نجوم سوريون يرفعون أجورهم، وآخرون يطالبون برفع أجورهم، والبعض يبحث عن فرصة متناسيا موضوع الأجر ولو جزئيا، متناقضات غريبة تدور في كواليس الدراما السورية دون أن يبدو أن لأحد مصلحة في أن يضعها فوق الطاولة للنقاش.
ربما لأن التسويات التي تجري في مفاوضات تحت الطاولة هي الأسهل بين الممثلين والجهات المنتجة، مادامت تجري على مبدأ (نرضي من بحاجة له في هذا العمل شريطة أن لا علاقة له بما يأخذه غيره من الممثلين) الأمر الذي يفتح باباً جديداً للنقاش، فمبدأ (أنا ومن بعدي الطوفان).الذي بدأنا نشهده في تقرير أجور الفنانين يثير أسئلة جديدة ترتبط هذه المرة بمجموعة من القيم والأخلاقيات الفنية قبل الحديث عن أسعار السوق الدرامي، والبحث فيمن يحدد أصلاً إذا كان هذا الأجر مرتفعاً، أو منطقياً، ولاسيما إذا ما قيس بميزانيات الأعمال الدرامية والتي يجمع كثيرون على أنها لا تزال في الحد الأدنى.بكل الأحوال سيبدو مثيراً للاستغراب أن يطرح موضوع ارتفاع أجور الفنانين لا كمسألة مادية لها علاقة بلوائح وتصنيفات نفتقد لها في الوسط الدرامي السوري، وإنما تبدو بكونها مشكلة مادية- أخلاقية، ذات مضامين ضبابية ومطاطة يتم وضعها على مقياس حاجة المنتجين لهذا الفنان أو ذاك، فالبعض من المنتجين يرونه أمراً لا مفر منه أمام نجومٍ تمثيل لا يمكن استبادلهم بآخرين.
ولاسيما إن كانوا مطلوبين بالاسم من قبل الجهات العارضة، وعندها سيعطى النجم ما يريد من أجر، ولكن مقدار الزيادة التي سيأخذها بلا شك سينعكس سلبا على أجور بقية الفنانين والفنيين، فارتفاع أجر البعض يعني تدنيا في أجورهم.المثير أن القاعدة السابقة ليست ثابتة على المدى البعيد، إذ يمكن استبدال هذا النجم (المدلل) بآخر سعياً وراء (الأرخص) ببساطة فيما لو أحست الشركة المنتجة بأنه يطلب سعراً يفوق قدراتها أو رغباتها وغيابه قد لا يؤثر في تسويق العمل وبيعه.المثير أن ارتفاع الأجر اليوم بات مبرراً لا يخجل منه عدد من المنتجين لتفسير عدم دعوتهم لهذا الفنان أو ذاك، الأمر الذي ينذر بالمحصلة بالخوف من أن يصبح المال وجلوس الفنانين والمنتجين (على البازار) أولوية على حساب الحضور الفني والأداء والحجة الجاهزة دوماً ارتفاع الأجور! وما يترتب على ذلك من غياب تصنيف للأجور، وبالتالي ارتفاع أجور مبهم على حساب آخرين، وانتظار البعض طويلا لفرص ربما لا تأتي.
بالعموم لا يبدو أن الفنانين ممن استطلعنا آراءهم بمسألة الأجور وما يترتب عليها متفائلون على المدى البعيد فالفنانة نسرين الحكيم ترى أن بعض الفنانين اجتهدوا لرفع أجورهم لكن بالمقابل هناك أسماء هبطت أسعارها، ولم ترتفع أبداً.
علما أن هؤلاء الفنانين على درجة من الأهمية، بالتالي تبقى الشركة المنتجة هي من تفرض أسعارها على الجميع باستثناء نجمين أو ثلاثة سوريين وعرب في رصيدهم تجارب عربية، وهؤلاء يتمسك المنتج بهم ويدفع لهم ما يطلبون.
في السياق ذاته يؤكد الفنان محمد خير الجراح أن غياب المعايير والخضوع لقوانين العرض والطلب يتحكم في الأجور إلى حد بعيد. فإذا خف الطلب انخفضت الأجور والعكس صحيح وإذا أردنا القول انها نعم قد ارتفعت فالعمالة في العالم قد ارتفعت أجورها ولكن بنسب معينة.
بكل الأحوال (لكل لحية مشط)، كما يقول الفنان الجراح فالمنتج مضطر لدفع الأجر الذي يطلبه الفنان المطلوب على الساحة. وبعد فترة يمكن أن يتغير أجر هذا الفنان ارتفاعا أو تدنيا قياساً للطلب عليه.
ويرى الفنان محمد قنوع أن ارتفاع الأجور يتفاوت بنسب كبيرة فالبعض ارتفعت أجورهم بحدود ال20 ـ 25% وآخرون بحدود 500%. وهذا تحدده الشركة المنتجة فلو طلبت فناناً لدور معين ولم يناسبها أجره تعتذر منه وتجلب غيره بكل بساطة.
أما الفنانة سمر سامي فترى أن لكل عمل ظروفه الخاصة، وهناك فنانون ازدادت أجورهم بشكل جيد وآخرون ما زالت أجورهم غير مرضية لكنها ترى الموضوع من زاوية أخرى فإذا كان الدور المعروض عليها جزءا من نص جيد، وبإدارة مخرج جيد؛ فالأجر المادي يصبح الخيار الثالث بالنسبة لها، لأنها في هذه الحالة ستظهر في عمل جيد، أما إذا كان النص مستواه وسط والمخرج كذلك ففي هذه الحالة ستطلب أجراً مضاعفاً لأنها ستبذل جهداً كبيراً في هذا الدور.
وتشير الفنانة سمر إلى أن هؤلاء الذين ارتفعت أجورهم فنانون مؤثرون ونجوم مجتهدون يشتاق الجمهور لهم، والزيادة من حقهم. لكن لا أحد يستطيع أن يفرض على المنتج أجره. وتفترض سامي أن المنتج يخجل أن يعطي نجماً كبيراً أجراً قليلاً بعد سنوات من العمل والاجتهاد.
فيما لا يجد الفنان حسام تحسين بك إجابة عن هذا السؤال، لأنه لا يوجد نظام صحيح يمكن التكلم فيه، ويرى الفنان تحسين بك أن التحسن في الأجور طفيف جداً وقد جاء بعدما رفعت الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون «الجهة التي تمثل القطاع الحكومي في الإنتاج الدرامي» أجورها، ولكن ليس لجميع الممثلين.
ويؤكد الفنان تحسين بك أن ارتفاع الأجر يتفاوت بين دور وآخر؛ فحجم الدور والجهد الذي سيبذله الفنان له أجر معين، بالتالي تختلف القصة ولا نستطيع أن نضع لها سلما معينا. أما عن موضوع تحديد الأجر؛ فلا يوجد ممثل يستطيع فرض أجره لأن ذلك يرتبط بالشركة المنتجة التي إما أن توافق أو ترفض.
الفنانة سحر فوزي ترى أنه على الرغم من ارتفاع الأجور الحاصل لاتزال الأجور في سورية متدنية قياساً بأجر أي ممثل عربي لأن هذا الارتفاع لم يكن مدروساً بشكل صحيح ففي القطاع الخاص ارتفعت أجور بعض الممثلين ولكن لا تزال الميزانية واحدة ولم تتغير على الإطلاق.
وأصبح ارتفاع أجر الممثل المرغوب لدى المحطات على حساب أجور الممثلين الآخرين وعلى حساب سويتهم، بالتالي نحن نقع اليوم بمأزق حقيقي، وبعد أن كنا نتبع سياسة العمل الواحد من حيث النص والإخراج والانتاج، وهي التوليفة التي صنعت المكانة المهمة للدراما السورية، بدأنا نقع في أخطاء المصريين سابقا بتكريس النجم الواحد. ومسألة تحديد الأجر تتبع للعرض والطلب علماً أن أي أجر يحصل عليه الفنان قليل بحقه مهما كان مرتفعاً.
بالنتيجة يجمع الفنانون على أنه لا يمكن للجميع فرض أجر معين، إذ ان الموضوع يتعلق بالعرض والطلب والشركة المنتجة. وما يعنيه هذا أن القلة القليلة فقط من نجومنا تستطيع أن تفرض أرقامها وقوانينها.
وعلى أي حال لا يمكن اعتبار ارتفاع الأجور تهمة تلاحق الفنان بقدر ما هو حق يفترض أن يناله الجميع.
أما أن يصبح الأجر شرطاً للعمل والاستمرارية فهذا كارثة تهدد مستقبل الدراما السورية ونجومها بالضرورة. ومن يدري ربما يحل فنانو الدرجات الرابعة والخامسة عوضا عن نجوم الصف الأول والذين بدورهم إما ان يجلسوا في بيوتهم بانتظار أجر مناسب أو يبحثوا عن فرص في دول عربية أخرى.
هذا عن الفنانين أما الفنيون على تنوعهم أو الكتاب مثلاً فهؤلاء لم يصبح الأجر مشكلة حقيقية بالنسبة لهم حتى الآن، لا لأنهم يتقاضون أجورا مرتفعة، وإنما لأنهم لا يملكون حتى الحق في الاعتراض على أجورهم، باستثناء عدد قليل منهم.
ويبدو أن هؤلاء سيبقون محكومين بمبدأ المثل المصري القائل (داري على شمعتك تقيد) بانتظار مرجعية واضحة يمكن لها أن تحدد أو تقيّم ارتفاع الأجور أو شروط العمل أو حتى قيم العمل الفني.
دمشق - ماهر منصور


