«راقصات البيبي دول»؛ واحد من الألقاب التي باتت تتردد خلال الفترة الفائتة على ساحة الرقص في مصر، لاسيما بعد قيام هؤلاء الراقصات بإطلاق لقب «راقصات شرقيات» على أنفسهن.

والقيام بالترويج له باعتباره مباراة جسدية؛ الأمر الذي أثار غضب راقصات اعتبرن الرقص الشرقي فنا له تاريخ طويل، لكنه معرض للتشويه الآن من قبل هؤلاء الخالعات للملابس، وكانت على رأس الغاضبات الفنانة فيفي عبده التي تفرغت في الأعوام الأخيرة مثل غيرها من الراقصات إلى التمثيل؛ لأنه أكثر شهرة وأموالا. تفاصيل أكثر يستعرضها «الحواس الخمس» عبر السطور التالية.الرقص الشرقي صار مهنة عالمية لا يخصُّ الشرقيات فقط، بعد أن اقتحمت الروسيات والصينيات واللبنانيات وكثير من الدول الأوروبية عالمه، ليس من أجل الفن، وإنما من أجل الربح، فالرقص الشرقي، الذي يُعرف أنه لغة التعبير بواسطة الجسد، في طريقه إلى الزوال، بعد اعتزال بعض الراقصات المحترفات، واحتراف بعضهن للتمثيل، ما أخلى الساحة أمام الدخيلات، صاحبات الأجساد الخرساء، التي لا تتكلم إلا إذا تعرَّت.

وعن موقع الرقص الشرقي المصري تحديدا بعد اختراقه عربيا من راقصات «البيبي دول»، تؤكد الفنانة لوسي، التي لا تزال تمارس الرقص إلا أنها ابتعدت عن المنافسة؛ بسبب انشغالها بالغناء والتمثيل، أن أسماء الراقصات المصريات لم تعد تظهر على الساحة أو في المسابقات.

وأكبر دليل على ذلك عندما قامت لبنان أخيرا بعقد مسابقة في الرقص الشرقي لم تفز أي مصرية بالمراكز الأولى، وتقدمت اللبنانيات والسوريات والروسيات، ما يؤكد أن المنافسة لم تعد مقصورة على العربيات، بل إن بنات شرق أوروبا ينافسن منذ أكثر من 20 عاما على الرغم من الأداء الميكانيكي، وعدم العفوية والتلقائية التي تتحلى بها الراقصة الشرقية.

تراجع المصريات

وتضيف لوسي أن فرصة الصينيات بعد دخولهن ساحة الرقص الشرقي كبيرة؛ لأنهن أكثر رشاقة ومرونة بدليل تفوقهن في ألعاب الجمباز، الأكروبات، والرقص الإيقاعي؛ لذلك أقبلن بكثافة على تعلم الرقص الشرقي سواء في معاهد تعليم الرقص بالقاهرة، أميركا، أم أوروبا.

وساعد الأجنبيات في احتلال الرقص الشرقي خلو الساحة من المحترفات، وتراجع إقبال المصريات عليه، على الرغم من أن فترة الثمانينات والتسعينات شهدت إقبالاً شديدا على الرقص، خصوصا من خريجات الجامعات المصرية؛ نظرا إلى عشقهن لهذا الفن، وقلة فرص العمل، وانتشار البطالة، لكن بدأت أعدادهن تقل بصورة كبيرة في بداية الألفية الثالثة، فارتفعت أسعار الموجودات على الساحة، وأصبح أجر الراقصة الدرجة الثالثة 5 آلاف جنيه في الساعة الواحدة، في حين أصبح يصل إلى 30 ألف جنيه للمحترفات.

فتيات ليل

أما الفنانة فيفي عبده فتعتبر أن راقصات «البيبي دول» لا علاقة لهن بالفن، فمن الأفضل أن يطلق عليهن «فتيات ليل»؛ لأن لكل مهنة احترامها؛ حيث وضعت الرقابة على المصنفات الفنية اشتراطات لارتداء بدل الرقص يتعرض مَن يخالفها لغرامة كبيرة، وقد تصل عقوبتها إلى الحبس، فما يحدث، حاليا، من خلاعة يُشوِّه صورة الراقصات بصفة عامة؛ لأن الرقص الشرقي فن حقيقي ذو قيمة، وليس عريا مجانيا..

مؤكدة أن الرقص الشرقي سيظل مصريا، لكن المطلوب ألا تجلس الراقصات المصريات في بيوتهن؛ لئلا يتسع المجال للأجنبيات، ويتحول الرقص الخاص بنا إلى رقص غربي، فقد زادت أجور الغربيات، ويجدن إقبالاً متزايدا يوما بعد يوم؛ لأن الساحة خالية، ولا بد أن يتم الاقتداء بما فعله د. أشرف زكي، نقيب الممثلين، بمنع الممثلين العرب من احتلال ساحة السينما والدراما؛ لذلك يجب تحجيم الراقصات الغربيات قدر الإمكان.

رياضة الرقص

وقد أرجعت فيفي انتشار الرقص الشرقي في أوروبا وأميركا إلى ثقافة الرياضة لدى هذه الشعوب، فقد اعتبرته الغربيات نوعا من الرياضة وليس فنا؛ لأنهم اتخذوه رياضة جسدية ونفسية يتم ممارستها لهذا الغرض، وليس للاحتراف؛ ولكن لاكتساب لياقة عالية للجسد والثقة بالنفس.

وانتشار الرقص الشرقي، والكلام لفيفي، لم يقتصر على الغرب فقط، ولكن امتد للمجتمعات الإسلامية الناطقة بغير العربية مثل تركيا، التي أقبلت فتياتها على تعلم الرقص الشرقي إما كرياضة أو كمهنة، وتنظم العديد من الدورات التدريبية للرقص الشرقي، وعدد من المسابقات التي تقام في النوادي الخاصة، أو المراكز الثقافية.

بدورها أشارت الفنانة نجوى فؤاد إلى أن شرف الرقص الشرقي يُهدر على أجساد الدخيلات على هذه المهنة؛ لكون الرقص فنا وليس تجارة رخيصة تبغي الكسب السريع؛ حيث ساعد ذلك الإسفاف في العروض إلى زيادة النظرة المتدنية من مجتمعاتنا تجاه الرقص الشرقي.

لكن نجوى تعارض رأي فيفي عبده في تقليل أعداد الراقصات اللاتي يمارسن العمل في القاهرة، مشيرة إلى أن مصر فتحت ذراعيها لراقصات عربيات منذ خمسينيات القرن الفائت، ومنهن الراقصة اللبنانية نادية جمال التي اشتهرت بفنها الرفيع، بل اقتحمت السينما المصرية إلى جانب الراقصات المصريات، وارتقت برقصها إلى مستوى عالٍ.

ولم تكتف بالشهرة، بل افتتحت مدرسة للرقص الشرقي في الثمانينيات في القاهرة، لكنها لاقت هجوما شديدا وقتها، فانتقلت مرة أخرى إلى لبنان، وافتتحت معهدا للرقص الشرقي في المدرسة اللبنانية للباليه التي تشرف عليها الفنانة جورجيت جبارة، وتخرج على يديها مجموعة من الراقصات اللاتي برزن في الفترة الفائتة، واحتلت أسماؤهن صفحات الجرائد والمجلات، وأصبحن يشاركن في العديد من المسابقات التي تُقام في لبنان وخارجها، ويحصدن العديد من الجوائز.

وأشارت نجوى أيضا إلى وجود عدة أسماء لبنانية لمعت في هذا المجال في فترة معينة، لكنهن اختفين وابتعدن عن الرقص الشرقي، كما فعلت فيفي عبده ولوسي، مثل أماني عبود التي فضَّلت إنشاء مدرسة خاصة بالرقص لتدريب الهواة، كذلك اختارت «ناريمان عبود »الزواج والاعتزال.

دراما الراقصات

وترجع الراقصة المصرية دينا الصورة السيئة التي ارتسمت أخيرا عن الراقصات في أذهان المجتمع المصري، والمجتمعات العربية إلى تناول الدراما لهذه الشخصية بأشكال سيئة، فأحيانا تظهر في صورة سيدة متعددة العلاقات، وأحيانا تكون فتاة ليل تؤجر جسدها لمن يدفع أكثر، ما أدى إلى انخفاض الإقبال على مهنة الرقص الشرقي حتى أصبح في طريقه إلى الزوال، وفتح الباب على آخره للغربيات اللاتي اخترقن المهنة من أجل المال.

أضافت أن المجتمعات الغربية أقبلت على هذا الفن بعد أن بدأ الإيقاع العربي يدخل في الموسيقى الغربية، واعتبروه فنا جميلاً يختلف تماما عن الرقصات الأخرى مثل التانجو والسامبا؛ حيث أسهمت شاكيرا في نشر هذا النوع من الرقص من خلال رقصاتها، فاتجهت إليه الأنظار، وأنشئت مدارس خاصة لتعليمه.

وأشارت دينا إلى عشق المجتمعات العربية للرقص الشرقي، والدليل على ذلك لجوء كثير من الممثلات إلى الرقص في أفلامهن مثل سمية الخشاب التي رقصت في فيلم «حين ميسرة»، وكانت رقصتها سر نجاحها، على الرغم من أنها لم تفلح في الغناء، كما يقوم سعد الصغير باللجوء إلى الرقص الشرقي في أفلامه وكليباته مع كونه رجلاً، لكنه يعرف جيدا إلى أي مدى يتقبَّل المجتمع المصري والعربي الرقص، وقد تمنت دينا أن يخرج جيل آخر من الراقصات المحترفات المصريات بعد أن تخلى الجيل الحالي عنه، واتجهن إلى التمثيل.

رقص شرقي صيني

ومع استمرار الغزو الصيني لمجالات مختلفة، من بينها الرقص الشرقي، تقول الراقصة نواعم: «إن الراقصات المصريات استسلمن للروسيات واللبنانيات اللاتي تنازعن عرش الرقص الشرقي منذ أعوام، وبدأت بعضهن تحقيق شهرة كبيرة في الفنادق الكبرى والملاهي الليلية»، أضافت: لقد بدأت الصينيات يدخلن حلبة المنافسة باعتبارهن الأقل تكلفة، والأخف حركة.

وأمام هذا النقد الموجه للصينيات اللاتي اخترقن مجال الرقص الشرقي، استطلعنا رأي بعض الراقصات الصينيات اللاتي حضرن إلى القاهرة لتعلم هذا الفن؛ حيث أكدت «هباشا كيومي»، الطالبة بأحد معاهد الرقص في المهندسين، أنها تعشق مشاهدة الرقص الشرقي منذ الصغر، وتحب الراقصات المصريات، ولا تقنع بغيرهن في الرقص، وعندما عرضت الفكرة على زميلاتها بالجامعة طلبن منها الذهاب لتعلم أصول هذا الفن في القاهرة.

أضافت: «بدأنا التدريبات، وكنا نشعر بسعادة بالغة عند ارتدائنا ملابس الرقص التي تميزت بجمالها الساحر، لكن إلى هذه اللحظة لم أحدد مع زميلاتي إذا كنا سنمتهن الرقص الشرقي أم لا».

بينما ترى «سوشان» أنها تتمسك بهذه المهنة بعد أن وجدت متعة منذ أن وطأت أقدامها إحدى فنادق الدرجة الثالثة.. مؤكدة أنها لن تتنازل عن الرقص الشرقي مهما طال الزمن؛ لأنها كانت مغرمة به منذ فترة طويلة، وعملت في تصميم بِدل الرقص، ورأت أنها قريبة جدا من تعلم هذه المهنة وإتقانها مثل أي مصرية أو عربية.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية