كثيرون منا ينتابهم الفضول لمعرفة محتويات حقيبة زميلته، يريد أن يعرف أسرار محتوياتها، ليتعرف من خلالها إلى طبيعة صاحبتها، ومستواها، لكن حواء غالبا ما تتعامل مع هذه الحقيبة باعتبارها حصنا منيعا يحظر الاقتراب منه، فكيف الحال بمذكرات البنات وأجندات أسرارهن.
لاشك أنها كما «المواقع العسكرية» التي تجد على جدرانها لافتة بحروف بارزة تقول: «ممنوع الاقتراب والتصوير»، تبقى أسرار البنات ومذكراتهن منطقة محظورة، وقلعة حصينة يستحيل النفاذ إليها، لا يسمح بالدخول إليها أو الاطلاع عليها إلا لمن يحمل تصريحا خاصا يخوله التعرف إلى هذه الأسرار.. تعالوا بنا نتعرف إلى بعض هذه الأسرار التي تحملها «مذكرات البنات»، والسبب الحقيقي لكتابتها عند كل فتاة.
حول طبيعة ما تكتبه في أوراقها الخاصة تقول «نهاد. ع»: كتاباتي محظورة تماما من العلانية، فلا أسمح حتى لشقيقاتي بالاطلاع على أسراري؛ لأن ما أكتبه هو انطباعاتي عن أمور خاصة بي، أو ملاحظات حول تجاربي الشخصية والمواقف المختلفة في محيط الأصدقاء، وربما أتطرق فيها إلى الحب وفارس الأحلام الذي أتمناه، كما لا تخلو كتاباتي من انتقادات حادة لبعض الشخصيات على طريقتي؛ فأكتب نقاط الضعف والقوة فيها، ورأيي الشخصي فيها.
فضفضة
بينما تقول «عزة خليل»، طالبة بكلية الفنون التطبيقية: أكتب مذكراتي عن أحلامي، وصفات الشاب الذي أحلم به، كما أقوم بالفضفضة وبلورة أفكاري الخاصة التي تدور بعقلي، وتتمحور مذكراتي حول الحب وأصدقائي ورأيي في أساتذتي في الجامعة، وهي لا تخلو من انتقادات ساخرة لاذعة متهكمة على بعضهم، وبالطبع لو وقعت مذكراتي في يد أي منهم فقل على مستقبلي السلام؛ كما لا تخلو كتاباتي من ذكريات الطفولة، والمدرسة، وصديقاتي منذ مرحلة الابتدائي حتى الجامعة.
مشاعر وأفكار
أما كتابات «ملك القاضي» طالبة دراسات عليا بكلية الحقوق فتأخذ بعدا آخر، حيث تكتب عن الحب والشعر، حيث لديها موهبة الكتابة الأدبية التي تسخرها للتعبير عن أفراحها وأحزانها في أغنية أو أبيات شعرية دافقة المشاعر، كما أنها تكتب انطباعات شخصية عن أصدقائها.
تضيف: أحب التعبير عن مشاعري وأفكاري ومفتاح ذلك بالكتابة؛ لأن الكتابة «لغة» يستطيع الإنسان التحدث بها إلى نفسه، فيحكي أحاديثه التي بداخله بحرية وإيجابية، فهذه المصارحة تزيل العبء عن نفسي في كثير من الموضوعات المثيرة للجدل حول الصواب والخطأ في أمور عدة أقيم المقارنة فيها للتوصل إلى حل نهائي لخطط المستقبل، كما أحب تسجيل الأيام والتواريخ المهمة في مذكراتي، كما أكتب عن الأشخاص الذين يثيرون فضولي في تركيبتهم، وأحيانا أنتقد نفسي لماذا لم أفعل كذا.. أو كذا.
وعلى الرغم من تأكيدها أن مذكراتها لا يوجد بها ما تخجل منه، إلا أنها ترفض تماما أن يطالعها أحد عنوة أو بغير رضاها، مؤكدة أن هذا متاح لعدد قليل جدا من صديقاتها اللائي تثق بهن.
أول حب
وتعترف «لمياء. م» بأنها تكتب عن خواطرها كطالبة مجنونة تتسم تصرفاتها بالطيش والتهور في كثير من الأمور التي تحب أن تعيشها في الواقع تقف العادات والتقاليد دون القيام بها؛ فتوضح: على سبيل المثال تعرضت في مذكراتي إلى تجربة أول حب في مرحلة المراهقة، كان ذلك في المرحلة الثانوية، لكنه لم يكن ـ كالمعتاد ـ ابن الجيران، بل كان أستاذ الكيمياء، كان ذا شخصية جذابة، أسرتني حتى النخاغ، لم يكن كما تقول البنات كنجوم السينما.
بل كان شابا أسمر، طويل القامة، جادا، حاد الذكاء، خلوقا، لا تخلو ملامحه من وسامة محببة، وعلى الرغم من أن كل تصرفاتي كانت تشي بأنني سقطت أسيرة حبه، إلا أنه تعامل مع الأمر كما يمليه عليه وضعه، فلم يستخف بعواطفي أو يهين مشاعري؛ لكنه في الوقت نفسه لم يطلق الضوء الأخضر أمام مشاعري؛ لكنني وبعقلية فتاة مراهقة قمت في أحد الأيام بوضع خطاب ملتهب الأحاسيس وسط أوراقه، وعلى الرغم من ذلك لم يغضب، إنما طالبني بعدم تكرار ذلك لما فيه من تهور قد يعرض كلينا للضرر.
اللقاء الأول
أما «نيفين محمد»، طبيبة أطفال؛ فتقول: مذكراتي كلها تدور حول الأشخاص الذين أحبهم من أصدقائي وصديقاتي، إلا أن الجانب الأكبر منها يدور حول خطيبي، أقرب إنسان إلى قلبي، وهو زميلي أيضا في كلية الطب.. كتبت عن اللقاء الأول لي معه، والذي كان في أثناء محاضرة عن التشريح، وكانت تتم داخل مشرحة الموتى، كانت تجربة مريعة، فللمرة الأولى تطأ قدماي هذا المكان المقبض، وما إن وقعت عيناي على الطاولات المغطاة بملاءات بيضاء لأناس كانوا في يوم من الأيام ملء السمع والأبصار.
وفور أن قام الدكتور الذي يشرح لنا في هذا السكشن، مادت بي الأرض ووجدت قدماي تعجزان عن حملي، وفي لمح البصر كنت أهوى فاقدة الوعي ولم أر شيئا سوى يدٍ تمتد إلي. وحينما أفقت، علمت أنه من أنقذني من السقوط، كان زميلي في الفرقة نفسها، ومن هذا اليوم تعارفنا، وبدأنا الخطوة الأولى في طريق الحب؛ ولذلك ليس غريبا أن يكون النصيب الأكبر من مذكراتي من نصيبه.
حوار هادئ
من جانبها، تؤكد «سميرة» أن مذكراتها هي الوسيلة التي تحقق لها حوارا هادئا مع نفسها، بكل ما تمر به من آلام وآمال؛ لذلك ترفض أن يطلع أحد على مذكراتها، مؤكدة: «لا أحب أن يطلع أحد مهما كان على مذكراتي ما عدا إحدى صديقاتي المقربات جدا، وهي الوحيدة التي أثق فيها، لاسيما وأن مذكراتي تحوي أسراراً لا يصح أن يطلع عليها أحد، لأنني أترجم مشاعري من خلال الكتابة التي تعينني على الاحتفاظ بأسراري بشكل إيجابي.
وتجعلني أعرف نفسي بمنتهى الحيادية؛ فأتعرف إلى ميزاتها وعيوبها، مما يمكنني من حسن التعامل معها بشكل إيجابي، وأحياناً تقف الكلمات في قلبي وعقلي، ولا أجد لها سبيلاً إلا الورق، فالورق والقلم أصدقائي منذ كنت طفلة في العاشرة من عمري».
نضج أحاسيس
إلى ذلك، تؤكد د.فاطمة موسى، أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس، أن الفتيات في مرحلة عمرية معينة، خصوصا فترة نضوج الأحاسيس والأنوثة نجد لديهن ميولا وحاجات للتعبير عن أنفسهن بصورة أو بأخرى، لاسيما أن الفتاة تتسم عن الولد بالخجل والتحفظ في البوح بأحاسيسها؛ لذلك تلجأ إلى الكتابة كي تتحدث بحرية ومصارحة داخلية تتخذ أحيانا طريق النقد لبعض الأشخاص داخل نطاق عائلتها كالخالة والعمة والعم من أشخاص يدورون في محيطها وتتأثر بهم، وأحيانا لا تستطيع الفتاة.
خصوصا في مجتمعاتنا الشرقية ذات العادات والتقاليد الصارمة، أن تعبر عن رأيها الخاص بهم، وإلا تعرضت للنقد اللاذع في أخلاقها وسلوكها تجاه الكبار. فعلى سبيل المثال قد تعجب الفتاة أحيانا بالمدرس أو صديق والدها؛ فلا تستطيع البوح بذلك إلا لأوراقها الشخصية، وهنا الكتابة تقوم بدور مهم حيث تصبح دافعا مشجعا للفتاة على المراجعة ومحاسبة نفسها وتقييم سلوكياتها من آن إلى آخر، كما تساعدها في تخطي المرحلة العمرية الخطرة إلى النضج العقلي الكامل.
مشاركة وجدانية
تلجأ الفتاة للمذكرات كظاهرة تدل على حاجتها لتفهم أمها، فقد تفتقد الفتاة حريتها في التعبير عن نفسها أمام الأم التي قد تتخذ موقفا قاسيا إزاء بعض سلوكيات وتصرفات ابنتها، وهنا يبرز دور الأم في التفهم وليس العقاب؛ فالمصارحة والمشاركة الوجدانية مطلوبة بين الأم والفتاة حتى تتعرف الأم إلى كل ما يدور داخل ابنتها بذكائها وعقليتها الراجحة، فلن تحتاج إلى أن تراقب ابنتها أو تخاف من سلوكياتها أو تصرفاتها الطائشة؛ لأنها تشاركها في التعبير عن ذاتها.
مرحلة الخطر
قد تدخل مذكرات البنات مرحلة الخطر الذي يدعو للانتباه من جانب الأسرة حينما تقوم الفتيات ببعض التصرفات الطائشة وتسجلها من خلال مذكراتها، وقد تكشف المذكرات علاقات الفتاة بشاب أو حبيب، وقد تسقط هذه المذكرات في يد من يسيء استخدامها، فهنا على الأم أن تستميل ابنتها بالكلمة الحنون والحب، فالعقاب والمنع والتحريم يزيد الأمور سوءا، كما أنه يولد الخوف لدى الفتاة، مما يجعلها ترتكب حماقات أشد ضراوة، لاسيما أن المجتمعات الشرقية صارمة في تربية الفتاة مما يضطرها إلى الانغلاق وتكتم المشاعر التي لا تجد سبيلاً للبوح بها إلا على أوراقها المزدانة بالورود، أو المبللة بالدموع.
مضمون مختلف
يختلف مضمون المذكرات من فتاة إلى أخرى، فتحتوي على حكايات وتأملات وانطباعات وتعبيرات وتجارب ومواقف، كما قد تحتوي على أقوال مأثورة وحكم، وفضفضة ذاتية، والمرء عموما يحتاج إلى الحرية في التعبير عن الذات الداخلية، وما يدور داخلها من اضطرابات أو أحزان أو لحظات سعادة تظهر معه حينما يخلو إلى نفسه، فتكون الورقة والقلم الوسيلة المثلى للتعبير عن هذه اللحظات.
كذلك تظهر إيجابية المذكرات في استخراج الفنان والمبدع لدى بعض الأشخاص ذات الإحساس العالي، وليس خافياً أن المذكرات الشخصية أفرزت العديد من المواهب الأدبية والفكرية؛ لذا تحتاج الفتاة إلى التفريغ عما في قلبها، ولا يجب أن يتخوف أولياء الأمور من مذكرات البنات طالما كانت الفتاة سوية الشخصية.
