صاحب عرض فيلم المخرج فينسينزو دي ناتالي الأخير «سبليس» أو «لصق»، الكثير من الجدل والإثارة والتشويق، بل الرعب نظرا إلى أن العمل الذي ينتمي إلى الخيال العلمي، يمثل نوعا من الإغراق والتوغل في عالم الاستنساخ البشري المعقد والمثير للجدل بإمكانياته الكثيرة والمتعددة.
وعلى الرغم من أن هذا العمل الذي بدأ عرضه في الولايات المتحدة في الرابع من يونيو الماضي يبدو وكأنه قصة وأحداث، لا تسعى إلا الى إثارة الجدل، إلا انه يميل أكثر إلى تلك النوعية من الأفلام التي تهدف إلى الترفيه وجذب انتباه المشاهد والإبقاء عليه يقظا ومتجاوبا مع أحداث الفيلم حتى المشهد الاخير، فيظل ملتصقا بمقعده منذ بداية العرض وحتى نهايته، حيث نراه مشدودا وفزعا، مندهشا ومصدوما، لا يستطيع حل لغز الفيلم، أو الوصول إلى فك شيفرته، فيظل يجول ويدور مع الأحداث حتى يصل الى نهاية غير متوقعة.يحمل سبليس بصمة وتوقيع فينسينزو دي ناتالي، وهو مخرج ثابت الخطى، يعد خبيرا ومعلما، أو إذا جاز التعبير «مايسترو»، أفلام الخيال العلمي. وبهذا العمل الأخير، وهو الثاني عشر له، نستطيع أن نقول إن هذه الأعمال في تصاعد مستمر في مدينة هوليوود، ذلك إلى جانب المشاريع المتعددة التي يتضمنها جدول الأعمال.
الفيلم مثير للاهتمام، وسيؤدي عرضه على الشاشة الفضية إلى إثارة الكثير من الجدل والحوارات، حيث إنه يتناول مستقبل استنساخ الجنس البشري، ويعكس الخطر الذي يمكن أن يحدق بالمجتمع نتيجة لهذا النوع من التجارب، وفي هذا الصدد يشير المخرج السينمائي ناتالي، 41 عاما، إلى أن عالم الوراثة، فرع من فروع العلوم، لكنه فرع ساحر وفتان، بل ومجنون.
وأشار نتالي إلى أنه لا يوجد شيء يستطيع الإنسان تخيله ويكون أكثر غرابة مما يوجد في الطبيعة ذاتها، بينما كل ما نفعله أو نقوم به ليس إلا غيضا من فيض، أو قطرة في بحر! ومن هنا نرى أن هذا العمل جعل المخرج الذي ينتمي في الأصل إلى ديترويت، يقترب إلى الحقيقة أكثر من أعماله السابقة.
يلعب دور البطولة في القصة الأساسية عالمان شابان يتسمان بالنشاط وطلاقة اللسان والرغبة في اختراق الحواجز العلمية. يقوم بدورهما أدريان برودي وسارة بولاي اللذان يجسدان شخصيتي كليف نيكولي وإلسا كاست.
حيث يقدمان للمجتمع كائنا حيا ثوريا، ويستطيع البروتين أو المادة الزلالية لهذا الكائن أن يساعد في القضاء على بعض الأمراض الخطيرة، لكنهما لا يكتفيان بما توصلا إليه، بل يريدان المزيد، فيقرران أن يتجاوزا هذه المرحلة وأن يسعيا إلى ما هو أبعد من ذلك، فيخترعان ما هو اشبه ب«كوكتيل انفجاري»، بمزج جين هذا الكائن الحي الغريب بالحمض النووي للبطلة، فتكون النتيجة روبوتا (انسانا آليا) يحمل بعض صفات طفلة بشرية، لكنها ذات ملامح خاصة.
تنشأ علاقة بين كاست والطفلة، التي تلعب دورها الممثلة ديلفين شانياك، لكنها علاقة أمومة أكثر منها علاقة علمية، فتقوم بتعميد الطفلة باسم درن، ما يؤدي في النهاية إلى صراع واسع النطاق، وبنسب كبيرة لكلتيهما! أما برودي الذي يلعب دور مسؤول وشريك، فيحاول أن يتفادى تفاقم العقدة أو الوصول إلى حل بنهاية الموقف، لكنه لا يستطيع أن يتوصل لذلك في نهاية المطاف.
يشار هنا إلى موهبة التمثيل المتجسدة في برودي، الحائز على جائزة الأوسكار عن فيلم ذا بيانيست (عازف البيانو) عام 2002، وبولاي، مخرجة فيلم أواي فروم هير (بعيدا عنها) عام 2006.
الطريف في الأمر أن ناتالي شارك في كتابة سيناريو الفيلم الذي استغرق تصويره في مدينة تورونتو عامين.
يعتمد سبليس على فريق إنتاج قوي يتكون من جييرمو ديل تورو وجويل سيلفر. هذا الفيلم هو الثالث والستون لسيلفر، الذي يعد مخترع ما يعرف بالتتمة أو العاقبة، بعد أن أبدع أساطير وملاحم مثلما رأينا في أفلام: ليثال ويبون (السلاح الفتاك) وداي هارد (الموت العسير) وماتريكس. وقد أكد سيلفر المسؤول عن الفيلم الأخير للمخرج الإسباني خاومي كوييت سيرا، والمعروف باسم اننوون وايت مان (رجل أبيض مجهول) أنه يثق بأن هذا الفيلم إلى جانب ما يثيره من نقاش فهو قادر على تسلية الجمهور والترفيه عنه، وجذب انتباهه، فهذه هي مهمة سيلفر الأساسية والرئيسية بعد ثلاثة عقود في مجال الإنتاج السينمائي.
وليس هناك أدنى شك في أنه نجح في تحقيق مهمته، وأن محبي الخيال العلمي والتشويق والإثارة سيكون لديهم الكثير عند الحديث عن سبليس، ذلك إضافة إلى فتح باب المناقشة حول ما يمكن أن يحدث وما لا يمكن حدوثه مع التلاعب الجيني للكائنات الحية داخل المعامل. يبقى واضحا أنه لا يوجد أي نوع من السيطرة أو التحكم في هذا الصدد؛ فالكارثة لا تزال مستمرة.
غير أن بعض نقاد السينما قاموا بوضع رقابة على طريقة بيع استوديوهات وارنر لهذا الفيلم، الذي واجه هتافات عالية في مهرجان صندانس السينمائي الدولي، وقد أكد الخبراء تصنيفه كفيلم رعب، مع أنه في حقيقة الأمر يتضمن جرعة مكثفة وقوية من الخيال العلمي ممزوجة بالكوميديا السوداء، وقد خيب توقعات الكثيرين من رواد دور العرض، الذين حضر معظمهم ليشاهدوا وحشا يدمر العالم، لكنهم فوجئوا بعمل عقلاني، إنه فيلم استفزازي ومثير للجدل.
من جانبه، أكد ناتالي أنه قام باستشارة خبراء في علم الوراثة حتى يتأكد ويأمن أن ما يطرحه فيلمه ليس قديما أو هشا، وعلى الرغم من أن الفيلم يقدم تأثيرات وانفعالات درامية مبالغا فيها، إلا أن القصة والأحداث لم تكن بعيدة عن الواقع حيث قال ناتالي: أدركت أن ما نتناوله في الفيلم لم يكن بعيدا عن الحقيقة ويمكنه أن يحدث في الواقع.
الحواس الخمس - «د ب أ»

