كلينت ايستوود فنان هوليوودي من الزمن الجميل، يطل علينا كل فترة بفيلم ليذكرنا بمعان وقيم نبيلة كادت تتلاشى في خضم الصراع المجنون من أجل الماديات، ويعد بحق واحداً من آخر جيل العمالقة الذين صنعوا تاريخ السينما في العالم وأكدوا مجدها.
احتفل منذ أسابيع قليلة بعيد ميلاده الثمانين الذي صاحب استمرار إبداعه الفني من خلال إخراجه عملا جديدا حمل عنوان »الآخرة ـ Hereafter« كتب له السيناريو والحوار بيتر مورجان، وتدور أحداثه في إطار من الإثارة والتشويق عن ثلاثة رجال (أميركي ارستقراطي، وصحافي فرنسي.وطالب مدرسي انجليزي) يواجهون الموت بطرق مختلفة، ويقوم ببطولته مات ديمون الذي عمل معه سابقا في فيلم »إنفكتوس«، ومن المقرر عرض هذا الفيلم في أكتوبر المقبل.استطاع كلينت ايستوود طوال رحلته السينمائية أن ينجح في اكتساب لقب الفنان الشامل بمعناه الحقيقي بعد أن جمع في حياته الفنية بين عمله كممثل ومخرج ومنتج ومؤلف، ليصبح من أكثر نجوم السينما الأميركية موهبة وشعبية وإبداعا وحصدا للجوائز.حيث اقتنص جائزة الأوسكار أربع مرات إلى جانب حصوله على 109 جوائز أخرى، إضافة إلى 71 ترشيحا لجوائز مختلفة، حتى أطلق عليه لقب »صائد الجوائز«، ويكفي أن قائمة أهم مئة فيلم في تاريخ السينما تتضمن عملا له وهو »لن أتسامح«.
وما يميز ايستوود عن غيره من مخرجي جيله انه استطاع الحفاظ على الشعبية والجماهيرية الطاغية المعروفة عنه منذ السنوات الأولى لنجوميته وحتى وقتنا هذا من دون أن يتأثر بظهور مخرجين أصغر منه من بعده.
وتعتبر قصة حياة كلينت ايستوود خير دليل على انه ليس إنسانا عاديا دخل عالم السينما بطريقة تقليدية، حيث بدأ حياته المهنية كمدرب للسباحة ومنقذ على حمامات السباحة، تاركا دراسته للموسيقى والاقتصاد لينتقل بعدها إلى لوس انجليس في الخامسة والعشرين من عمره.
وهناك كان يعمل صباحا كمشرف على إحدى البنايات السكنية في (بفرلي هيلز) بينما يعمل في الليل عاملا في محطة وقود، وفي بعض الأحيان كان يضطر للعمل في مواقع بناء حمامات السباحة لتوفير نفقات الحياة اليومية.
وفي منتصف الخمسينات، وتحديدا عام 1954، بدأ حبه للسينما ورغبته في اختراق أبواب هوليوود يظهر تدريجيا، فخضع لعدد من اختبارات الأداء الأولية، ولكنه فشل فيها جميعا، وكانت معظم الانتقادات تتركز علي طريقة إلقائه؛ حيث تم انتقاده بسبب صوته الخافت، وكذلك رأى البعض أن أداءه التمثيلي بارد وغير مرن.
وفي عام 1959 نجح في الحصول على دور بمسلسل تلفزيوني واستمر يشارك به مدة ستة أعوام رغم أن العمل به كان شديد الإرهاق، حيث كان التصوير يستغرق 12 ساعة يوميا لمدة ستة أيام في الأسبوع.
عام 1963 عرض عليه المشاركة في مسلسل اسباني الإنتاج للمخرج المغمور وقتها سيرجيو ليون، وقد رفض ذلك الدور قبله عدد من الأسماء الكبيرة التي رشحت له بسبب انخفاض الأجر المدفوع، وكان من بين تلك الأسماء ريتشارد هاريسون وهنري فوندا، ورغم أن المخرج لم يكن مقتنعا بإمكانات كلينت التمثيلية إلا انه اضطر لمنحه الدور لعدم موافقة الآخرين عليه.
ومن خلال ذلك العمل نجح ايستوود في نقل نفسه من مرحلة الممثل المغمور الذي لا يظهر باسم معين في الأعمال المشارك بها إلى نجم واعد في سينما الغرب الأميركي، وخاصة بعد تقديمه لفيلم »الشرير والقبيح« عام 1966.
ليتربع بعد ذلك على عرش مشاهير الكاوبوي أو أفلام رعاة البقر في هوليوود من دون منازع ويصبح رمزا لأفلام الغرب الأميركي التي دفعت به نحو النجومية في منتصف الستينات من القرن الماضي.
بعدها يتجه لتجسيد شخصية الشرطي الصارم الخشن الطباع والحاد الذكاء ليصبح من اقوى النجوم الذين نجحوا في تقديم تلك الشخصية في تاريخ السينما، ويعد فيلم »تأثير مفاجئ« من أشهر أفلامه التي ظهر فيها كشرطي محنك.
ويعتبر فيلمه »فتاة المليون دولار« من اقوى أفلام ايستوود التي نجح في تحقيق نجاح نقدي وجماهيري خارق، فلم تتجاوز ميزانية إنتاج ذلك الفيلم 30 مليون دولار، وتم تصويره في شهر وبضعة أيام ليحتل بعد عرضه قمة الإيرادات سواء داخل أميركا أو خارجها، حيث تم عرضه لمدة ستة أشهر ونصف الشهر جنى خلالها إيرادات وصلت إلى 217 مليون دولار.
ولم يقتصر نجاحه على الإيرادات فحسب، ولكنه نجح في اقتناص سبعة ترشيحات في سباق الأوسكار عام 2004، حصل منها على أربع جوائز، من بينها أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل ممثلة كما حاز علي جائزة الغولدن غلوب لأفضل إخراج، ليحصل ايستوود بعدها على لقب صانع التحف السينمائية.
وخلال متابعة رحلة ايستوود الفنية يمكن ملاحظة انه قدم أحسن أفلامه مع تقدمه في العمر مثل »فتاة المليون دولار« و»غران تورينو«، يضاف إلى ذلك أنه منذ عام 1971 ظل يجرب ويقدم أفلاما عالية الجودة مثل »عصفور« و»صياد ابيض« و»قلب اسود«.
وأفلاما سيئة وكوميدية مثل »برونكو بيلي« و»كاوبوي الفضاء«، وأفلاما عاطفية مثل »رجل الحانة« و»استبدال« للنجمة أنجلينا جولي و»إنفيكتوس« عن حياة نيلسون مانديلا، وملاحم مثل »رايات أجدادنا«، كما اخذ نصوصا وعمل أفلاما جميلة مثل »النهر الغامض«، واخذ نصوصا سيئة وصنع أفلاما عظيمة مثل »جسور مقاطعة ماديسون«.
وتبدو حياة ايستوود في الإخراج سريعة، وأحيانا بطيئة، وكأنه افرغ ما في جعبته، فأفلامه »منتصف الليل في الحديقة« و»الطيب والشرير« و»جرائم حقيقية« و»عمل الدم« جاء الواحد منها بعد الآخر، ثم جاءت فترة راحة طويلة، وظهرت بعدها أفلام أخرى مثل »النهر الغامض« و»بنت المليون دولار«.
وفي قراءة الأفلام السيئة التي عملها ايستوود تظل قليلة، سواء أخرجها أو مثل فيها، واهم ميزة في أفلامه هي تجنبها العمق الفلسفي وموضوعاتها التي تدور حول أبطال صغار يواجهون العالم.
وعلى الرغم من محافظته فقد قدم داخل أعماله وجهتي النظر اليسارية واليمينية، مركزا موضوعات أفلامه حول انه لا يمكن الوثوق بالحكومة، وأن الشرطة فاسدة وقاسية، كما عارض الحرب الكورية وفيتنام وحرب العراق ،ورفض استخدام أميركا لقوتها كي تكون شرطي العالم.
وعلى الرغم من عضويته في الحزب الجمهوري في الخمسينات حيث سجل فيه لكي يصوت لإيزنهاور إلا انه دعم اليمين واليسار وانتقد ريغان، ويصف نفسه بأنه مؤيد للحرية ويعارض تدخل الدولة ويؤيد حماية القطاع الخاص، ويقدم صورة عن أميركا في أفلامه للعالم يتقبلها الأميركيون أنفسهم.
وفي النهاية يظل ايستوود شخصية نادرة محافظة يعمل بصمت وينتج، فهو في النهاية كما يحب الكثيرون وصفه »ذخر للبلاد« وموهبة تعمل بجد لم تفقد الهمة والنشاط، حتى إنه يقال (قد يغفر الأميركيون لك إلحادك وشيوعيتك، لكنهم لا يتسامحون مع كرهك لكلينت إيستوود).
سيرة
ولد كلينت ايستوود في 31 مايو 1930 في سان فرنسيسكو كاليفورنيا لأب كان يعمل في صناعة الصلب وعامل مهاجر وأم كانت تعمل في مصنع، وتعود عائلته إلى أصول ايرلندية واسكتلندية وهولندية وانجليزية، نشأ في ظل عائلة بروتستانتية من الطبقة المتوسطة.
وتميزت حياة عائلته بالترحال الدائم بسبب ظروف عمل والده، واستقرت بعد ذلك في بيدمونت ـ كاليفورنيا حيث درس في مدرستها الثانوية، وبعدها انتقل للمدرسة الفنية الثانوية في أوكلاند حيث شجعه أستاذ مادة الدراما للمشاركة في مسرحية ولكنه لم يعبر عن اهتمام وفضل العمل في عدد من الوظائف لكسب المال، له خمس أولاد من سبع زيجات سابقة.
دبي - أسامة عسل

