تبتسم مآقيه البريئة، وتتأرجح ضحكاته السعيدة، لتشعر أن روحه نبعاً دفاقاً، تتمايل على ضفتيه زهور النقاء وندى الطفولة. ولكن عندما ينقشع صفاء البراءة، ويتعكر ذلك النقاء بألفاظ وشتائم نابية، سرعان ما تتراجع في أخلاقه براعم الاحترام و القيم الغضة.
«الوقاية خير من العلاج» حِكمة لها موقع القدم والساق في سياق ما استطلعناه من رأي نسلط به الضوء على أطفالنا، صفحاتنا البيضاء التي تعبق براءةً.«الحواس الخمس» التقى مجموعة من المختصين وأولياء الأمور، بحثاً عن مصل تربوي وأخلاقي مضاد لهذا الوباء كي لا يتفشى في المجتمع، فيصبح ثقافةً متداولة. بين الاكتساب والسلوك يقول الدكتور أحمد العموش-رئيس قسم علم الاجتماع في كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية-جامعة الشارقة: يرتبط استخدام الألفاظ غير المقبولة بوكالات التنشئة الاجتماعية المتمثلة في الأسرة ثم المدرسة ثم الإعلام، ولكن يبقى عاتق التربية على الأسرة بالمقام الأول،ففي المراحل الأولى يعتمد الطفل على سلوكيات يتعلمها من الأهل والأقارب، وذلك يسهم في تشكيل شخصية الطفل قبل ولوجه المدرسة .
واستطرد قائلاً: المسؤولية الأولى تقع على عاتق الأب والأم ، فهما يحددان القيم الإيجابية والمثالية للأطفال ، وإن لم تسعَ الأسرة إلى ترسيخ هذه القيم في أطفالها، سوف تتحول هذه الألفاظ النابية لثقافة متداولة مكتسبة ثم إلى سلوك، مضيفاً:
إن من أهم الحلول الناجعة التي تسهم في علاج هذه المشكلة توعية الأسرة بعدم التسامح مع الطفل حين تلفظه بهذه الألفاظ، وضرورة تحديد عقوبة كالحرمان، فهو أفضل وسيلة لتربية الطفل وليس الضرب، بالإضافة إلى ضرورة ترسيخ القيم الدينية في نفوس الأطفال من خلال الأخصائي الاجتماعي في المدرسة.
القراءة تصقل سلوك الطفل
وتقول جميلة خليفة، معلمة رياض أطفال: إن مصدر الألفاظ غير اللائقة هي الأسرة ثم رفقاء المدرسة الذين يؤثرون بشكل أو آخر، ويأتي بعدهم أفلام الكرتون التي تسهم بشكل كبير في نشر هذه الألفاظ بين الأطفال، ودوري كمعلمة ، يكمن في محاولتي الحد من تفشي هذه الألفاظ بين الأطفال من خلال الحوار مع الطفل وإرشاده بعدم التلفظ بهذه الألفاظ، ثم يأتي دور العقاب المعنوي المتمثل في حرمان الطفل من شيء يحبه، وثالثاً ألجأ للتخاطب مع الأسرة لتدارك المشكلة إذا تفاقمت ولم تجدي الخطوات السابقة أي نفع.
وتابعت: يسعى أولياء الأمور لحل هذه المشكلة من خلال التخاطب مع المعلمة ، ويأتي دورها هنا بالقضاء على هذه المشكلة من خلال القصص الهادفة اليومية التي تركز على الألفاظ الحميدة وتنبذ الألفاظ السيئة ، بحيث لابد أن تكون حبكة القصة بمجملها مركزةً على قيمة واحدة ؛ وذلك ليسهل استيعابها من قِبل الطفل.
القراءة تصقل سلوك الطفل
وقالت فاطمة محمد - ربة منزل: أتحاور مع ابني عبد الله عشر سنوات وأسمع منه ما حدث معه في المدرسة، لأن المرحلة العمرية لابني حرجة جداً وهو يقضي نصف يومه في المدرسة،وقد يكتسب فيها من زملائه بعض الكلمات غير الأخلاقية التي دائما ما يحدثني عن تداولها بين زملائه في الحافلة المدرسية.
وأضافت: أهتم دوماً في ترسيخ الوازع الديني في أبنائي وحثهم على القراءة التي تسهم في صقل أخلاقيات وسلوك الطفل.
التواصل مع المدرسة
أما منال حسن موظفة فتقول : ألاحظ أن ولدي البالغ من العمر ثماني سنوات يتأثر كثيراً بالألفاظ التي يسمعها من زملائه في المدرسة، ودائما ما يحدثني..«ماما صديقي يقول كذا وكذا»، وهذا أمر يشعرني بالقلق كثيراً،لذلك أحاول دوماً أن أفهّم ابني أن ليس كل ما يسمعه صحيح وأحاول أن أرشده إذا تفوّه بكلمة غير لائقة.
وأضافت: لتدارك هذه المشكلة، أقوم بزيارة لمدرسة ابني بشكل دوري و أقترح على إدارة المدرسة أن تكثف الرقابة على الطلاب في الحافلات ووقت الفسحة.
الضرب يزيد الطين بلة
وتعبر أسماء علي موظفة عن تجربتها قائلة: من تجربتي، لاحظت منذ فترة أن ابنتي التي لم تبلغ من العمر سنتين ،تتصرف بغضب وتنطق ببعض الألفاظ التي تكبر سِنها لو لم أعطها ما تريد،بل وباتت تتصرف بعنف أحياناً،فتبين لي بعد فترة أنها تقلد أختي الصغرى التي هي في نفس عمرها،ولذلك أعمد دوماً الى ترسيخ الوعي والإدراك بالخطأ في نفس ابنتي ،ثم ألجأ بعد ذلك إلى العقاب المتمثل في الحرمان دون أن أتجه للضرب، لأني ميقنة أنه (سيزيد الطين بلة).
تعزيز الفهم بالقرآن والسنة
و يعتبر المهندس راشد الحمودي أن القنوات الفضائية المتناسلة كل يوم وبرامج الأطفال المترجمة تلعب دوراً بارزاً في استشراء هذه الظاهرة بين الأطفال ،ويضيف قائلاً: أسعى إلى مراقبة أطفالي وأستمع إليهم وأتحدث معهم في كل الأوقات وتحديد أوقات متابعتهم للتلفاز فضلا عن تحديد القنوات التي يتابعونها.
وفي حال تلفظ أطفالي بأي كلمة بذيئة أحاول أن أشرح وأوضح المعنى الحقيقي لتلك الكلمات ومدى سوئها وتعزيز فهمهم بأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة،هذا بالإضافة إلى التعرف على أصدقاء أطفالي للتأكد من حسن سلوكهم ،والتواصل الدائم مع المدرسة لمراقبة المجتمع الطلابي الذي يحوي العديد من الفئات فقد ينجم عن هذا الاختلاط نشر الألفاظ البذيئة التي لا يعرف الطفل معناها ومقصدها.
ومن تجربته الشخصية يقول: لقد لاحظت أن أطفالي يتداولون فيما بينهم بعض الكلمات ،فلقد سمعت أحد أبنائي يقول للآخر ألفاظاً غير لائقة ، ومن خلال سؤالي لهم عن مصدر هذه الألفاظ،تبين لي أنهم اكتسبوها من بعض الأفلام الكرتونية المترجمة،الأمر الذي يشكل خطراً كبيراً على ثقافة الطفل ،فلكم أتطلع أن تكون هناك أفلام كرتون تعزز اللغة العربية والأخلاق الحميدة بدلا من تلك الأفلام المترجمة التي لا تمت بصلة لمجتمعاتنا العربية الإسلامية.
تكتسب بالسماع
ويعبر الدكتور نجيب بن خيرة معززاً دور السماع في ترسيخ هذه الألفاظ في ذهن الأطفال قائلاً: في تصوري الألفاظ النابية لغة تكتسب بالسماع ثم تتبلور بالمحاكاة وتقوى بالممارسة، وأول بيئة ينشأ فيها الطفل هي الأسرة، حيث يتلقى الطفل كلماته الأولى منها،ثم يُثرى قاموس الطفل ولغته خارج البيت في المدرسة والشارع ،ثم يكبر هذا القاموس مع الوقت.
وأضاف قائلاً: اللغة بنت الفكر،وكوني أباً ألجأ لأسلوب الوعظ ،و أحياناً لأسلوب العقاب المتمثل بالضرب غير المبرح أو النظرة الحادة الجارحة للطفل التي تشعره بأن ما يتفوه به خطأ.
وتابع:لو تتبعنا هذه السلوكيات عبر التاريخ،لوجدنا أنها وجدت مع ظهور الإنسان،الذي كان يعبر عن السِباب والألفاظ البذيئة من خلال الرسم والتي كانت تعتبر لغة للتعبير في ذلك الوقت.
احتواء المشكلة
راشد محمد الخطيبي ،مسؤول إداري في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في دبي،يقول: دوري كأب يتمثل في السعى الدائم إلى احتواء المشكلة،فمجرد سماعي لهذه الألفاظ من أبنائي ،أبادر بالسؤال عن مصدرها أولا لكي يتسنى لي المعالجة الصحيحة ، كما أحاول التقرب من أبنائي وفهم شخصياتهم وتوجيههم لأنني مؤمن كل الإيمان بأن هذه المشكلة حلها يكون من الأسرة نفسها .
ولقد لفت انتباهي ذات مرة أن سمعت أحد أبنائي يتلفظ بألفاظ فصيحة أكبر من سنه ولما سألته عن مصدرها قال لي أنه قد سمعها من أحد أفلام الكرتون، وعلى العكس في بعض المرات سمعته يتلفظ بلفظ يحمل معاني العنف والانتقام ،فأفلام الكرتون لها تأثير كبير على ألفاظ أبنائنا خصوصا أنهم يقضون معظم الوقت أمام شاشات التلفاز .
دبي - منى الحمودي

