لم يكن في مسلسل «أسمهان» إلا مُحضِّرًا لروح شقيقها الراحل فريد الأطرش، ونجح في تحضيرها بشكل لافت للنظر ساعده على ذلك التقارب الكبير بين ملامحه وملامح فريد، لكنه قرّر الخروج من أضواء ونجاح الدور إلى آفاق أرحب، متمردًا على التصاقه بشخصية واحدة، وقد تلقَّى بحذر شديد ترشيح المخرجة إنعام محمد علي له ليجسّد دور البطولة في مسلسل «رجل من هذا الزمان» الذي يحكي سيرة العالم المصري الراحل د. علي مصطفى مشرَّفة.

إنه الفنان أحمد شاكر عبد اللطيف، الذي يرتدي عباءة جديدة عليه هي عباءة العلماء، فأعلن احتشاده لشخصية مشرَّفة من خلال التركيز على جمع كل المعلومات الممكنة حول شخصية العالم المجهولة للكثيرين، الأمر الذي دعاه إلى الانكفاء المتواصل على الكتب ومراسلة كثير من الجهات التي عمل فيها الراحل لالتقاط أي تفصيلة مهما كانت صغيرة حول حياته وأعماله، وفي الوقت نفسه يستعد للمشاركة في فيلم كوميدي اجتماعي يقوم فيه بدور البطولة لأول مرة.لم يخشَ الفنان أحمد شاكر، بعد رصيد جيد من أعمال السيرة التليفزيونية، أن يقال عنه إنه ممثل السير الذاتية فقط، بل أكد أنه لا يوافق على أي عمل إلا إذا كان مقتنعًا به؛ لذا فإنه يقبل تجسيد أدوار في مسلسلات السير؛ لأنها أدوار صعبة وتحتاج إلى ممثل من فصيلة خاصة، وألمح شاكر إلى شخصية الدكتور مشرَّفة، وصعوبتها التي تتمثل في ندرة المعلومات المتوفرة عنها.

وأكد أننا فقط نعرف أنه عالم شهير في مجال أبحاث الرياضيات والذرة والفلسفة، لكن كثيرًا من حياته العلمية والخاصة دخل في علم الغيب، ونحن نحاول أن نتوصل إلى أي مصدر سواء من أسرته أو من جهات عمل بها داخل أو خارج مصر لنخرج العمل أشبه بالتام.وأشار إلى أنه ينكب منذ فترة على مذاكرة الكتب المرتبطة بالعلوم التي تخصَّص فيها مشرَّفة.. موضحًا أن المسلسل يركّز على الدور العلمي والإنجازات بعيدًا عن التفاصيل الشخصية حتى تلك المتعلقة بقضية موته التي شغلت الناس كثيرًا، خاصة أنه مات في عمر مبكر، لكن شاكر عاد وأكد أن غياب المعلومات جعلنا نركّز على طرح الموضوع بشكل آخر.خاصة أن علوم الذرة بعد الحرب العالمية الثانية تطورت بشكل كبير، وهي قضية مهمة في عصرنا الحالي؛ لذا لم يكن اختيار الدكتور مشرفة عبثيًا في هذا التوقيت الذي تُثار فيه أقاويل عن قوى نووية وحروب علمية نحن أبعد ما نكون عن امتلاك أسلحتها، وهذا ما نهتم به أكثر من أسباب موته التي لن تفيد الأجيال الحالية في شيء.

وقد أشاد شاكر بالكتابة المتميزة للسيناريست محمد السيد عيد؛ حيث يقدم أول دراما علمية عربية على الإطلاق من خلال «رجل من هذا الزمان».. مشيرًا إلى أن كاتب المسلسل فضل أن يتناول حياة مشرَّفة منذ حصوله على الدكتوراه وحتى وفاته.

وهذه الفترة تمثل 30 عامًا تفتحت فيها عبقرية الرجل، وأدى دورًا علميًا على المستويين المحلي والعالمي، ولمن لا يعرف، يقول شاكر: «إن أينشتاين، صاحب النظرية النسبية الشهير، وصف مشرَّفة بأنه واحد من أعظم علماء الفيزياء».

وأضاف أنه اقترب من التخصّص في الأدوار التاريخية، ويشعر بسعادة حين يتصدى لأي شخصية من الماضي؛ لأن مثل هذه الشخصيات تتطلب - حسب قوله - أمانة علمية وفنية من الممثل، بالإضافة إلى مسؤولية كبيرة أمام الأجيال عن طرح الشخصيات بحيادية، فالجمهور العربي حاليًا متعطش للتعرّف إلى رموزه من خلال الفن.

الأمر الذي يحوّل الدراما إلى سلاح مدمر في يد من يجهل ما سيترتب على عمله من أفكار.. وأوضح أن أسرة مسلسل «رجل من هذا الزمان» لا تمدح مشرَّفة بقدر ما تستثمر قيمته كوسيلة لطرح قضايا كبرى مثل الاهتمام بالعلم والعلماء.

وكان السؤال الذي راود كثيرين متعلقًا بأجره بعد وصوله إلى مرتبة النجوم، فعلَّق قائلا: ليس هدفي جمع الأموال من الفن، لكن بالتأكيد أفكر في أن يُقدر دوري بالشكل اللائق، وأيضًا بما يتناسب مع نجاحاتي السابقة، فلا يمكن أن أتعامل بمثاليات بعيدًا عن أرض الواقع، فالأجر أحد المعايير المهمة في تقييم أي فنان، لكنه بالنسبة لي آخر بند في الكلام حول العمل، وفي الغالب لا أختلف مع الجهات الإنتاجية حول أجري.

وألمح شاكر إلى المسؤولية الكبيرة التي تُلقى على عاتق بطل العمل، الذي لا يسلم من سكين النقد إذا لم يحملها جيدًا؛ لذا فإن البطولة - حسب رأيه - عبءٌ ثقيل، وبقدر ما تُقدَّر ماديًا فهي ظالمة للفنان، يضيف شاكر: إننا كعاملين في مجال التمثيل لا نمتلك إلا الامتثال لما يُوجه لنا من نقد، فنستمع إلى المدح ونعتبره شهادة نجاح نحتاج إلى تجديدها كل فترة، ونتحمل أيضًا رصد سلبياتنا حتى لو بشكل قاسٍ؛ لكي نتعلم من أخطائنا ونراجع أنفسنا.

وصرّح شاكر بأن كل من يقول إنه لا يلتفت إلى النقد مخطئ في حق نفسه وفنه، مُحمّلا نفسه مسؤولية الاستماع إلى كل من له رأي في العمل حتى لو كان ناقدًا غير متخصص.

وحول ما إذا كانت أعمال السير التليفزيونية ستحتكره وتبعده بشكل إجباري عن السينما التي طالما حلم بها، أكد شاكر أن أهم نجوم السينما في عصرنا خرجوا من رحم التليفزيون، كما أن الشاشة الصغيرة صارت لها جماهيرية أكبر من السينما بعد عصر الفضائيات؛ لذا فإن معايير النجومية اختلفت في هذا الزمن، غير أنه عاد وأشار إلى أنه يفضّل السير بخطى السلحفاة الهادئة، فهو لا يتعجل أدوار البطولة سواء في السينما أو التليفزيون؛ لأن النجاح لا يأتي بسرعة.

وبسؤاله عن أسباب ابتعاده عن مشروعات سينمائية أو مسرحية، رد قائلاً: لست بعيدًا عن المسرح؛ حيث قدمت أول عمل مسرحي قبل 13 عامًا، وهو مسرحية «الجنزير» للكاتب محمد سلماوي، وإخراج جلال الشرقاوي، وحصلت على جائزة عنها.

وشاركت في البطولة مع الفنانين عبدالمنعم مدبولي وماجدة الخطيب ووائل نور، ولكن للأسف أشعر أن المسرح يعاني من مشكلة عدم وجود نصوص جيدة، كما يعاني أزمات إنتاجية كثيرة، أما السينما فأنا أستعد بمفاجأة كبرى؛ حيث أشارك في كتابة فيلم كوميدي اجتماعي هذه الأيام مع السيناريست هاني أبوالنجا، سأكون به بطلا سينمائيا لأول مرة.

واتفق شاكر مع الآراء التي تؤكد أن السينما المصرية تعيش أزمة متعددة الجوانب.. مشيرًا إلى حالة التدهور الأخلاقي للسينما، بعد أن كانت ملاذًا للأسر كبوابة ترفيهية وتثقيفية، إلا أنه أعلن أسفه من الألفاظ المبتذلة غير اللائقة التي انتقلت إلى شاشة السينما على يد السينمائيين الجدد الذين يعتقدون أن هذا هو التجديد وهذه هي الواقعية.

ودعا المنتجين المصريين إلى أن يراعوا فيما يقدمونه للأجيال السلوكيات المهذبة، وهذا في رأيه لا يمنع تقديم قضية رأي عام، لكن المهم اختيار الوسيلة الفنية التي تحقق ذلك، أما أفلام بلا موضوع أو هدف فهي أشبه بالهواء الفاسد الذي نستنشقه رغمًا عنا لكي يؤذينا.