27 عاماً بالتمام والكمال قضتها صاحبة لقب فيلاأقدم سجينة مصريةلالا، وسط جدران كئيبة، قاتمة، خانقة.. 27عاماً جعلت منها وسط هذا العالم الذي يدهس الأنوثة والصحة والشباب ويقتل الأحلام والطموحات والنزوات ..

فقدت الأمل في أن ترى النور يوماً وهي على قيد الحياة، لكن الأمل تحقق، وبالفعل صافحت عيناها للمرة الأولى منذ أكثر من ربع قرن وجوها غير وجوه السجينات، رأت شوارع لم تكن موجودة من قبل، سمعت عن مدن جديدة كانت في رحم الغيب.. اليوم وبعد أن وطأت قدماها طريق الحرية نسترجع مع نادية فؤاد أقدم نزيلة عرفتها السجون المصرية تفاصيل هذه السنوات، وما تفكر فيه فيما تبقى لها من عمر.. فإلى التفاصيل.وهم زائف قادها إلى أسوأ مصير، وهم اسمه الحب، فلم تكن تتصور في أبشع أحلامها أن يقودها قلبها وعواطفها إلى شيطان آدمي ارتدى عباءة «كيوبيد» ليسحق قلبها وعواطفها وأحلامها الغضة.

ويذيقها مرارة الظلم والسجن والحرمان لأكثر من 27 عاماً.. تسترجع نادية فؤاد التي تبلغ من العمر حاليا 59 عاماً، خطأ عمرها الذي قادها إلى أن تقضي نصف عمرها محاصرة بجدران سجن النساء بالقناطر الخيرية، خطأ واحد كان الحلقة الأولى في سلسلة من الأخطاء أدت بها إلى حياة أقرب إلى الأموات، خلف قضبان دهست أنوثتها ونضارتها، وكان هذا الخطأ هو الانسياق وراء عواطفها الغضة.

فقد طرق قلبها الذي لم يتعرف إلى الحب شيطان في صورة شاب، أعجبها وسامته وعذب كلامه، أمطر أذنيها بكلمات لم تعتدها أبداً، لعب على أوتار أنوثتها وعواطفها فرفعت الراية البيضاء معلنة تسليمه قلبها ليفعل به ما شاء ، وعند ذلك طالبها هذا الشيطان بالهرب معه بعد أن رفضه أهلها لسوء أخلاقه، ولأن عواطفها كانت أكبر من أي عقل، استمعت إلى نصيحته وودعت فجر أحد الأيام بيت أسرتها إلى الأبد، ليشكل هروبها بداية جديدة لطريق لا يعرف العودة.

وجه الشيطان

توقفت لحظة لتداري دمعات تسللت من بين جفنيها قبل أن تسترجع تفاصيل مأساتها، تلك المأساة التي كشفت لها الوجه الآخر للشاب الذي أحبته وتزوجته على غير رغبة أهلها، وجه الشيطان الذي قطع صلتها تمامًا بأشقائها وأهلها الذين جلبت لهم العار، والذي استغل حبها فأصبح يسيء معاملتها ويتطاول عليها بالسب والضرب لأتفه الأسباب، بعد أن أيقن ألا ملجأ لها غيره.

وهذا ما جعله يتمادى ويطلب منها النزول إلى سوق العمل، بينما لا شغل له إلا السهر مع أصدقاء السوء وتعاطي المخدرات، حتى تحول مسكن الزوجية إلى مرتع للعاطلين الذين يتوافدون وقتما شاءوا ليتعاطوا المخدرات والخمر مع زوجها، وعندما كان يفيض الكيل بها وتتجرأ على الاعتراض يكون جزاؤها ضرباً مبرحاً يدمي جسدها.

وظلت الحياة تسير على الوتيرة نفسها حتى فوجئت بزوجها يدخل متهلل الوجه، وهو يخبرها أنه وجد لها فرصة عمل في لبنان ستغير مجرى حياتهما تمامًا، ولم يكن بمقدورها إلا الموافقة، فذهبا إلى بيروت، كان ذلك في بداية سبعينيات القرن العشرين.

ولم يكن هذا العمل سوى مضيفة في إحدى الكافتيريات، كان هذا هو الستار ، أما ما وراء الستار الذي فوجئت بنفسها مجبرة عليه فكان توزيع المخدرات على رواد الكافتيريا، لاسيما أنها وجه جديد غير معروف للشرطة اللبنانية، وبالفعل نجحت في ذلك، وبدأت المكاسب الطائلة تنهال على الزوج وشريكه وكانت لا تأخذ إلا الفتات.

وكان من الممكن أن تستمر الأمور على وتيرتها لولا نشوب الحرب الأهلية بلبنان، وكانا في ذلك الوقت قد أنجبا ثلاثة أطفال وخشية أن يصيبهم مكروه قرر الزوج نقل نشاطه من بيروت إلى العراق، وهناك مارس الشيطان نشاطه هو وزوجته حتى ذاع صيته بين تجار المخدرات، وفي كل يوم كان نجمه يعلو عن سابقه في عالم السموم نظراً لدهائه وحيله الماكرة التي كانت تجنبه الوقوع في قبضة الشرطة لاسيما أنه كان يتخذ من زوجته واجهة لنشاطه الإجرامي.

ولم يكن من الممكن أن تستمر تجارة الشيطان إلى الأبد، ففي أحد الأيام أخبر نادية أنه يعد لصفقة العمر التي من الممكن أن يعتزلا نشاطهما بعدها ويعيشا آمنين، كانت تجارة المخدرات في مصر تشهد شحاً شديداً بسبب تضييق رجال مباحث مكافحة المخدرات على التجار بمصر وعلى منافذ تهريب السموم، حتى حدث تعطيش لسوق المخدرات، وزادت أسعارها إلى أرقام فلكية تعادل خمسة أضعاف ثمنها العالمي.

وقد سال لعاب الزوج الجشع لتلك الأرباح ناوياً غزو السوق المصرية بتجارته المحرمة، ولم يجد غير زوجته لنقل 4 كيلو جرامات من مخدر الهيروين إلى مصر، رفضت في بادئ الأمر تلك المخاطرة لمعرفتها بصرامة الإجراءات الأمنية على المنافذ، لكنه أجبرها على الاستجابة لأوامره، مؤكداً أنه سيخفي المخدر داخل كرتونة من الصيني حتى لا يشك أحد في أمرها.

رحلة السقوط

ودعت أولادها، لكنها لم تستطع أن تترك أصغرهم لأنه رضيع، فاصطحبته معها، وفي طريقها إلى مصر تعرفت في رحلتها على مسافرة مصرية توثقت علاقتهما، فطلبت نادية منها أن تساعدها وتأخذ كرتونة الصيني لأنها لا تتمكن من حملها لكثرة الأمتعة معها.

رحبت المسافرة بطيب خاطر بحمل الكرتونة وسط أغراضها، لتتفجر المفاجأة عند التفتيش، ابتعدت نادية حينما ظهر المستور، هربت من مسرح الأحداث دون أن تدري أنها ارتكبت خطأ أثناء حديثها مع ضحيتها، فقد أخبرتها بالعنوان الذي ستقيم فيه بمصر ظنًا منها أن الأمور ستسير على ما يرام، نسيت ذلك حتى فوجئت برجال الشرطة يقتحمون شقتها ويواجهونها بضحيتها، لم تستطع الصمود طويلاً.

ليس لثبوت الأدلة ضدها، إنما لأنها أحست أخيراً بضرورة وضع حد لآثامها، فضلاً عن عدم احتمالها دموع القهر والظلم في عيون المسافرة البريئة، فاعترفت تفصيليًا عن زوجها ونشاطه في السموم، لكن لم يكن لديها دليل يدينه، فحكم عليها بالسجن لمدة عشرين عاماً وغرامة قدرها 2 مليون جنيه.

أودع طفلها إحدى دور الرعاية الاجتماعية، بينما زُج بها إلى سجن القناطر، فقدت القدرة والرغبة في عد الأيام والشهور والسنين التي كانت تمضي كئيبة متشابهة لا يبدد ظلمتها سوى زيارات متباعدة بينها وبين طفلها الذي بدأت معالم الشباب تظهر عليه.

وكانت تحلم بأن يجتمع شمله مع إخوته الآخرين الذين تركتهم وراءها في العراق.. أفاقت في يوم من الأيام على أحد مسؤولي السجن يخبرها بانتهاء مدة سجنها وهي 20 عاماً، لكنها مطالبة بسداد مليوني جنيه غرامة حتى يمكنها الخروج، ولأنها لم تكن تمتلك جنيهاً واحداً من هذين المليونين ظلت حبيسة الأسوار القاتمة طوال سبعة أعوام أخرى دونما أمل في الخروج إلى الحرية.

النور أخيراً

لم تصدق نفسها أبداً، حينما طرقت السجانة زنزانتها، ولأول مرة رأت ابتسامة حنونة في وجه السجانة وهي تخبرها بجمع أغراضها.. ظنت نادية التي فقدت أي أمل في رؤية نور الحرية أنه سيتم نقلها إلى سجن آخر، أو زنزانة أخرى، إلا أن السجانة أضافت:

«مبروك، لن تصبحي أقدم سجينة بعد اليوم، سيفرج عنك صباح الغد».. لم تصدق «نادية» أذنيها، ظنت أنها تعيش لأول مرة في حياتها حلماً وهي التي تعودت طوال السنوات الماضية على الكوابيس، الكوابيس فقط، لكن كانت هذه هي الحقيقة، لم تذق للنوم طعماً في هذه الليلة، سهرت السجينات معها حتى الصباح يحتفلن بالإفراج عنها.

ويتنافسن على من سيحمل اللقب من بعدها، وبدورها تنازلت عن لقب «أقدم سجينة» عن طيب خاطر، لتبدأ رحلة جديدة في حياتها، رحلة الابن الذي صار شاباً في السابعة والعشرين من عمره، لا تدري كم من الوقت احتوته في حضنها بحرية، أحست بأمومتها المهدرة، أغرقته بدموعها كما أغرقها بدموعه..

كان النور الذي رأته لأول مرة بعد كل هذه السنوات دافعاً لاستعادة عائلتها، أو هكذا تتمنى، لقد قررت بداية الرحلة مجدداً، قررت البحث عن أبنائها الآخرين في بيروت وبغداد، وعلى الرغم من أنها لا تملك من حطام الدنيا ما يعينها على هذه الرحلة، فإنها ودعت اليأس إلى الأبد، وقررت طرق كل الأبواب حتى تصل إلى بقية أبنائها وتتعرف إلى مصائرهم بعد أكثر من 27 عاماً.

مواطنة صالحة

إلى ذلك، يؤكد اللواء أسامة أبو الهيثم مأمور سجن القناطر للنساء أن سياسة وزارة الداخلية المصرية تقوم على توفير المناخ الصحي لإعادة تقويم السجينة، وتأهيلها للعودة إلى مجتمعها مواطنة صالحة، متسلحة بإحدى المهن التي تعينها على فتح صفحة جديدة مع المجتمع، وطي صفحة الماضي تماما، لافتا إلى أن أقدم سجينة مصرية كانت مثالا للانضباط طوال فترة خدمته في سجن القناطر، ويؤكد سجلها أن لديها رغبة صادقة في أن تستكمل حياتها في الطريق الصحيح، وألا تعود أبدا إلى الطريق الذي قادها يوما إلى السجن.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية