قلَّما يكون كاتب الدراما مثقفًا وصاحبَ موقفٍ من قضايا مجتمعه، وقليلون من كاتبي السيناريو من يستطيعون أن يثيروا جدلا حول أفلامهم أو مسلسلاتهم، ومهما كان الاختلاف مع الكاتب والسيناريست وحيد حامد، فلا شك أن الشَّهادة في حقه لا تحتاج إلى اختلاف؛ لأن أعماله التي كانت وما زالت علامات سينمائية مصرية بارزة تدل على قيمته الكبيرة..

فهو كما يقولون ممن يحبون دخول المعارك الإيجابية التي يحارب فيها بالرأي والفن، عارضًا وجهة نظره ككاتب ومثقف؛ لذا يدخل في حزام الصراع مع جماعة الإخوان وفكرها بكتابته مسلسل «الجماعة»، مُعلنًا أن سبب خلافه الطويل مع الإخوان موقفه من مبدأ «الدولة الدينية» الذي تتبناه الجماعة..«الحواس الخمس» التقى الكاتب وحيد حامد في حوار مشتعل وقضايا شائكة.يبدأ وحيد حامد كلامه بقوله: ليس لدي دائمًا ما أكتبه، فأنا أعيش في حالة استرخاء كتابي وهدنة مؤقتة وواجبة، وأعتقد أن حالة الجمود هذه مهمة لأي كاتب لكي يجدد طاقاته إلى أن تزوره فكرة إبداعية تلح عليه في الظهور.و فكرة مسلسل «الجماعة» بدأت بداية عادية جدًا في العام 2006 أثناء قيام طلبة من جامعة الأزهر ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين بعمل ما يُسمى ب«العرض العسكري» داخل أسوار الجامعة، ما أثار ردود فعل غاضبة لدى أطياف سياسية عديدة، وقتها فكرت مثل أي مصري، وبدأت أجمع معلومات أكثر عن الإخوان، فبعد أن وصلت إلى هذا العمر وجدت نفسي لا أعلم الكثير عنهم، فأنا أعرف أن هناك جماعة تُدعى «الإخوان المسلمون».

ولكن ما هي؟ وما ماهيتها؟، فبحثت كثيرًا لأعرف عن الجماعة وأعرف الأجيال المقبلة ما للجماعة وما عليها، فبدأت في عمل المسلسل لعرضه على الجمهور، واستمرت كتابته أكثر من 3 أعوام، وبالتأكيد هذا أمر مستهلك لقوة أي كاتب، لكن ما يحزنني أن البعض رأى أن المسلسل مكتوب في الوقت الحالي من أجل تشويه صورة الإخوان وقت انتخابات مجلسي الشورى والشعب والرئاسة، وأدهش من هذا الظن السيئ الذي يحكم تفكيرنا؟

وأريد أن أعلن أن تاريخ المسلسل مقرر له رمضان المقبل منذ فترة، وأن زعم الإخوان المسلمين بأن المسلسل يهدف إلى تشويه صورة الإخوان باطل وليس هذا ما أقصده في العمل إطلاقًا، فأنا لست في عداء مع أحد، بل أنا في عداء مع كل ما يعكر صفو المجتمع المصري، ويتسبب في إيذاء المصريين في بلادهم، وبالتالي فأنا أختلف مع الحزب الوطني الحاكم في كثير من الأمور.

وأعتبره مُقصّرًا في مكافحة الفساد، وإيجاد حلول للشعب المصري، كما أنني مختلف مع أحزاب أخرى لا تقوم بدورها، ومختلف بالطبع مع الإخوان في الفكر وليس لي عداوة شخصية معهم، فنحن في خلاف فكري، وأظن هذا مشروعًا، فالجماعة في حالة خلاف دائمة مع الحزب الوطني والأحزاب الأخرى.

فلماذا يكرهون أن أختلف معهم، إنهم يريدون دولة دينية في مصر أو مرجعية دينية للحكم، وأنا أريد دولة مدنية للحفاظ على أمن هذا المجتمع الذي يعيش في سلام منذ مئات الأعوام، وأتناول هذا الموضوع بحيادية، وسأترك الجمهور يستقبل المسلسل ويحكم عليه دون تدخل مني.

ويضيف حامد حين كتبت مسلسل «العائلة» لم أتعرض للإخوان بل تعرضت للإرهاب الديني الذي مارسته جماعات مختلفة كالجهاد، وفكرة الشكل العام للممثلين من جلباب أبيض وذقن طويلة اختفى، فالإخوان اليوم بلا لحية، ويلبسون أفخم الثياب، أما عن الخلط بين الجماعات الإسلامية والإخوان، فهذه مشكلة المتلقي، فأنا لست مع أحد ضد أحد، وكل ما يهمني المواطن المصري، فقلمي ليس تابعًا لأي جهة، فلست عميلاً مثل آخرين يعيشون على أرض مصر ويقبضون من الخارج.

كما ان الإخوان لم يتبنوا قضية جوهرية للجماهير، وليس لهم أثر فعال في رفع ظلم مثلاً أو نشر تطور، فكل ما قاموا به أسئلة واستجوابات من أجل كلام فارغ وقضايا فارغة واستجواب من أجل برنامج تليفزيوني أو مطربة، إنهم يتميزون بالأصوات العالية دون تأثير، لكن أعتقد أن حركة تدعي الإصلاح يجب أن تقوم بما هو أهم من ذلك.

وحول اختيار الفنان إياد نصار للقيام بدور حسن البنّا يقول حامد:تم اختيار إياد نصّار؛ لأنه ممثل موهوب ومثقف، والمثقف هذه أهم شيء، فالممثل ليس ببغاء يردّد ما يُقال دون وعي بطبيعة الشخصية، وأعتقد أن إياد نصار سيكون مفاجأة للجميع في مسلسل الجماعة.

وعن المعلومات التي استند عليها في كتابته يوضح بقوله : بالطبع ليست مصادر شخصية، فالزعماء والقادة والمفكرون والشخصيات العامة ليسو ملكًا للورثة، لكنهم ملك لشعوبهم، سواء فعلوا خيرًا أو شرًا، فالإرث الشخصي ممتلكات وأموال وليس شخصية وتاريخًا، وقد استعنت بمراجع لا حصر لها وأبحاث قام بها أساتذة متخصصون، لكني أركز على اختلاف الإخوان أنفسهم في الكتابة عن أنفسهم.

فهناك وقائع عدة رويت بأكثر من رواية، كما أنني لم أحصل على وثائق وأبحاث من خصوم الإخوان، بل اعتمدت على كتابات الإخوان؛ لأن شهادة خصوم الإخوان مجروحة، وما ذكره الإخوان عن أنفسهم فيه الكفاية، وبذلك لا ألغي عقل المشاهد أو أوجهه، فالدين الإسلامي نزل تحت شعار «لا إكراه في الدين»..

وأنا لا أريد أن أجبر أحدًا على موقف من خلال دراما أقدمها، فقد توخيت الحذر وحاولت أن أكون محايدًا بقدر المستطاع، لكني لا أنكر أنني أخوض حربًا درامية مع فكرة الدولة الدينية التي يتبناها الإخوان.

ونفى تهمة الإلحاد عنه بقوله : لقد نشأت في مجتمع سوي لم تلوثه الأفكار المتطرفة ولا الأفكار الإلحادية، ولكن كان مجتمعًا تحكمه وسطية الإسلام ورؤية حضارية، كما أنني تلقيت دروسًا من خلال القراءة لكبار الكتاب أمثال توفيق الحكيم، طه حسين، العقاد، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وليس لدي أفكار إلحادية وأرفض اتهامي بهذه التهم وأؤكد على أن الدين قابل للنقاش في كل عصر، فهو مادة حية وصالحة لكل زمان.

وعن قضايا الأقباط في مصر وكيف السبيل إلى حلها يقول : مع احترامي الكامل للكنيسة واحترامي البالغ للقضاء، إلا أنني أرى أن يبتعد القضاء عن التعرّض للقضايا الدينية؛ لأن ذلك أمر خطير على الوحدة الوطنية في مصر، فتدخل القضاء في الدين الإسلامي أو المسيحي تهديد خطير لمصر وأمنها، وأخيرًا تابعنا الحكم الصادر من القضاء المصري بشأن الزواج الثاني للأقباط وأعتقد أن الأمر لن يقف عند هذا الحد ما لم يتدخل الرئيس في الأمر.

كما أنني ألفت النظر إلى من ينادون بطلب «كوتة» أو نسبة ثابتة للأقباط في مجلس الشعب المصري، وأرى أن هذا الأمر مُهين للأقباط، فالأفضل والمنطقي أن يخوضوا الانتخابات بشكل نزيه وحر، فلا فرق بينهم وبين أي مواطن مصري في أي شيء.

ويصف حامد أداء المعارضة ومنظمات المجتمع المدني في مصر بقوله:أراها أعظم ديكور ديمقراطي في مصر، فكل أحزاب المعارضة «تخبّط» في الحكومة بشكل الأدوار المكتوبة مسبقًا والمتفق عليها، فلدينا في مصر 24 حزبًا لا أتذكر منهم سوى الوفد والتجمع والناصري والأحرار.

ولا أعلم الباقي حتى ولو بالاسم، وقد فرحت بانتخابات حزب الوفد الأخيرة، فقد كانت مثالا للديمقراطية الحقيقية، فهو حزب عريق وله جذور، وللعلم أنا غير متحزب، أي أنني لا أنتمي إلى أي حزب.

ونفى ان يكون قد كتب عملا بشكل مفصل لعادل إمام، ويوضح قائلا: فكل الأفلام التي كتبتها ومثَّلها عادل إمام عرضتها عليه وقد قبلها، لكنها غير مكتوبة له من الأصل ولا لأحد بعينه، ولو أصبح لديَّ نص يصلح لعادل سأذهب وأعرضه عليه.

وحول علاقته بأسامة انور عكاشة يقول :انه من جيلي، وقد كان وجود هذا الرجل دافعًا للدراما التليفزيونية، فقد جعل الكلمة شرفًا وعِرضًا، ولم يتاجر بقضايا هذا الوطن، ونحن حين نودع أسامة فنحن نودع قيمة ثقافية كبرى، لكن هذه هي الحياة، ولا بد أن نقبلها بحلوها ومرّها، وعزاؤنا الوحيد أن هناك من تعلموا من أسامة أنور عكاشة معنى أن تكون مسؤولا عما تكتب.