«المتمرّدون، وراء الشمس، أرض الخوف، الكرنك، إحنا بتوع الأوتوبيس، شيء من الخوف، البريء، ضد الحكومة»، نماذج لأفلام آثرت أن تسير في الطريق الصعب، وتصطدم ليس بأجهزة الرقابة الفنية فحسب، بل إنها تدخل في صدام قوي مع السلطة نفسها، وهي خير دليل على أن السينما لم تقُم منذ بداياتها للترفيه عن الشعوب فقط، بل لها أبعادٌ أخرى، من بينها الاحتجاج على الأوضاع الاجتماعية والسياسية.
والوقوف ضد الحكومات المتعنتة والسلطة الدكتاتورية؛ لذا كانت الرقابة بالمرصاد لهذه الأفلام التي تؤرق المسؤول، فمنعت بعضها من العرض، وعدّلت في البعض الآخر؛ ليمكن للجمهور أن يشاهدها في هدوء، وكان من بين الأفلام الممنوعة لدواعٍ أمنية فيلم «المتمرّدون» للمخرج توفيق صالح الذي يروي فيه بشكل رمزي تفاصيل فشل الثورة المصرية من خلال قصة رجل ذهب للعلاج في مستشفى بعيد في الصحراء، فوجد أن المستشفى مقسم إلى قسمين، أحدهما للمرضى الأغنياء الذين يتمتعون بأقصى درجات الرعاية والترفيه، أما الثاني فلفقراء المرضى.
حيث يعانون من الإهمال والمعاملة الخشنة، حتى قرر الفقراء السيطرة على المستشفى بالقوة، فيطردون مديرها، لكنهم يفشلون في إدارتها، ولا تعود سيطرتهم بأي فائدة على أحد.ومن الأفلام التي رصدت ما يحدث داخل المعتقلات جاء فيلم «إحنا بتوع الأوتوبيس» للمخرج حسين كمال، وبطولة عادل إمام، عبدالمنعم مدبولي، وجدي العربي، فالفيلم يعد صرخة لأناس يتعذبون دون ذنب، مجموعة من الأبرياء قادهم شجار عادي داخل إحدى الحافلات العمومية إلى أن يزج بهم في إحدى المعتقلات عن طريق الخطأ، ومن ثم اتُّهموا بمعاداة النظام، كأن ما حدث من ظلم مجتمعي خير تمهيد لنكسة الشعب كله في يونيو 1967.
البريء
كذلك انضم فيلم «البريء» لسلسلة أفلام المعتقلات، لكنه أثار ضجة وقت عرضه، بالرغم من تعديل مشهد النهاية، وإلغاء جمل حوارية بناء على رغبة وزارات الثقافة والداخلية والدفاع أثناء إنتاج الفيلم في العام 1986، والفيلم الذي قام ببطولته الفنان أحمد زكي وممدوح عبدالعليم ومحمود عبدالعزيز وأخرجه عاطف الطيب، يروي حياة جندي الأمن، أحمد سبع الليل، الذي لا يفهم أي شيء في الحياة سوى تنفيذ الأوامر حسبما أبلغوه عند تجنيده إجباريًا حماية من أعداء الوطن، وحين يعرف حقيقة ما يدور حوله في المعتقل من تعذيب للمسجونين في قضايا سياسية يقوم بقتل مدير المعتقل وضباطه بفتح النار عليهم، وذلك حسب النهاية الأصلية للفيلم التي تغيّرت إلى وقوف أحمد زكي، «أحمد سبع الليل»، في البرج صارخًا عندما رأى معتقلين جددًا ينضمون إلى طوابير التعذيب مرة أخرى بلا سبب.
وراء الشمس
لكن أفلام الاعتراض والمواجهة، التي دائمًا ما تسبب إزعاجًا للسلطات العليا، لا تتوقف عن تحريض الجماهير، مهما تغيرت ومنعت، فتدفعهم دفعًا لمواصلة الاعتراض على أي وضع لا يتفق مع الحريات الإنسانية، مثل فيلم «وراء الشمس» بطولة رشدي أباظة ونادية لطفي، والممنوع من العرض؛ لأنه يحكي أيضًا عن المعتقلات وعالمها الغامض خلف أسوار الحياة، ويتناول هفوات السلطة وتوابع نكسة يونيو، فهناك في أحداث الفيلم قائد من القادة الوطنيين في الجيش قام مطالبًا بمحاسبة من تسببوا في النكسة، فتصدر الأوامر من قيادات عليا باغتياله على يد مدير السجن الحربي في سرية تامة.
الكرنك
أما فيلم «الكرنك» المأخوذ عن قصة لنجيب محفوظ، وأخرجه علي بدرخان، فيحكي عن حالة الاستبداد السياسي والفكري في عهد الرئيس عبدالناصر؛ حيث يروي قصة مجموعة من الشباب الجامعي الذين يدخلون المعتقل بسبب التقائهم في مقهى «الكرنك» الذي عُرف أنه ملتقى المفكرين المنتقدين للثورة، وفي المعتقل يتم تعذيبهم وإجبارهم على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها.
كما يُجبر بعضهم على العمل كجواسيس لأجهزة الأمن ضد زملائهم، وتنتهي أحداث الفيلم بقيام ثورة التصحيح في عهد الرئيس السادات، وصدور قرار بالإفراج عن المعتقلين، كما يتم القبض على الضابط، الذي كان يقوم بالحصول على الاعترافات الإجبارية من الطلبة، ويتم إيداعه المعتقل.
شيء من الخوف
ولم يسلم فيلم «شيء من الخوف» من الصدام بشكل أو بآخر مع السلطة وقت إنتاجه، والمتمثل في عبدالناصر شخصيًا، فقصة الفيلم التي كتبها الروائي ثروت أباظة وكتب لها السيناريو والحوار الشاعر عبدالرحمن الأبنودي وأخرجها حسين كمال، تحكي عن فرض «عتريس»، الفنان محمود مرسي، سطوته على أهل قرية صغيرة؛ حيث يجبرهم على دفع إتاوات من قوتهم.
ولا يتصدى لعتريس أحد من أهل القرية سوى «فؤادة»، الفنانة شادية، والتي يحبها عتريس، وبدلاً من قتلها، كما اعتاد أن يفعل مع معارضيه، قرر أن يتزوجها كرهًا، ويحاول الشيخ إبراهيم، الفنان يحيى شاهين، التصدي لعتريس إنقاذًا ل«فؤادة»، إلا أن عتريس يقتل محمود ابن الشيخ، وتنتهي أحداث الفيلم بجنازة محمود، والكل يردد الجملة الشهيرة:
«جواز عتريس من فؤادة باطل»، ويتوجه الجميع إلى منزل عتريس فيحرقون بيته وهو داخله فيموت، وكان اعتراض الأمن والقريبين من الرئاسة بالترويج للشبه بين شخصية «عتريس» وجمال عبدالناصر، إلا أن ناصر نفسه وافق على عرض الفيلم قائلا: «لو كنت أنا مثل عتريس فأستحق نهايته عن جدارة»، ولولا موقف عبدالناصر لما شاهد الجمهور العربي واحدًا من أروع الأفلام المصرية.
ضد الحكومة
ويبدو أن الفنان أحمد زكي كان صاحب النصيب الكبير في إزعاج السلطات؛ حيث كان بطلاً لكثيرٍ من أفلام الاحتجاجات، والاصطدام بالأمن وبالجهات العليا في الدولة، ويأتي من بين أعماله التصادمية «أرض الخوف»، وفيلمه المعارض بصراحة «ضد الحكومة» الذي يحكي عن المحامي مصطفى خلف الذي يستغل الفقراء من ورثة ضحايا الحوادث.
ويقوم بالحصول على توكيلاتهم؛ ليحقق أرباحًا من مطالبته بتعويضات كبيرة لهم، إلا أنه يتحول إلى شخص صاحب مبادئ فجأة لمجرد أن ابنه يصاب في حادث؛ فيرفع قضية ضد الحكومة، فيواجه على أثر موقفه العديد من المتاعب؛ حيث وُجهت إليه تهم بالجملة؛ ليتراجع عن مواجهة الكبار.
وكان هذا المدخل مناسبًا لكشف كثير من الفساد في السلطة، وما يحدث من تعذيب في أقسام الشرطة، وكان صمود بطل الأحداث حتى النهاية؛ لذا جاءت النهاية متفائلة بإنصاف القضاء له، وذلك باستدعاء المسؤولين للسؤال والتحقيق مهم في القضية.
لقد كانت المواجهة مع الدولة واردة بقوة في كل هذه الأعمال، التي اتخذت طابعًا سياسيًا وأثرت في نفوس الجماهير بحضور أبطالها ومواجهتها الفعَّالة لأجهزة الدولة المختلفة لكشف الفساد والتجاوزات لدى القائمين على السلطة، وهناك نماذج عديدة من الأفلام الأخرى من بينها فيلم «الأرض» بطولة محمود المليجي.
والذي يعبر عن مرحلة مهمة من الممارسات الاستعمارية، إلا أنه ترك أثرًا إيجابيًا في نفوس الجيل الحالي للحفاظ على مكتسباته من الحرية، فكانت أفلام الثلاثة عقود الأخيرة مثل «عايز حقي، الحب فوق هضبة الهرم، الهروب، دماء على الأسفلت، ملف سامية شعراوي، الراقصة والسياسي، معالي الوزير»، وغيرها من الأفلام، صرخة قوية في وجه الحكومات والمسؤولين.
بيع الوطن
الناقدة ماجدة خير الله أكدت أن السينما السياسية ظلت تعلن أن مراكز القوى ما زالت موجودة، ولكن بأشكال مختلفة في مواقع مؤثرة تسيطر فيها على القرار، الأمر الذي يؤدي إلى تفشي المحسوبية، وضياع كثير من الشباب حملة الشهادات العليا الذين يعانون البطالة وعدم قدرتهم على تدبير المعيشة والزواج.. مشيرة إلى فيلم «عايز حقي»، الفيلم السياسي الكوميدي الذي لعب بطولته هاني رمزي وهند صبري.
ويحكي عن شاب جامعي يفشل في الحصول على عمل، فيضطر للعمل كسائق تاكسي، وخلال عمله يحاول تدبير تكاليف زواجه لكنه يفشل حتى أصرت أسرة خطيبته على فسخ الخطبة، لكنه مصادفة يجد كتيبًا به محتوى الدستور المصري، وحين اطلع عليه اكتشف أن له حقوقًا في البلد الذي يعيش فيه، ففكر أن يأخذ حقه، لكن يتم القبض عليه بتهم تخص الأمن القومي، لكنه يستطيع الحصول على توقيعات شعبية تؤهله للتصرف في ممتلكات مصر وبيعها.
وهذا الفيلم قد خلق جدلاً واسعًا في ظل معاناة المواطن من قسوة الظروف الاقتصادية من غياب للتنمية واستحواذ فئة محدودة على الثروة وعدم ضبط الأسعار، ومافيا الأراضي واللحوم والسلع التموينية.. كلها أسباب فرضتها سياسات مراكز القوى الخفية في البلاد، وإن كان البعض يعتقد أن الفيلم أجاب على تساؤلات محدودة، وأن العنصر الكوميدي خفف من وطأة قضية الفيلم إلا أنه طرح تساؤلات أخرى مهمة.


