من تقاليد الغرب الكلاسيكيّة، برز فنٌ دراميٌ ساحرٌ تميّز بتسخير الموسيقى لتقديم أكثر قصص الحبّ التراجيديّة عُمقاً. ونظراً لغناه بالمشاعر وعالميّة الأفكار التي يُقدّمها، لقي هذا الفنّ انتشاراً واسعاً في الأوساط الثقافيّة.

وقد لعبت دُور الأوبرا، التي حظيت بالدعم غير المحدود من قادة الدول وأبرز السياسيين، دوراً أساسيّاً في تسخير الانتشار العالميّ لهذا الفنّ على مرّ القرون. وحتى يومنا هذا، لا يزال عشّاق الموسيقى يقصدون هذه الدور التي وظّفت أحدث التقنيات الضوئيّة والصوتيّة لتجعل من الأوبرا عنواناً متجدّداً على مرّ الفصول. عراقة دور الأوبرا دار الأوبرا هي بناءُ كبير يتمّ فيه أداء عروضٍ فنيّة ضخمة ومتعدّدة، بدايةً بمقطوعات الأوبرا والباليه، وانتهاءً بالعروض المسرحيّة المتنوّعة. وتختلف دور الأوبرا في العالم بكيفيّة إدارتها، ففي بعض الأحيان تُدار من قبل شركاتٍ تستأجر المباني وتقوم هي بتنظيم العروض تبعاً لشروط ومعايير عالية، وفي الأحيان الأخرى، تقوم الشركة المالكة بتنظيم العروض بالتعاون مع الشركات الفنيّة العريقة.

وفي كلا الحالتين، هنالك أساسيّات لا تتغير تشترك فيها معظم دور الأوبرا حول العالم. ومن هذه الأساسيّات نذكر: منطقة الكواليس، والتي يحضّر فيها العارضون أنفسهم قبل الخروج إلى الجمهور، والمنصّة التي يقوم عليها أداء العرض ،والحجرة المنخفضة التي تعزف فيها الأوركسترا المرافقة موسيقاها ، وأماكن جلوس الجمهور، وهي منصّة تتوزّع على مستويات متعدّدة.وفي التاريخ الحديث، تمتلك معظم الدول دور الأوبرا الخاصّة بها، إلا أن أقدم دار أوبرا في العالم (تياترو سان كاسيانو)، كانت قد شُيّدت بمدينة البندقيّة الإيطاليّة سنة 1637، وغنّى على مسرحها أهمّ وأشهر مؤدّيي الأوبرا في أوروبا، كما جلس في شُرفاتها أغنى الأغنياء من مختلف قارّات المعمورة.

متتبّعين خطيّ إيطاليا، وجّه حكّام أوروبا أنذاك، خصوصاً الفرنسيين منهم والألمان، ببناء دور أوبرا مميّزة في بلدانهم لتجتذب الحشد الذي كان يقصد البندقيّة، وتحوّلت العمليّة التي كانت فنيّة بحتة، إلى سباقٍ وراؤه أجنداتٍ سياسيّة، استفاد منه الحراك الفنّي بأوروبا في القرن السابع عشر.

وعلى مرّ القرون، سعى القيّمون على مُختلف دور الأوبرا في إبعاد مسارحهم عن أيّ توجّهاتٍ سياسيّة، وذلك عبر البحث عن مصادر تمويل مستقلّة وحياديّة. ففي يومنا هذا على سبيل المثال، تعتمد مُعظم دور الأوبرا العالميّة في تمويلها على أرباح مبيعات تذاكر الحضور، والتبرّعات والهبات من المنظّمات الراعية للفنّ.

في العرض التالي، سنسلط الضوء على أهمّ دور الأوبرا في العالم، ولن نتحدّث فقط عنها من الناحية التاريخيّة، وإنّما سنخوض عبر أكثر خصائصها المعماريّة والتقنيّة أهميّةً.

«لا سكالا» (إيطاليا)

مُنذ تم افتتاح هذه الدار، التي يُطلق عليها سكّان مدينة ميلانو اسم «تياترو ألّا سكالا»، في عام 1778، أٌقيمت على منصّتها أضخم العروض العالميّة وأرقاها. والجدير بالذكر أن بناء «لا سكالا»، أٌقيم على أنقاض مسرح «تياترو دوكال» التاريخيّ، الذيّ أُحرق ودٌمّر تماماً قبل سنتين من بناء المسرح الجديد. وفي حين رفض مجلس المدينة خُطّة البناء الأوليّة التي قٌدّمت له، أجمع المجلس ذاته على أهليّة التصميم الذي قدّمته المعماريّة «ماريّا تيريزا» لاحقاً، وهكذا كانت البداية.

اجتهد القائمون على عمليّات البناء في بيع الشُرفات لأثرى العائلات الأوروبيّة، ممّا مكّنهم من توظيف مصمّمين ورسّامين موهوبين، تمكّنوا بدورهم من بناء أكبر منصّة عرضٍ في إيطاليا، كما قامو بتزيين المبنى نفسه بأسلوب فخمٍ جدّاً. وفي السنوات الأخيرة، أثارت عمليّات الترميم التي استهلّها مجلس بلديّة ميلانو، جدلاً عميقاً بين الجهة المسؤولة عن التجديد، والمنظّمات المُطالبة بالمحافظة على الوجه التاريخي للمبنى.

«ميتروبوليتان» (الولايات المتّحدة)

يعود تاريخ إنشاء الشركة المُديرة والمالكة لدار «ميتروبوليتان» للأوبرا إلى العام 1880، ومع ذلك، فإن المسرح العالميّ الشهير، الواقع في جادّة لنكولن غرب مدينة نيويورك، لم يتمّ بناؤه إلا في عام 1966. فعندما لم يتمكّن مسرح «ميت» الذي كانت تملكه الشركة من استقطاب الاهتمام المرجوّ منه، تمّ هدمه وتحوّل مركز الشركة إلى المبنى الجديد المسمّى مركز «لنكولن».

يحتوي مركز «لنكولن» أحدث تقنيّات العروض في العالم، مما يضمن للحضور فعّالياتٍ مُذهلةٍ ومتنوّعة في كل موسم. فأساليب الإضاءة الحديثة، والتجهيزات الصوتيّة ثلاثيّة الأبعاد، تجعل من هذا المركز أكثر المسارح الأميركيّة استقطاباً لعشّاق فنون الباليه والمسرح والأوبرا في العالم.

«سيدني» (أستراليا)

تُعتبر دار «سيدني» للأوبرا، التي أدرجتها منظّمة اليونيسكو ضمن مواقع التراث العالميّ، أحد أهمّ المسارح التي تُقام فيها العروض الفنيّة الشهيرة. وهي لا تحتوي منصّةً وقف عليها أبرز راقصي الباليه ومؤديي الأوبرا وممثلي المسرح العالميّ فحسب، وإنّما يُشكّل مبناها المقرّ الرئيسيّ والدائم لـ «أوبرا أستراليا».

وفي الدار خمسة مسارح مُختلفة الوظيفة، كما فيها مجموعةٌ من النوادي والمطاعم المفتوحة للحضور والأعضاء على حدٍّ سواء. كما توفّر الدار قاعات للإقامة الاحتفالات الخاصّة والأعراس حسب توافر الأماكن تبعاً لتاريخ الحجز.

دار دبي للأوبرا

ستحتل دار الأوبرا في دبي موقعاً مهمّاً في المركز الثقافي الجديد ضمن منطقة «لاغونز»، والتي بدورها ستضم 2500 مساحة جلوس، بالإضافة إلى العديد من المرافق، منها مسرحٍ يتّسع ل800 شخص، ومعرض للفنون تبلغ مساحته 5000 مترٍ مربّع، ومدرسة الفنون المسرحية. وزيادة على ذلك، يحتوي المشروع على فندقٍ من فئة الستّ نجوم ومكتبتان، ومسرحاً في الهواء الطلق ومرسًى لليخوت.

وتكلف دار الأوبرا هذه 3,82 مليون دولار ضمن مشروع الواجهة البحرية المطل على خور دبي الذي تطوره شركة «سما دبي»، ذراع الاستثمار والتطوير العقاري الدولي التابع ل«دبي القابضة» والجدير بالذكر أن العراقية زهى حديد، أشهر معمارية عربية، وضعت تصميم دار الأوبرا التي تمتد إلى الشاطئ مثل قنديل بحر.

وقد عبرت المصممة العراقية في بيانٍ أصدرته بخصوص المشروع، عن دعمها لهذا الصرح الحضاري من منطلق إيمانها الشديد بأهميته وضرورته كمكون رئيسي في تطور أي المجتمعات.

دبي ـ علي محيي الدين