بعد أن كانت المطاعم والمأكولات المصرية مقصد المصريين والعرب الذين يأتون إلى مصر للفوز بأكلة كشري من محال «أبو طارق» بوسط البلد، أو أكلة فول من محال «الجحش» بحي السيدة زينب، أو أكلة سمك من مطاعم «قدّورة»، لم تعد القاهرة - بلد الكشري والملوخية والبامية والفول والفلافل- في السنوات الأخيرة إلا ساحة للمطاعم الخليجية التي تنافس نظيرتها المصرية بقوة.

حيث يستمر افتتاح مطاعم جديدة تقدم أنواعًا مختلفة من الأطعمة الشرقية والغربية والشمالية والجنوبية، إلا أن المطاعم الخليجية باتت تنافس المطاعم الموجودة بالقاهرة سواء الإيطالية أم الهندية أم مطاعم الوجبات السريعة التي كانت تجذب السائح الخليجي والعربي.وانتشرت المطاعم الخليجية وتركزت في مناطق المهندسين، وبخاصة في شارع جامعة الدول العربية الذي يشهد إقبالاً من الخليجيين والعرب، بل من المصريين أيضًا.وتشهد هذه المطاعم فترة رواجها في فصل الصيف عندما تبدأ إجازات الخليجيين الذين يأتون إلى القاهرة للاستمتاع بجوها، كذلك في الأعياد؛ حيث تقوم هذه المطاعم بتحفيز عدد من الصبية لتوزيع كروت لتعريف السائح العربي بأماكن تواجد المطاعم الخليجية.وأرقام هواتفها، والخدمات التي تقدمها سواء توصيل الوجبات إلى أماكن الإقامة أم إقامة الحفلات والعزائم الخاصة؛ إذ يغلب على هذه المطاعم توصيل الوجبات من خلال مجموعة الشباب التي تعمل على مدار 24 ساعة، ما أسهم في انتشارها بصورة كبيرة، وأصبحت مقصد المصريين والعرب.

كل المذاقات

تتصدر وجبات هذه المطاعم الكبسة السعودية، الهريس، المرقوق، المفطح وجميع المأكولات الكويتية، وقد امتزجت في هذه المطاعم مذاقات مختلفة من المأكولات الشرقية القادمة من الهند وإيران شرقًا، والعراق وسوريا شمالاً، والجزيرة العربية جنوبًا.

كما تخصص أجنحة خاصة للمأكولات حسب كل بلد، فالمطبخ الكويتي يحتوي على الأرز المسلوق الذي يُسمّى باللهجة الكويتية «البدام»، بالإضافة إلى الدقوس والمرق والخضروات المسلوقة، أما الأجنحة المتخصصة في المأكولات السعودية فتعد أشهر وجباتها المفش المشهور في منطقة جيزان.

وعصيدة والحنطة المشهورة في المنطقة الجنوبية، وكبيبة حائل والسلات المشهورة في المنطقة الغربية، والأزل المشغول في المنطقة الشرقية، والأرز بالحمص، الرأس المندي، مختوم اللحم باللبن، وشوربة الحَب.

وقد حرصت المحال التجارية المصرية على توفير أنواع الأرز المختلفة الخاصة لصناعة هذه الأطباق كأنواع الأرز البسمتي، البشاور، الهندي، الهيل، الصنوبر والزبيب، ورقائق الخبز التي تستعمل في أكلة القرقوق اعترافًا من السوق المصرية بالحضور الحقيقي لهذه المطاعم الخليجية ووجباتها أمام المصريين والسياح العرب.

وزاد إقبال المصريين على المطاعم الخليجية في السنوات الأخيرة؛ نظرًا لجمع هذه المطاعم بين الأكل المصري والخليجي معًا، حرصًا من أصحابها على إرضاء أذواق الجميع، ويعد أشهر هذه المطاعم على الإطلاق مطعم «العمودي» الذي يحتوي على المأكولات الخليجية كافة من المندي، المظبي، الحنيذ، المطبق، الفول القلابة، التميس، والمعصوب.

ويقع المطعم بشارع جامعة الدول العربية بحي المهندسين، ويعتبر مقصد جميع الخليجيين المقيمين بالقاهرة، بينما يحتل مطعم «مجرشي» المرتبة الأولى للسعوديين، فيقدم أفضل المأكولات السعودية، وتعود ملكية المطعم لنجم الكرة السعودية ناجي مجرشي وأشقائه، وتنتشر فروعه بالقاهرة والجيزة؛ حيث يقع فرعه الرئيسي بميدان لبنان، والثاني بمنطقة مدينة نصر.

حضرموت

أما مطعم «حضرموت» فيعتبر أكبر سلسلة للمطاعم الخليجية في القاهرة؛ حيث يوجد له أكثر من 40 فرعًا، كما أن كل فرع له طريقة مختلفة في الطبخ عن المطعم الآخر.

وتقع هذه الفروع بين أحياء المهندسين وفيصل ومدينة نصر، علاوة على فروع أخرى في المحافظات المصرية مثل الإسكندرية التي بها فرعان في ميامي والمندرة، كما يمكن الحجز في هذه المطاعم عن طريق الإنترنت.

وهناك مطاعم خليجية أخرى يطلق عليها «حضرموت والسمار» لصاحبها اللاعب السابق بناديي الشباب والاتحاد بالمنتخب السعودي «سعود السمار»، وللمطعم أربعة فروع، الأول بشارع البطل أحمد عبدالعزيز بحي المهندسين، واثنان بشارع جامعة الدول العربية بالحي نفسه، والرابع بمدينة نصر.

ويأتي مطعم «وادي حضرموت» وكذلك «العمودي»، اللذان يتميزان بمأكولاتهما الخليجية والشامية أيضًا في المرتبة الخامسة، ولكل منهما فرع واحد فقط بشارع جامعة الدول العربية.

بينما تكثر المطاعم اليمنية التي تقدم المأكولات الخليجية، بالإضافة إلى سلسلة مطاعم «التقوى» التي تأخذ الطابع نفسه من أجل اكتساب ثقة السائح العربي الذي يزور القاهرة معظم شهور السنة.

الجدير بالذكر أن معظم المطاعم الخليجية واليمنية الموجودة في مصر يديرها ويعمل بها مواطنون يمنيون أو «حضارم» بصفة خاصة لخبرتهم الجيدة بمهنة الطبخ، على أن يكونوا متفرغين بشكل كامل للعمل بالمطبخ.

حيث يأتون للعمل في سلسلة هذه المطاعم دون أن يصطحبوا عائلاتهم؛ حيث تفوق مبيعات هذه المطاعم إمكاناتها بكثير؛ لذلك تلجأ إلى تعويض ذلك بالعمل على مدار الـ 24 ساعة متصلة خاصة في فصل الصيف.

إقبال متزايد

وفي هذا الإطار يؤكد الشيف مصطفى أن صاحب المطعم قرر أن يفتح أكثر من فرع بعد الإقبال المتزايد على مأكولاته المختلفة التي تجذب الأسر الخليجية والمصرية.

خاصة أن 90% من المبيعات اليومية تتم كوجبات سريعة تُقدم داخل المطعم، وأن الطلبات الخارجية معظمها في فصل الصيف، أما الرواد الثابتون فهم من الجاليات العربية وبيوت الطلبة الخليجيين والسفارات والملحقيات التي تقيم حفلات شبه أسبوعية كحفلات التخرج، أعياد الميلاد، أو الأعياد الوطنية.

إضافة إلى الأفراح التي يكون أحد طرفيها خليجيًا والتي يتم خلالها العمل على مدار أسبوع كامل؛ حيث يقام الحفل الواحد بـ 30 خروفًا على الأقل.

حتى إن بعض المصريين بدأوا يلجأون إلى إقامة حفلات الزواج على البواخر النيلية ويقومون بإحضار وجبات العشاء من المطاعم الخليجية، ما دعا إلى مضاعفة أعدادها في السنوات الخمس الأخيرة، وامتدت لتشمل عددًا كبيرًا من المحافظات المصرية.

مشاهير يرتادونها

وعن زيادة الإقبال في الفترة الأخيرة على المطاعم الخليجية يقول وائل فرج، مدير مطعم «حضرموت» بالمهندسين: «إن سلسلة المطاعم الخليجية في مصر يرتادها الكثير من السياح العرب والشخصيات المصرية الشهيرة أيضًا أمثال أحمد أبوالغيط، وزير الخارجية المصري.

علاوة على عدد من الفنانين أمثال عادل إمام، كما يتردد بعض الزبائن الدائمين من الجاليات العربية، وأكثرهم من الإمارات والكويت والسعودية والجزائر وتونس وليبيا، وهناك أيضًا بعض الأجانب الذين يقيمون بمصر يعشقون هذه المأكولات، بالإضافة إلى زبائن المحل الأساسيين من المصريين».

أما بدر العنزي، طالب سعودي بجامعة مصر الخاصة، فيوضح أنه يحضر مع أصدقائه مرتين أسبوعيًا لتناول وجبة بالمطعم الخليجي؛ لأن ظروفه لا تسمح بالحضور من مدينة أكتوبر يوميًا لتناول وجبة.

ويؤكد حضوره لهذه المطاعم؛ ليتذكر أكلات بلده، ويرى أن رواد المطعم من المستويات كافة ومن مختلف الجنسيات؛ إذ تتميز هذه الوجبات بالروح العربية التي يعشقها أي شخص بغض النظر عن الدسامة والرجيم وخلافه، لكنه لا ينظر إلا لكونها وجبة خليجية عربية.

ورغم كثرة المطاعم الشرقية والغربية، فإن عصام فاروق، المصري المقيم بالكويت، حريص على التواجد مع أسرته بصفة دائمة في المطاعم الخليجية؛ لأن مأكولاتها تتمتع بمذاق خاص ولها جاذبية معينة، يقوم بعدها بالجلوس على مقهى «الفيشاوي» لتناول الشاي بالنعناع، خاصة إذا كان معه أصدقاء من دول الخليج.

ويرى أن المطاعم الخليجية بالقاهرة أضافت ميزة جديدة عما هو موجود بجميع أنحاء العالم، بالإضافة إلى كونها تتماشى مع طبيعة المصريين بحسن استقبال كل ما هو جديد والاندماج معه تمامًا كأنه مصري.