كنت في العاشرة من عمري حين اختارتني معلمة الفصل لأكون مقدمة حفل المدرسة وكان تشجيع أهلي لي كبيرا حتى أني حفظت أشعارا وكلمات جميلة للمناسبة وتدربت كثيرا على تقديم الفقرات وتوزيعها، لكني ما أن وقفت أمام الجمهور حتى نسيت كل شيء وبدأت يداي ترتجفان ولم أعرف ما أفعل، كان الناس يحدقون في وكنت على وشك البكاء، ولم أشعر الا ومعلمتي تتدارك الأمر وتقدم الفقرة الأولى من الحفل بينما أخذتني معها وحاولت تهدئتي لكنها يئست من فكرة أني أستطيع الوقوف مرة أخرى أمام الجمهور.

تعود عاتكة الغنام «موظفة» بذاكرتها إلى عشرين عاما مضت حين تتذكر أول تجاربها الواضحة مع الخجل والخوف الاجتماعي الذي جعلها في ما بعد تتجنب الاختلاط مع الاجتماع وتبحث عن كل ما يجعلها بعيدا عن التجمعات والصخب، أنهيت أيام دراستي مع صديقة واحدة فقط حتى أني حصلت على مهنة بعيدة عن التواصل مع الناس بسبب خجلي الشديد، وغالبا ما اتجنب حضور الاعراس والمناسبات الاجتماعية كي لا أصاب بحالة الخجل التي تجعلني مرتبكة وتوترني.

الخوف الاجتماعي أو الرهاب الاجتماعي حالة قد تصيبنا أحيانا، لكنها تلازم آخرين طوال الوقت حتى انهم يتعرضون لخسارة فرصهم في الحياة بسبب الارتباك الذي يصيبهم أثناء التواصل مع الآخرين، فيقول سالم محمد سالم لي صديق ما زلت أثق بأنه عبقري في مجال الكمبيوتر والتقنية لكن مشكلته أنه يهرب من مقابلات العمل إذ تعرض في احدى المقابلات إلى نوبة من الارتباك وضيق التنفس جعلته لا يستطيع الكلام.

وقد قابله مدير الشركة بالسخرية منه، فلم يعد يجرؤ على التقديم لأي فرصة عمل متاحة، بينما يستطيع تفكيك أي كمبيوتر قطعة قطعة ويعيد تركيبه وتصميم البرامج، لذا صار يعمل عن طريق الانترنت لكن بدخل بسيط وكان يستطيع أن يحصل على أضعاف المبلغ لو استطاع أن يتجاوز جانب الخجل والخوف الاجتماعي في شخصيته.

ويمكن للانسان أن يحقق نجاحات كبيرة إذا ما كان يمتلك الموهبة والخبرة والحضور الاجتماعي فالمذيع والاعلامي عبد الله الحمادي من الشخصيات التي حققت نجاحها على شاشة التلفزيون مؤكدا أن الثقة بالنفس والقدرة على التواصل الاجتماعي يمثلان جزءا مهما من هذا النجاح حيث قال هناك أمور تتطور مع الانسان منذ نعومة أظفاره وقد كنت في مراحل الدراسة الابتدائية أمتلك الحضور والجرأة على الوقوف أمام الجمهور.

وقد كان أول ظهور لي في تقديم احتفالات المدرسة وأنا في الثامنة من عمري ومن الطبيعي أن يكون هناك بعض الارتباك لكن ارتباك الطفولة يمكن السيطرة عليه ببعض التشجيع، وكان والدي مسؤول نشاطات اللغة العربية في المدرسة الامر الذي أعطاني دعما كبيرا، واستمرت مشاركاتي في الفعاليات المدرسية حتى كان علي اختيار التخصص الجامعي.

وجدت أن الاعلام هو الاقرب إلى نفسي، وكانت أول تجربة لي في الظهور على شاشة التلفزيون في الاستودي جعلتني أرتبك قليلا لكني تجاوزت الارتباك بالابتسامة ما جعل ظهوري ايجابيا والحمد لله.

ومن الشخصيات التي تمتلك جرأة وحضورا طيبا على الشاشة المذيعة الإماراتية فاطمة الظاهري التي تقول مهنة الاعلام تتطلب من الاعلامي أن يكون جريئا ويمتلك روح المبادرة، وهي أمور يمكن أن تنمو بالتدريب مع الرغبة فقد شاهدت إعلاميين دخلوا الى المجال وهم أشخاص خجولون ومع التدريب والخبرة أصبحوا يتمتعون بالجرأة المطلوبة.

وتجربتي في الظهور الاعلامي كانت نتيجة دراسة الاعلام التي وفرت لي القاعدة الصحيحة للظهور مع أن مشاركاتي المدرسية في الفعاليات لم تكن كثيرة لكني أحب الناس وارغب بالتواصل معهم واستطعت أن أصل إلى اقناع أهلي بأهمية عملي وظهوري على شاشة التلفزيون فكان التشجيع منهم بعد دخولي عالم الاعلام وليس قبله لأني استطت أن أوصل لهم الرسالة الاعلامية التي أطمح إليها، واعتقد أن الجرأة تنبني مع الثقة بالنفس والقناعة بأهمية ما نقدمه من عمل، وهي مثل البذرة تنمو إذا ما وفرنا لها الظروف الملائمة.

والرهاب الاجتماعي الذي يؤثر على اصحابه ويعرقل مسيرتهم ونجاحاتهم في الحياة يتأتى من وسائل التربية غير السليمة كما تشير إلى ذلك الباحثة النفسية إلهام الحاج حيث تقول الرهاب لا يظهر فجأة عند الاشخاص وانما هو نتيجة تراكمات الطفولة التي تحاصر الانسان وتتضخم عنده نتيجة عدم تدارك الأهل لها.

والأم يمكن أن تميز خجل طفلها وانزوائه الاجتماعي خاصة في مرحلة المراهقة، إذ يكون غير قادر على التحدث بوجود الآخرين ويعاني من ارتجاف في يديه أو صعبوة التنفس والتعرق، وتقع على الاهل مسؤولية تعزيز ثقة الطفل بنفسه منذ المراحل المبكرة.

وللأسف هذا أمر لا ينتبه إليه كثير من الناس الذين يقمعون أطفالهم ويمنعونهم من التحدث أمام الآخرين فبالنتيجة يشعر الطفل أن التحدث مع الآخرين أمر غير مقبول وينمو شعور الارتباك والخوف عنده حتى يتضخم في مراحل حياته التالية ويصبح مشكلة تعرقل عليه فرصه في الحياة، ومشكلة الرهاب أن الكثير من الناس مصابون به ولا يعترفون بالأمر ولا يلجأون إلى علاجه .

حيث يمكن أن يخسروا وظائفهم ودراستهم بسبب هذه الحالة المرضية، ودور الأهل في تربية الطفل يكون باعطاء التأكيدات الإيحائية الايجابية للطفل لتعزيز ثقته بنفسه فتكرار المديح لشخصيته يرسخ تلك الجوانب الايجابية ويجعله قادرا على مواجهة الحياة وعدم التردد في التعبير عن رأيه وتقديم نفسه بشكل مباشر، حيث يمكن أن يؤدي القمع للطفل وتعنيفه إلى تعزيز الرهاب الاجتماعي وتضخيم الخجل حتى يصبح مرضا يحتاج إلى علاج نفسي واكلينيكي.

دبي- دلال جويد