانيًا أقل سعرًا».
وهذا ما لا نرضاه، والجميع اعترض على هذا الكلام، كما أن هذه الضريبة ليست دستورية من الأساس، والأمر فيها غير محسوم حتى هذه اللحظة، وكان النقاش حولها نقاشًا مباحًا؛ لأنها ليست نصًا قُرآنيًا، فكل القوانين قابلة للنقاش، لكني أتعجب وأتساءل: لماذا أحالتني المناقشة الحرة إلى النيابة؟!.
ألا ترى أن عملك في الصحافة سبب لك العديد من المشاكل؟
هذا صحيح، لكنه واجبي، فلديَّ 63 قضية توقفني أمام العدالة، ولم يتم تسوية سوى 10 قضايا فقط؛ لذا سأواصل عملي دون أدنى تراجع عن الوقوف ضد الفساد الذي يمثل السبب الحقيقي أمام مثولي أمام النيابة كل فترة.
وما نوعية القضايا المرفوعة ضدك؟
قضايا متنوعة، فمنها نحو 25 قضية رفعها ضدي رجال شرطة أثناء تناولي ملف التعذيب في السجون وأقسام الشرطة، والعديد من القضايا الأخرى التي تواجه الفساد وجهًا لوجه.
هل تعتقد أن ظهورك الإعلامي من خلال برنامج «الحقيقة» ورطك أكثر مع قضايا الفساد؟
لم يوقفني البرنامج أمام القضاء، فقد كان توجهي فيه منذ البداية، بعد حركة جلب الصحافيين لتقديم البرامج التليفزيونية، أن أعرض القضايا غير المألوفة، وأعتقد أن مدرسة «الحقيقة» تتحيز دائمًا لصالح المواطن المصري؛ إلا أنني أؤكد دائمًا على جلد الذات حتى نفيق من سباتنا.
دائمًا ما تتهم بإشعال الفتن.. ما ردك؟
كل القضايا التي تناقش في برنامجي هدفها هو التحاور، وليس إحداث الفتنة، وهناك قضايا تفرض نفسها على الساحة الإعلامية، فقد تعلمت من أستاذي إحسان عبدالقدوس أنه لا يوجد ممنوع للصحافي، وأن كل القضايا قابلة للنقاش؛ لذا وجب علينا فتح كل الملفات الشائكة التي يعاني منها المجتمع، كما أنصح أي صحافي بأن يتسلق الأسوار دون أن يعرض نفسه للخطر حتى يأتي بالمستندات التي توثق قضيته التي تهدف إلى خدمة الوطن والصالح العام.
سوداوي
برامج كثيرة مثل «الحقيقة» تتهم بأنها «سوداوية» لا تطرح الإيجابيات، ألا يوجد ما هو إيجابي تتم مناقشته؟
أعترف أن كل ما أقدمه أسود؛ لأنني ببساطة أبحث في هذا الظلام عن ضوء، لكني مؤمن بأن هذا المجتمع يجب أن يشاهد ما يبكيه حتى يتخلى عن نومه العميق، إلا أن هذا انتقاد برنامجي لا يضايقني، بل أعلن دائمًا أنني سوداوي يبحث عن البياض وليس العكس، ولن أجعل النفاق وسيلتي، فهذا تضليل للجماهير.
لكني أرى أن الوسيلة المثلى لإصلاح أي فاسد هو المواجهة بقوة وفضح أمره دون تحايل، ولستُ مطالبًا بتقديم حلول للمشاكل، لكن مهمتي تتلخص في عرض المشاكل، وعلى المسؤول أن يتابعنا ويقوم بطرح الحلول، أما إذا أرادوا أن نقدم الحل فعليهم أن يتركوا مناصبهم ويعطونا الصلاحيات للتنفيذ..
وما العيب الذي تراه إذًا في برامج التوك شو التي تعتمد على إظهار سلبيات المجتمع؟
الأمر السيئ في هذه البرامج أن جميعها يقول شيئًا واحدًا بلا تنسيق فيما بينها، فالموضوعات واحدة والمعالجات تكاد تكون واحدة، حتى الضيوف أنفسهم في كل البرامج، وهذا أمر مزعج للمشاهد ويحرق البرامج جميعها ويجعلها مادة متشابهة ومملة.
تنهال عليك العروض من قنوات مختلفة لكنك ما زلت متمسكًا بقناة دريم.. لماذا؟
لأني أجد في هذه القناة ما لا أجده في غيرها رغم إمكاناتها البسيطة، الأمر الذي يجعلني أتحرك بحرية وأناقش وأطرح موضوعاتي بلا خوف من رقابة، وهذا العبء يتحمله صاحب القناة بشجاعة وحرية لا نظير لهما.
بما أنك تنتقد برامج التوك شو.. فأي مدرسة إعلامية مطروحة تلفت نظرك؟
لكل إعلامي منهجه الصحافي الذي لا يتخلى عنه، فمثلاً أرى أن د. فيصل القاسم وبرنامجه «الاتجاه المعاكس» واحدًا من أفضل البرامج المواجهة والحوارية، وتعجبني كثيرًا موضوعية عماد الدين أديب، وجاذبية د. هالة سرحان، وتلقائية محمود سعد، وكلهم يتنافسون لإخراج برامجهم بشكل يرضي الجمهور.
مكالمة الرئيس
في الأزمة التي تواجهها حاليًا.. لماذا لا تلجأ لرئيس الجمهورية وأنت على علاقة طيبة به ومعروف أنه معجب ببرنامجك؟
لا أحب أن أطالب الرئيس بشيء؛ لأنني لم أخطئ في شيء، ومعنى أن لي علاقة بالرئيس من قريب أو بعيد لا يعني أن أتخذ من ذلك حجة لطرق بابه كل فترة، رغم أنه بالفعل تابع برنامجي أكثر من مرة.
وذات مرة فوجئت بمكالمة تليفونية من شخص يدعى «أبو الوفا» يطلب مني إعطاءه رقم تليفون أرضي بجانبي؛ لأن الرئيس مبارك يريد محادثتي، وفي البداية شعرت أنها مجرد دعابة، لكن بالفعل دق جرس التليفون، فوجدت الرئيس مبارك يتحدث معي وكان يهنئني على حلقة استضفنا فيها «أُمًا مسيحيّة» تبحث عن طفلتيها، وأخبرني أن الدولة لا تمنع المناقشة، وكان الأمر مفرحًا بالنسبة لي.
القاهرة: دار الإعلام العربية
