حين كنت في الثالثة عشرة من عمري توفيت أمي، فعشت صدمة كبيرة لم أستطع تجاوزها حتى بعد أن أصبحت أبا، ومرت بي سنوات العمر، فتلك السنوات المرة التي شعرت بها. إني في حاجة إلى لمستها ولم أجدها، جعلتني أنام على وسادة مبللة من الدموع، فمرحلة المراهقة هي المرحلة التي يدرك فيها المرء مقدار حاجته لوالديه، لذا كان شعور الفقد مسيطرا علي ولايزال، لا أستطيع الحديث عن هذا الموضوع من دون أن يداهمني الدمع.

هكذا كان حديث خالد محمد، موظف، عن فقدانه والدته في مرحلة مبكرة من طفولته، حيث تمثل تلك الحالة صدمة للطفل قد تلازمه سنوات طويلة من عمره.

سما عمر سالم، طالبة جامعية: تقول أمي تمثل لي حلما لم يفارقني فقد رحلت عنا، وأنا في السنة الأولى من عمري، جدتي هي من قامت بتربيتي، ولم تقصر معي في شيء، لكني لا أزال أشعر أني لو كنت محظوظة قليلا لاستطعت أن أعيش مع أمي، وانعم بحنانها وقربها، وأقدم لها الهدايا في عيد الأم، لكن كل هذا لم يتحقق، وليس لي سوى جدتي التي أتمنى أن يطيل الله في عمرها، ولا يجعلني أفقد حنان الأمومة مرتين، وأحيانا أشعر بالخوف من أن أكون أما وتعيش طفلتي مأساتي نفسها، ولكني أحاول أن أكون متفائلة بالحياة والتفكير بشكل إيجابي بالأمر.

هبة كامل، ربة بيت، تذكر تجربة من نوع مختلف في التعامل مع الفقد، إذ تقول: توفيت أختي إثر ولادتها طفلتها الثانية، وفجعنا بها؛ فكانت التجربة قاسية علينا جميعا، وخلال السنة الأولى من فقدانها بقيت الطفلتان عندنا في بيتنا نرعاهما أنا ووالدتي، وكان والدهما يزورنا بشكل يومي للاطمئنان عليهما، وهو ابن خالتي، وقد جعلنا الحزن قريبين من بعضنا؛ فنحن جميعا نحب المرحومة، وتسيطر علينا حالة الفقد، وذات يوم وجدت أهلي يتحدثون مع زوج أختي في موضوع زواجي منه، وقد صدمني الموقف، وشعرت بالذنب لمجرد أن الفكرة قد طرحت، لكن والدتي تحدثت معي قائلة

إن فقدان أختي ليس هينا عليها، واننا لكي نحافظ على الطفلتين علينا أن نفكر في الأمر، بقيت أبكي وأنا أشعر أني أخون أختي الراحلة، لكن زوجها جاء وتحدث الي بكل هدوء قائلا، لك الخيار في أن تقبلي بي زوجا أو ترفضي، وأنا لا أحملك عبء طفلتي فخلال هذا العام شعرت بأنك قريبة مني.

وأنك من أحرص الناس علي، وأنا شاب ولابد أن أتزوج مرة أخرى في آخر المطاف، فأيهما أفضل الزواج من امرأة أعرفها، وأثق بها، وأعرف حرصها على بيتي وأطفالي، وإما الزواج من امرأة لا أعرفها ولا أدري كيف يمكن أن تتصرف مع بناتي، فكرت في الأمر ووجدت أني لا أتقبل فكرة زواجه من امرأة أخرى، لذا وافقت على زواجي منه.

وقد أنجبت توأمين؛ ولدا وبنتا، وصرت أما لأربعة أطفال جميعهم الآن في المدارس ومتفوقات، ولم أخف عن الصغيرتين أني خالتهما ولست أمهما، لكنهما أجابتاني بأنهما تشعران أني أمهما الحقيقية، وهذا أمر لا يعرف به جميع من حولنا، لكني حين أضع رأسي على الوسادة أتذكر أختي واتمنى أن أكون عوضت ابنتيها عن فقدانها؛ فليس من السهل على المرأة أن تكون أما لغير أبنائها.

ماجد خضير فقد أمه وهو في الرابعة من عمره: يقول لا أتذكر من أمي سوى لقطات قصيرة، ربما أضاف الخيال عنها شيئا، لكني أتذكر بوضوح حالات الألم وشعور الإشفاق الذي كانت قريباتي تتعامل به معي، فقد كن ينظرن الي الطفل اليتيم الذي بقي من دون عناية مع أن أختي الكبرى تولت أمورنا، واهتمت بنا جميعا، وكنت أشعر بالألم الشديد حين يأتي يوم اجتماع الامهات في المدرسة وأمي ليست حاضرة.

ولم أستطع أن أحب زوجة أبي حتى بعد تلك السنوات الطويلة التي مرت بنا، فقد كنت طفلا متمردا عشت مراهقة شقية، أحيانا أشعر أني كنت أرغب في ازعاج والدي الذي تزوج بعد وفاة أمي، وفي الوقت لم أدرك الغاية من الزواج أو أهميته، اليوم تغيرت نظرتي وصرت أتواصل مع زوجة أبي فقد صرت أبا كذلك، وأستطيع أن أدرك أن أبي لم يخطئ، وأن فقداننا لوالدتي قدر من الله أثر في أبي وأثر فينا جميعا.

أما محمد شمخي فيقول: كنت صغيرا وقت وفاة أمي، وكانت النساء في مأتم والدتي يبكين علي، لأني في السنة الثانية من عمري، ولم أكن أفهم شيئا، وما أن انقضى المأتم حتى أخذتني زوجة أبي عندها، وهي سيدة كبيرة في العمر.

وكانت أمي هي الزوجة الثانية؛ فربتني مع أحفادها، وكانت تحنو علي كما تحنو الأم على صغيرها، لكني حين أكون بيني وبين نفسي أحاول أن أرسم صورة لي في حضن أمي كما شاهدتها في الصور، وأتمنى لو أني استطعت أن أراها وأنا أعي كيف يكون وجود الأم مهما في الحياة، الآن أنا ممتن لتلك السيدة التي ربتني وحرصت علي كحرصها على ابنائها، وهذا لا يمنع من أني أشتاق إلى حضن أمي.

فقدان الأم له آثار نفسية كبيرة على الطفل، حيث تشير الباحثة النفسية، أمال المفتي إلى أن الطفل يصبح أمام تساؤلات كبيرة لا يجرؤ على طرحها أمام الآخرين عن ماهية الموت وسبب اختلافه عن الأطفال الآخرين الذين ترافقهم أمهاتهم، ويمكن أن يتولد لديه شعور بالذنب معتقدا أنه فعل أمرا سيئا أدى إلى فقدانه لوالدته.

وهذا الأمر يجعل شخصيته قلقة مترددة غير متوازنة، يلازمها الخوف لأن الطفل يفقد جانب الأمان والحماية ويعاني من الحرمان العاطفي الذي قد يؤدي به إلى خيارات عاطفية متطرفة في حياته الأسرية، والتعويض العاطفي عن فقدان الأم ليس سهلا لكن على الأسرة أن تحتوي الطفل اليتيم وتوفر له الاجواء المناسبة من الرعاية النفسية والصحية لينشأ نشأة سليمة حتى بعد غياب أمه.

دبي - دلال جويد