بات المعاق جزءاً لا يتجزأ من المجتمع وله اسهماته وانجازاته، وتسن الحكومات التشريعات التي تدعهم وتحاسب من يتعامل معهم بفوقية وازدراء ، لكن رغم هذا التحول مازالت صورة المعاق في الدراما مشوهة، والعديد لا يفهم اتكيت التعامل مع هذه الفئة وهو الأمر الذي يخدش كرامتهم ويشعرهم بالدونية والاضطهاد ( الحواس الخمس ) يطرح هذه القضية ويضع لها المقترحات والحلول .

جاءت تناولات الدراما التليفزيونية والسينما لصورة المعاقين من المرتبة الثانية مثلما يتم التعامل معهم في الحياة أيضًا باعتبار الفن عملاً موازيًا للحياة، فهم في الحقيقة مثل التمثيل، يظهرون إما في صورة «عبيط القرية» الذي يقول الحكمة أو الألغاز غير المفهومة مثل شخصية «ابن صبيحة»، الأهبل الذي يموت برصاصة طائشة في النهاية رغم أنه لا يُعادي أحدًا، ويُلقي بالكلمات غير المفهومة والتي أداها الفنان محمد توفيق في فيلم «حسن ونعيمة». أو في صورة الأعمى ذي الروح الفكاهية والذي يتغاضى أمام الناس عن عاهته رغم أنها تقتله داخليًا مثل شخصية «الشيخ حسني» التي قام بها الفنان محمود عبدالعزيز في فيلم «الكيت كات»، أو القزم الذي يظهر للسخرية منه.

والأمثلة على ذلك عديدة في كثير من مسرحيات الفنان سمير غانم، أو في شكل شخص صحيح الجسم يتخذ العاهة سبيلاً للكسب مثل شخصية «حسين» التي قام بها الفنان عادل إمام في فيلم «المتسول»، أو أيقونة لاستدرار عطف الجماهير بالتعاطف مع هذا النموذج وليس الإنسان مثل شخصية «كريمة» المعاقة ذهنيًا التي يستغل الأشخاص عاهتها فيعتدون على جسدها، والتي قدمتها الفنانة نبيلة عبيد في فيلم «تووت تووت».والسؤال المطروح.. كيف تعامل فن التمثيل في بلادنا مع هذا الإنسان الذي لا ذنب له فيما أصاب جسده أو عقله؟، فمعروف أنه لا يولد إنسانٌ مكتملاً، بل ينزل إلى الحياة ناقصًا لا محالة، ثم يكمل رحلته مع النقصان حتى يفارق الحياة، فمنَّا من يولد بضعف ما في النظر، فيرتدي نظارة طبية أو يستعمل عدسات ولا يعوقه نظره في التعامل مع البشر.

ولا يمنعهم أيضًا من احترامه وتقديره، ومنَّا من يولد بمرض «القدم المسطحة» أو «الفلات فوت» فيرتدي حذاءً طبيًا ولا تحرمه قدماه من المُضِيِّ قُدُمًا في الحياة، ومنَّا من يولد وفي دمه مزيد من نسبة السكر في الدم، فلا ينفر منه أحد ويظل على المرتبة الإنسانية ذاتها لكونه إنسانًا من الدرجة الأولى، لكن للأسف لم يتم التعامل مع المعاقين سواء ذهنيًا أم بدنيًا إلا كمواطنين من الدرجة الثانية، سواء في الفن أم الحياة، وهنا نرصد النماذج التي تصدَّى لها صانعو الدراما من هؤلاء المساوين لنا في كل شيء خاصة في النقص.

تقليد مُشوَّه

تجاهلت الدراما المعاق في معظم أعمالها واكتفت فقط بإلقاء الضوء عليه من بعيد دون التعرض لمشاكله وما يحتاجه من اهتمام من المجتمع، فقد تراوحت أفلام السينما المصرية في التعبير عن المعاق بين التقليد المشوَّه عن السينما العالمية.

أو تقديم صورة عاجزة عن المعاق أبرزها فيلم «الكيت كات» الذي قدم لنا شخصية «الشيخ حسني» الرجل الكفيف الذي يرفض الاستسلام لحقيقة أنه كفيف محاولاً التغلب على مشاكله بالهروب إلى المخدرات، ونجد التناول نفسه في فيلم «أمير الظلام» الذي يقدم شخصية «سعيد المصري» بطل حرب أكتوبر والذي فقد بصره بسبب شجاعته، وهو الآخر يهرب من حقيقة عجزه بشرب الخمر وعدم تصديق أنه كفيف.

ممثلة العاهات

أما الفنانة «سميرة أحمد»، فكانت الوحيدة التي مثَّلت 5 أفلام تعبر عن المعاقين، وهي أفلام «أغلى من عينيَّه» في العام 1955 والتي تجسد فيه دور العمياء التي تحب شخصًا مشوَّهًا، ثم «جسر الخالدين» في العام 1960 التي أدت فيه شخصية الفتاة الضريرة التي تقاوم صعوبات الحياة لتثبت أن بإمكانها أن تعيش مثل الآخرين.

و«رجل في حياتي»، ثم فيلم «قنديل أم هاشم»، الذي جسَّد الوضع الفعلي للمعاقين في المجتمع في هذه الفترة الزمنية، ثم فيلم «العمياء» العام 1964، والذي تظهر فيه في شخصية «نعيمة» العمياء، والتي تعيش مع اثنين من الشباب هما «خليل» و«أديب»، فالمعاق هنا لا يحرِّك العالم، بل العالم هو الذي يحركه، بالإضافة إلى فيلمها «الخرساء»، حتى أن كثيرًا من النقاد أطلقوا عليها لقب «ممثلة العاهات»؛ نظرًا لاهتمامها الشديد بهذا القطاع العريض من الجماهير.

استثناء «سارة»

على مستوى الدراما التليفزيونية لم يختلف الأمر كثيرًا، فقد ظل المعاق على هامش الأعمال الفنية، مثل شخصية «العبيط» التي قام بها الفنان أشرف عبدالباقي في مسلسل «وما زال النيل يجري»، كذلك شخصية «وليد» المعاق ذهنيًا في مسلسل «الرجل الآخر» بطولة الفنان نور الشريف، إلا أن مسلسل «سارة» الذي قامت ببطولته الفنانة حنان ترك، يُعد الاستثناء الأهم في تعامل الدراما بشكل إيجابي مع المعاق من خلال قصة فتاة وُلدت بإعاقة ذهنية.

حيث توقف نموها العقلي عند مرحلة الطفولة ثم تدخل في غيبوبة لعدة أعوام، إلا أن الأقدار تضعها أمام طبيب شاب يقرر خوض مغامرة إنقاذها من غيبوبتها وتعليمها، وينجح في أن يجعلها تسترد حياتها وثروتها من أسرتها التي تجاهلتها ومنعتها من حقوقها، وكأن المسلسل يشير إلى الأسرة الأكبر وهي المجتمع الذي يمارس أدوارًا سلبية اتجاه المعاق، وقد استطاع المسلسل الدخول إلى عالم النفس وتحليل المشكلة ومحاولة حلها، الأمر الذي جعله المسلسل الوحيد تقريبًا الذي حفظ للدراما ماء الوجه أمام المعاقين..

وحش الدراما

ونظرًا لتأثير الصورة في عصرنا، فقد أدى هذا الاكتساح لها إلى نمط من الاستسهال، وبالتالي التأثير السلبي في المشاهد بتقديم المعاق في صورة هامشية أو باعتباره كائنًا مختلفًا عن الإنسان، فقد ضخَّمت الدراما الرؤية السلبية من خلال تقديم صورة موحشة للأحداث الحياتية، الأمر الذي يجعل المجتمع في حالة تصديق تام لما يقوله وحش الدراما كأنه حقيقة؛ لذا برزت أهمية تقديم المعاق ومشاكله من خلال أعمال درامية تُحدث نوعًا من التغيير في وجهة نظر المجتمع تجاهه.

وبلمحة سريعة إلى مسلسل «باب الحارة» نلتقي بشخصية «صطيف» الأعمى، أو الذي ادَّعى العمى ليكون جاسوسًا ويرتكب عمليات القتل لشخصيات مهمة، وفي نهاية الأحداث يتم اكتشاف حقيقته، إلا أنه يظل يُطلق عليه «الأعمى».

وهذا التأكيد من قِبل الدراما يؤكد ما ذهبت إليه الدراسات السابقة - ومنها دراسة معهد الدراسات المعلوماتية عن صورة المعاقين في الإعلام، والتي أظهرت أن المعاق يظهر في شكل لص أو مجرم خطر على المجتمع، وهذا يؤدي بدوره إلى إدخال صورة إلى ذهن المشاهد تُغيِّر من سلوكه اتجاه المعاق بشكل عام؛ لذا كان من الضروري على أهل الدراما أن يُكفِّروا عن أخطائهم في حق المعاق، ويقومون بطرح أفكار إيجابية عن المعاق؛ ليستعيد بعضًا من حقوقه الاجتماعية من خلال الفن.

ظلم فادح

وعن هذه القضية يعلق الناقد سمير فريد بقوله: «إن التليفزيون قدَّم أنواعًا مختلفة من المعالجات الدرامية للمعاق تراوحت بين التشويه الذي يبدو في الملابس والديكورات، وصورة المعاق المكافح من أجل أن يعيش دون النظر إلى إعاقته، إلا أن الفضائيات تناولت القضية بكثير من التهميش، فظهر في صورة المجرم الجاسوس حينًا وفي صورة اللص، المتسوِّل، أو المجذوب أحيانًا، وفي هذا التجنِّي الواضح من قبل الدراما ظلم فادح لشريحة من المجتمع لم ترتكب جرمًا بل جاءت إلى الدنيا بهذه النقيصة الجسدية أو العقلية دون تدخل منها.

وبدلاً من احتوائهم يواجهون حربًا درامية غير مبررة، ويفسر كثير من صناع الدراما التليفزيونية الأمر باعتبار أن هذا الشخص تيمة فنية ثرية بعكس الشخص الخالي من العاهات، الأمر الذي يمكِّن القصة من استعماله كرمز أو كقيمة فنية مكمِّلة للعمل الفني، إلا أن هذه الوجهة لا تنفي التهمة الإنسانية التي ترتكبها الدراما في حق أصيل من حقوق الإنسان، وهو أن يُعامَل معاملة تليق بآدميته»..

حالة وليس إهانة

أما الأديب إبراهيم أصلان، صاحب رواية «مالك الحزين»، التي أُخذت عنها قصة فيلم «الكيت كات»، فيقول: «إن أي شخصية في الحياة معرَّضة للاستغلال من قِبل الأدب أو الفن عمومًا، والأمر هنا يبتعد عن المدح والذم لهذه الشخصية، وإنما هي وسيلة للوصول إلى غاية من خلال استعراض حياته أو استخدامه كأحد الشخصيات المكمِّلة للحالة الدرامية؛ لأنه جزء من هذا العالم الذي نعيشه، فإذا استعرضت الدراما أو السينما حياة شخصيات نسائية منحرفة، فهذا لا يعني أن العمل الفني أصبح تحقيرًا من شأن المرأة، لكنها تيمة فنية لرصد واقع تعيشه نماذج معينة.

هكذا الحال بالنسبة لشخص أُصيب بعاهة في جسده أو عقله، والمثال الأرقى على ذلك دور «قناوي» الذي قام بأدائه المخرج يوسف شاهين في فيلم «باب الحديد»، والذي تم تصنيفه في المركز الرابع بين أفضل 100 فيلم عربي، فهذا الشخص معقَّد نفسيًا ويعمل في محطة السكة الحديد كبائع للصحف، إلا أن الجميع يعامله باعتباره مريضًا أو مجذوبًا، فيظل من المهمَّشين في الحياة رغم أن أحداث الفيلم تضعه محور القضية التي تنتهي بمشهد تراجيدي بمحاولة إيداعه مستشفى الأمراض العقلية، فهذا الفيلم لا يُمثل إهانة لمن يعمل مثلاً في مهنة بيع الصحف، لكنه يلتقط حالة إنسانية ليس أكثر من ذلك»..

يضيف أصلان: «لا شك أن كثيرًا من الأعمال الدرامية أو السينمائية فشلت في التعامل مع شخصية المعاق، وهذا ما يجب تصحيحه خلال أعمال مقبلة ترد لهذه الشخصيات حقها في التعامل الفني بشكل إيجابي، لكنني أعتقد أنها مسؤولية النقد الفني قبل أن تكون مسؤولية الفنانين أنفسهم، فالناقد هو المتابع والمحلل والناصح بما يجب أن يتم في العمل المقبل»..

القاهرة - دار الإعلام العربية