في التوقيت نفسه من كل سنة يقيم سكان مدينة الهوارية التونسية إحتفالات فنية مبهرة ،وسهرات وسط المدينة،حيث تزيّن البيوت والشوارع بالأعلام وصور الطيور،وتتلون جدران المدينة بألوان زاهية.
والمناسبة ليست زف عروس إلى عريسها بل المناسبة هي إطلاق سراح طيور الساف لتستقر في الطبيعة، فقبل أيام قلائل أختتم مهرجان «الساف» بمدينة الهوارية 120 كيلو مترا شرق العاصمة التونسية في دورته 44.وتميز المهرجان الذي تواصلت فعالياته أربعة أيام بحضور قوي ولافت للطيور الجارحة وهي طيور «الساف»و«البرني»،حيث استعرض أصحاب الطيور أو «البيازرة» كما يٌطلق عليهم،طيورهم الجارحة،في إحتفالية ضخمة أشرف عليها وزير البيئة والتنمية المستديمة نذير حمادة.المهرجان يمتلك عدة خصوصيات منها ، أنه أصبح يمثل لأهل مدينة الهوارية عرساً يحيونه كل سنة بشغف وحب . «الحواس الخمس» واكب فعاليات ختامه والذي تم فيه إطلاق طيور الساف إلى الطبيعة،وخلال تجولنا بين «البيازرة» الذين يحملون طيورهم عاليا،ساورتنا العديد من الأسئلة التي حملناها بداية إلى رئيس الجمعية ..
بيازرة
يقول رئيس جمعية نادي البيازرة الشادلي الجليدي: نطلق كلمة البيازرة على مربي الطيور الجارحة بصفة عامة، والكلمة فارسية مأخوذة من كلمة الباز وهو طائر الساف،والجمعية تظم أكثر من 500 بياز، من مدينة الهوارية والمدن المجاورة.
وقد أنشأنا الجمعية حتى نشجع الصيادين على تربية طيور الساف المهددة بالإنقراض، ونقوم بإجراء مسابقة للطيور في هذا الشهر يونيو من كل سنة حتى نطلق طيور الساف التي تم اصطيادها العام الماضي لتعود إلى الطبيعة وتتزاوج بشكل طبيعي ،كما نسلّم صاحب الطير الفائز جائزة نقدية بسيطة،من باب التشجيع وقيمة الجائزة معنوية أكثر مما هي مادية.
الساف والبرني
وحول الفرق بين طائر البرني وطائر الساف يقول الجليدي:الاثنان يعتبران من فصيلة الصقور الجارحة ،طائر البرني كبير الحجم،قوي البنية،حاد الذكاء،يرى فريسته على بعد مسافات طويلة ،أي قرابة عشر مرات أكثر من الإنسان،وهو أسرع من طير الساف.
وتبلغ مسافة نزلته لاصطياد الفريسة 260 كيلو مترا في الساعة، ويٌعتبر طير البرني رمزا من رموز تونس، مع العلم أننا نمكن البيازرة من الإحتفاظ بطائر البرني وتربيته، ونفرض عليهم إطلاق سراح طائر الساف فقط.
أما طائر الساف والذي سمي المهرجان على اسمه، فهو يتميز بحجمه الصغير وعيونه الصفراء وشموخ وقفته، ورشاقة حركاته، والساف من فصيلة الصقور ويبلغ طوله نحو 38 سنتيمترا وهو قصير الذيل ولونه رمادي مائل للزرقة في أعلاه مع سواد في قمة رأسه.
وللساف خصائص ينفرد بها عن غيره من الجوارح من ذلك سرعة انقضاضه على الأرانب والطيور حتى قيل عنه إنه أسرع من السهم وقد ضرب به المثل في سرعته،وهو طائر مهدد بالإنقراض عالمياً،بسبب الصيد العشوائي له.
كما أنه طائر مستأنس أي من السهل أن يحلق فوق المدن ويعشش في التلال والجبال المحيطة في تلك المدن مما سهل من عملية صيده،ونقوم في هذا المهرجان من تمكين الصيادين من فراخ الساف حتى يربونها ثم يطلقون سراحها نحو البراري خلال المهرجان، وبتغير اسم طائر الساف عندما يبلغ السنتين من العمر،حيث يطلق عليه البيازرة اسم «القرناص».
وحول كيفية صيد الفراخ يقول الجليدي: الموقع الإستراتيجي لمدينة الهوارية المليئة بالكهوف والمغاور،تستقطب الكثير من أنواع الطيور المهاجرة وخاصة الكواسر،ونصطاد طيور الساف بطريقتين الأولى تقليدية تعرف ب النصابة وذلك باعتماد الشباك المتحركة في أعالي جبال الهوارية وبمواقع قديمة لا تزال إلى اليوم باعتبار خصوصياتها من أفضل النقاط لاصطياد الساف، أما الطريقة الثانية فتسمى الغزول إذ تنصب الشباك وسط الغابة حيث يبحث الساف عن طرائده.
وعادة ما يستقطب المهرجان مشاركين وضيوفا من تونس وخارجها، والدورات السابقة شهدت حضورا عربيا لافتا من دول الخليج العربي وخاصة من، المملكة العربية السعودية، قطر و الإمارات العربية المتحدة ،ولكن تم منع مشاركة الكثير من البيازرة في هذه الدورة، وحول السبب يقول الجليدي: كثرة الأمراض هي التي جعلتنا نعتذر من أخواننا في الخليج العربي خوفا من عدوى الطيور.
ومن ناحية أخرى خوفنا من أن يتم التزاوج بين طيورنا الأصيلة وطيور الخليج القادمة من باكستان وأفغانستان،كما أنهم هناك تعودوا على الصيد بسيارات الدفع الرباعي،ونحن نصطاد هنا بطرق بدائية لنحافظ على خصوصية المكان والتراث،كما هدفنا هو المحافظة على طيور الساف والبرني والحبارة التي يعد صيدها ممنوعا في تونس والمخالف قد يواجه عقوبة السجن،لأن الحباري مهددة عالميا بالانقراض،ومع ذلك لايزال الأخوة في الخليج يصطادونها.
الطير شرف لا نبيعه
رد فاجأنا به البازر داوود عتيق،حينما سألناه عن القيمة المادية لطيره «ياسمين» وهي من نوع الساف،وأضاف: لا توجد قيمة مادية للطير لأنه لا يقدر بثمن ،وهو لا يباع ولا يشترى،لأنه يُعد مثل الشرف.
والجمعية تسمح لنا بصيد طائر واحد خلال موسم الصيد،و نتعهد للجمعية بتربيته ورعايته حتى يبلغ العام ومن ثم نجتمع في المهرجان لنطلق سراحه، هي فرحة معجونة بغصة فنحن بمجرد أن نتعود على الطير، نضطر لإطلاقه، ونحن بذلك نقوم بالمحافظة على الثروة الطبيعية والبيئية.
وعن كيفية تحضير الطير للمنافسة يقول عتيق:نقوم في البداية بتجويع الطائر لمدة يوم واحد،ومن ثم نطلق الحمامة أو الطير الذي يُعتبر فريسة للطائر،ونطلق طيرنا بعده مباشرة ،ونشاهد عملية الصيد،و نختبر حينها قوة الطائر ومدى قدرته على القنص والتركيز على الفريسة وقوة الإندفاع نحوها.
ملك جمال المهرجان
هو أجمل طائر في المنافسة،كبير الحجم،حاد النظرة،ورشيق القوام،يعتبر نجم المهرجان عن جدارة،صاحب الطائر هو وحيد المعموري يقول عنه: طيري من نوع «البرني» وعمره عشر سنوات،تربى مع بناتي الثلاث وأعتبره ابني الرابع،فبمجرد رجوعي إلى البيت أطلقه ليتمشى ويلعب ويطير في أرجاء المكان دون قيود،وهو غير مؤذي أبدا حتى عندما يجوع لا يضر .
و أنا حريص على توفير الطعام الخاص به قبل حرصي على إطعام بناتي الثلاث،وطيري يفوز كل سنة بالميدالية الذهبية،وقد أصبح حديث المدينة كلها ،لأنه يُعد الأجمل و الأقوى،حتى أن أصدقائي ينادوني باسم أبو البرني نسبة لنوع الطير.
كما يعتبر المعموري نفسه اختصاصيا في ترويض الطيور،ويضيف: لا يستطيع أي إنسان ترويض الطير الجارح،فنحن نقوم بتعليم أبنائنا كيفية الصيد والترويض والمحافظة على الطير وهي الطريقة التي ورثناها عن أجدادنا.
وتختص مدينة الهوارية بصياديها المحترفين،حيث توارثنا تقنيات للصيد لا تجدها في العالم الخارجي،إذ أننا لانزال نستعمل أساليب بدائية ذكية حتى نحافظ على الطبيعة من حولنا وعلى خصوصية الصيد،لأنه أصبح من عادات وتقاليد المدينة.
وحول خصوصية الطيور الجارحة يقول المعموري: الطيور الجارحة ليست شرسة،عندما تروض وتتعود بصاحبها،ولأننا ورثنا عادة الترويض من أهالينا لم تعد تمثل لدينا شراسة الطير أي عائق.
طويت الصفحة ال 44 من فعاليات المهرجان،وسط اعجاب البعض وتصفيق الأخر وغصة في قلب البيازرة الذين تخلوا عن طيورهم من نوع «الساف»،على أمل الحصول على طيور أخرى يعيدون معها نفس التجربة في السنة المقبلة .
إضاءة
فعاليات المهرجان لا تقتصر على إطلاق سراح طائر الساف فقط، بل تضم عروضا فنية وسهرات شعرية يتغزل فيها الشعراء بالصقور، ومعرضا للوحات الفنية والصور التي ألتقطت لبيازرة منذ خمسينيات القرن الماضي،كما تتاح الفرصة للأطفال لالتقاط الصور مع الصقور الجارحة المشاركة.
تونس - ضحى السعفي

