«متى حظي الإنسان بأصدقاء كثيرين فقد ساقت له الأقدار خيراً كثيراً، ففي الصداقة ابتهاج القلب عند لقاء الصديق، وفيها لذة روحية ولو في حال غيبة الصديق، وفيها عون على تخفيف مصائب الحياة»، هذا ما كتبه أبو حيان التوحيدي في كتابه المعروف الصداقة والصديق، بينما يرى شباب اليوم الأمر مختلفا، حيث تقول ندى عبد الواحد، طالبة جامعية: لم تعد الصداقة بالنسبة لي متعة وتواصلا ومحبة، كما يجب أن تكون، فقد أصبحت عبئا ثقيلا يوترني ويضغط على أعصابي، إذ إن لي صديقتين لا يمكن أن تجتمعا في مكان واحد إلا ويسود التوتر وعدم الارتياح، وأكون أنا بينهما في حيرة من أمري، إذ أجد أن كلا منهما تريدني إلى جانبها وكأننا في معركة، وغالبا ما تصل الحالة إلى غضب إحداهما، حيث أقضي بقية اليوم في محاولة مصالحتها، وهو أمر يجعل من الصداقة أمرا غير ممتع أو مريح.
وما تشير إليه ندى في حديثها لا يخص علاقات الصداقة، وإنما تتجاوزها إلى العلاقة بأصدقاء الأصدقاء، التي غالبا لا تأتي رائقة كما نتمناها، حيث تقول ريما جباعي، موظفة، أصدقاء أصدقائي ليسوا بالضرورة أصدقائي، إذ إن هناك صداقات تبنى على التقاء مزية واحدة بين الصديقين، لذا يمكن أن نجد شخصا واحدا يكون صديقا لشخصين مختلفين حد التنافر، وطبعا تعتمد معظم العلاقات على اللقاء الأول الذي يبني الانطباعات بين الناس ويولد التقارب أو التنافر، فأحيانا يكون هناك أصدقاء لمعارفي ألتقيهم في مناسبة ما ويصبحون أصدقاء مقربين بينما تبقى علاقتي بهؤلاء المعارف في مستوى محدد لا ترتفع عنه، ولكن المضحك في بعض الناس أنهم يتضايقون حين تتطور العلاقة مع أصدقائهم ويتعاملون مع الأمر، وكأنه خيانة؛ فكم نسمع عبارات مثل «عرفته على صديقي وصاروا يخرجون معا من دون أن يخبروني، وكأن الصداقة علاقة ملكية لا تقبل المنازعة».
يرى أحمد كامل أن العلاقة بأصدقاء الأصدقاء يمكن أن تكون طبيعية جدا، وحتى تصل إلى مستوى الصداقة، لكن هناك أشخاصا يفرضون نوعا من التعامل مع أصدقائهم فيه من التعسف الكثير، إذ يحاول بعض الأشخاص فرض حضوره في وسط غير مرغوب به، أو يشترط على صديقه أن يخصص وقتا له يفوق وقته مع أصدقائه الآخرين، وهذا أمر يؤدي إلى التوتر بين الأصدقاء وأحيانا الابتعاد عنهم، وأعتقد أن الصداقة الحقيقية هي التي تتعالى على مثل تلك الأمور، إذ إن الانسان الواعي يستطيع أن يدرك بسهولة أن صديقه لا يعيش في عالم منفصل بل يمكن أن تكون له علاقات صداقة موازية بالمستوى نفسه الذي يربطه به.
من الناحية النفسية يرى الدكتور ريموند حمدان، اختصاصي الطب النفسي أن الشخص الذي يمتلك أصدقاء عديدين ويصادف أن يجتمعوا في مكان واحد يحاول كل منهم الحصول على انتباه الصديق المشترك كاملا، لذا يكون الاثنان في حالة منافسة، بينما يقع صديقهما المشترك تحت وطأة الضغط النفسي بينهما، وعادة هذه الامور لا تحصل كثيرا بين الأشخاص الناضجين، وهي تكون أكثر وضوحا في صداقات المراهقين، وعلى الصديق المشترك حين يجتمع مع صديقين ألا يضع نفسه بينهما وإنما يتخذ نقطة محايدة فيكون الثلاثة مثل رؤوس المثلث، إذا استطعنا أن نتخيل الأمر هكذا لأنه إذا بقي بينهما، ويحاول إرضاء الطرفين سيشجع شعور التنافس بينهما، لذا كلما كان محايدا وطبيعيا تكون الأمور أسهل، لأننا أحيانا نجد أن الصديق المشترك نفسه يحب هذا الدور، ويحب أن يشعر باهتمام أصدقائه وتنافسهم لكسب وده، بسبب شعوره بالنقص العاطفي أو عدم الثقة بالنفس، وهو أمر يسعى إليه ويكون مستمتعا حتى بالأجواء المتوترة بين أصدقائه، إذ تشكل هذه الحالة نوعا من التطمين وارضاء الغرور، لكنني أكرر أن الأشخاص المتوازنين عاطفيا لا تؤدي علاقاتهم إلى هذا النوع من التوتر، إذ يكون هناك وعي كاف بالعلاقات وتشعباتها.
دبي- دلال جويد
