أن تصنع فيلماً سينمائياً يتعرض لواقع الحياة المعاصرة من خلال دراما بوليسية تجذب الجمهور، أمر غاية في الصعوبة، حتى وإن اعتمد بشكل أساسي على عنصر الكتابة، ومنها إلى حرفية المخرج والممثلين، لكن السيناريو في المقام الأول هو الضلع الأساسي في الولوج في أي عمل سينمائي.. فيلم «الكبار» الذي بدأ عرضه قبل أيام في دور العرض المصرية للكاتب بشير الديك هو التجربة الأولى التي يقدم بها المخرج الشاب محمد العدل نفسه إلى الساحة السينمائية، وعندما نذكر مصطلح التجربة الأولى فهذا يعني وبشكل بديهي أننا على موعد مع الكثير من الإرهاصات التي دائما ترافق هذا العمل، الذي غالبا ما يخلو من الخبرة والممارسة، أما من هم أصحاب خبرات وتاريخ فليست لهم أي أعذار عندما نقف أمام جديدهم.

نستخلص من أحداث فيلم «الكبار» الذي تم تغيير عنوانه أكثر من مرة، تفاصيل غير مكتملة درامياً في تناوله فكرة تفشي الفساد وسيطرة قوة رجال الأعمال لدرجة باتت أكثر سطوة من قوة العدالة، فكل شيء أصبح بالمال يشترى، لكن في المقابل لا تزال هناك قوة أخرى مضادة وهي قوة الحق والضمير التي أصر المؤلف على محوها وهزيمتها من خلال شخصية علي، محمود عبدالمغني، ضابط الشرطة صاحب الضمير الذي يقاوم بكل طاقاته الفساد ورموزه، لكنه ينهزم في النهاية لضعف طاقاته أمام استفحال قوة المال والسلطة، أما كمال، عمرو سعد، صديق الضابط وزميله فهو شخصية مترددة، دائماً ما يسعى للهروب من كابوسه اليومي الذي يطارده لشبح شاب أُعدم ظلما عند اتهامه بجريمة قتل تولى كمال التحقيق فيها، فيصاب بعقدة الإحساس بالذنب، فيترك العمل بالنيابة إلى المحاماة، لكنه يفشل أيضا في إعادة الحق إلى أصحابه ويصطدم بمجتمع الفساد.

المنحنى

وتشبه شخصية كمال المنحنى في تحولاته الانفعالية السريعة التي لا يمكن للمشاهد اللحاق بها أو تبريرها، فالدوافع التي تهبط أو تصعد به لا يتعدى تأثيرها التعاطف النفسي والتي لا تدفع إلى قلب ميزان الشخصية، فكيف لوكيل نيابة من المفترض أن يكون على درجة عالية من الوعي العام بأوضاع بلده أن يصطدم بموقف يتغلب فيه الظلم على الحق وكأنه أول اكتشاف له بأن للفساد أذرعا تحيط بكل الأنظمة، ومنها يبدأ كمال الدخول في حالة من الضياع والهروب التي يختزلها في مواصلة السُكْر حتى يتحول إلى لعبة في يد أحد كبار رجال الأعمال الذي يستغل علاقته بأحد القضاة ليحاول رشوته للحصول على حكم البراءة لأحد معاونيه، ويقاوم القاضي في البداية لكن احتياجه للمال لمعالجة ابنته يجعله يقبل الرشوة.

ثم يواصل كمال العمل مع (خالد الصاوي) صاحب الإمبراطورية الاقتصادية التي لا يعطينا الكاتب أي ملامح عنها سوى أنها تمثل إحدى مؤسسات الفساد الكبرى في مصر، ثم يقفز بنا مرة أخرى لنجد كمال راجعا إلى ضميره ويحاول مساعدة صديقه في معرفة خلفيات شخصية (خالد الصاوي)، وقد أعطانا المؤلف بعدا دراميا لتحول شخصية كمال من كونه إحدى أذرع رموز الفساد إلى شاب هادئ يدفعه إحساسه بالذنب لمساعدة (هبة) أخت الشاب الذي تسبب في إعدامه ظلماً، فيمنعها من العمل كساقطة ويعرض عليها الزواج لكنها ترفضه، ويظل ضائعا وسط الأمواج يحاول استرجاع نفسه من دوامة الفساد على الرغم من أننا لم نشهده يتورط في أي عمل غير مشروع سوى رشوة القاضي، وعدا ذلك فهو مجرد ظل يحيط برجل الأعمال الفاسد الذي لا يعتمد إلا على نفسه في إنجاز عمله، إذا فما أهمية كمال بالنسبة له سوى أنه بطل الفيلم الذي لابد أن يهزم الشر في النهاية، حتى وإن كان أغبى من قوى الشر نفسها، فبعد أن يكتشف رجل الأعمال الملقب ب«الحاج» خيانة كمال يلقي فيه خطبة طويلة تصيب المشاهد بالملل، عبَّر فيها عن مدى بلاهة كمال وغبائه، ومن ثم صفح عنه وتركه يرحل بسلام مكتفيا بدس إحساس الدونية والفشل والهزيمة فيه!

استدراج

بالمقابل يتخذ كمال موقفا إيجابيا للمرة الأولى منذ بداية الأحداث ويقوم مثل كل أبطال الأفلام بقتل رأس الشر أمام الناس ليريح ضميره، واستكمالاً لاستدراج المشاهدين نحو سذاجة أحداث لا توصف داخل قاعة المحكمة وعلى مسمع الجميع ينتحر القاضي (سامي العدل) الذي نجح كمال في رشوته، رداً على بيع شرفه وكأنه يعلن على الملأ أنه خائن لضميره، بهذا المشهد يصل بنا الكاتب إلى أعلى مستويات اللعب والاستهتار بعقل المتلقي بحدث غير مبرر، ولا نلمس له أي أثر على أحداث الفيلم القادمة.

أما رجل الأعمال الفاسد الذي جسده خالد الصاوي فقد حاول جاهداً أن يرسم ملامح جديدة ومختلفة لشخصية زعيم العصابة العصري بشكل أكثر نعومة من المعتاد، لكنه لم ينجح في ابتكار هذا الشكل الساخر، وغلب على أدائه انفعال زائد أعلى من مستوى انفعال الشخصية والحوار، أما عمرو سعد فمازال يسجن أداءه في معايشة ظاهرية لصورة الفنان الراحل أحمد زكي من خلال تركيزه على التقليد في الأداء والملابس ونظرات العيون التي تميز بها الفنان الراحل لاسيما في فيلم «ضد الحكومة».

واستكمل المخرج تأكيد هذا التقمص الذي أصاب عمرو سعد بنقله لنفس زوايا التصوير ومستوى اللقطات لفيلم ضد الحكومة الذي جمع الراحلين عاطف الطيب وأحمد زكي، خصوصا المشهد الذي يدور داخل قاعة المحكمة، والذي جاء مطابقا لنفس المشهد الذي قدمه ضد الحكومة، ولم يكن عمرو سعد منفرداً باستعراض أدائه الذي تتلبسه روح أحمد زكي، بل مارس المخرج محمد العدل نفس التقمص لكن من خلال روح الراحل عاطف الطيب، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي دخل فيها عمرو نفس دائرة تقليد أحمد زكي، فقد عمد سابقاً في فيلم دكان شحاتة إلى ارتداء عباءته في فيلم الهروب، وبدا واضحا في الملابس والأداء انفصال عمرو عن استغلال موهبته وقدراته التمثيلية، فلم يفلح في فرض شخصيته على الفيلم بعيدا عن هذا التأثر، لكن في دكان شحاتة كان هناك خالد يوسف على الرغم من اختلافنا حول مضمون بعض أفلامه، لكنه يظل المخرج مكتشف النجوم وصاحب الخبرات الطويلة في العمل السينمائي، ما مكنه من جعل عمرو سعد بطل أحد أفلامه ونجم الشباك.

مثلما ذكرنا أن التجربة الأولى دائما تحمل من الأخطاء أكثر مما تحمله من الصواب، ولأن الفيلم بشكله النهائي يحاسب عليه المخرج وحده، فلا يسعنا إلا دعوة محمد العدل مخرج الفيلم إلى تجويد أعماله القادمة والتدقيق في اختيار العناصر الفنية المناسبة للفيلم بتركيز أكبر دون مجاملات تقلل من فرص نجاح العمل.

القاهرة - دار الإعلام العربية

الفيلم: الكبار

تأليف: بشير الديك

إخراج: محمد العدل

إنتاج: جمال العدل

بطولة: خالد الصاوي،

عمرو سعد، زينة