بعيداً عن مسميات العولمة وأن الأرض باتت «قرية واحدة»، على الرغم من أنها قرية بائسة خربة تتقاذفها الحروب والمجاعات والأزمات المالية والكوارث الطبيعية، وبعيداً عن أن «الكوكا كولا» و«الكنتاكي» و«البلاي ستيشن» و«الراب» المزعج ولاعب الأرجنتين «مسي» باتوا علامات تجمع الناس؛ بعيداً عن كل ذلك اجتمع الناس من كل الأقطار والأجناس واللغات حول أصوات الفن الجميل التي ظهرت قبل عقود وانتهت مع انتهاء الحرب الباردة التي كانت تحفظ توازن الأبعاد الفنية والثقافية وتعطي للعالم طعماً ورائحة بعكس هذا الزمن، فترى العربي يستمع للطرب التركي واليوناني والفارسي والإنجليزي والعكس صحيح.
إبراهيم تاتليس مهند القرن العشرين
في العام 1952 بمدينة أورفة الكردية- التركية يولد طفل يتيم لوالدٍ من جذور عربية ووالدة كردية تتكفل برعايته بعد وفاة الأب، وينمو الطفل إبراهيم تاتليس وسط منطقة تجمع كل الإثنيات من كرد وأتراك وعرب وشركس وأقليات أخرى، فتطير إلى مسامعه تلك الآهات الشرقية الموغلة في الحزن كما الزمن؛ ويقوم إبراهيم في مراهقته بالغناء في الأعراس والمناسبات ويلاقي تشجيعاً من أهالي أورفة البسطاء،.
وفي بداية السبعينات يسجل أول ألبوم له ويواجه الفشل؛ فيهاجر إلى أسنطبول ويسجل ألبوماً آخراً عام 1977 بعنوان «المحطة» لينجح نجاحاً كبيراً وتباع من هذا الألبوم مئات الآلاف من النسخ ليلحقه بألبوم آخر هو «سلام أوسلان»، الذي قدم فيه موهبة فذة في الموسيقى التركية التقليدية الفلكلورية.
فانطلق إبراهيم في عالم الشهرة ولاقى نجاحاً كبيراً في تركيا وخارجها، خصوصاً في سوريا والعراق ولبنان وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق وألمانيا، فبات الأتراك يلقبونه بلقب «الماستر- السيد»، ودلعاً بات يعرف باسم «إيبو» الذي رافقه منذ السبعينات حتى زماننا هذا في برنامجه المعروف «إيبو شو»،.
وكانت أبرز محطات شهرة إبراهيم تاتليس في العالم العربي هو أداؤه تمثيلاً وغناء في مجموعة أفلام لاقت النجاح في السبعينات والثمانينات، قبل أن تغزو «نور» وأشقاؤها خيال المراهقين العرب في قرننا هذا- ومن بين أبرز تلك الأفلام «مافي مافي- أزرق أزرق باللغة العربية» وشاركته البطولة الجميلة التركية هوليا فيشر، فغنى فيه أغانيه المعروفة «أزرق أزرق» و«ليلم ليلم» وأغاني عدة من أجمل ما بقي في الذاكرة عن الموسيقى والغناء التركي.
بوب مارلي أسطورة غناء الريغي
ويأخذنا قطار رحلة الزمن الجميل إلى أسطورة غناء الريغي والفنان الذي قال عنه النقاد بأنه «أبرز فنان ترك أثره في موجة الشباب وحياة الناس في القرن العشرين»؛ ألا وهو الفنان الجامايكي الأصل بوب مارلي، صاحب الأغاني الخالدة والأسلوب الفني المميز، ولد بوب مارلي في جامايكا عام 1945 وسط قصة حب جمعته والده البريطاني الأبيض من أمه الجامايكية السوداء.
وما أن أتم بوب عامه الأول حتى هجر والده الذي يعمل ضابطاً في الجيش البريطاني زوجته وطفله بعد فصله من الجيش بسبب هذا الزواج واستمرار معارضة أهل زوجته لهذا الزواج أيضاً، فانتقلت الأم سيديلا وابنها عام 1957 إلى عاصمة جامايكا كينغستون بحثاً عن العمل لسد جوعها هي وابنها الصغير فسكنوا في أحد الأحياء الفقيرة حيث اشتغلت الأم بخدمة البيوت، واشتغل الطفل بوب في ورشة حدادة بعد تركه المدرسة.
وكان يقضي الليالي والأيام يستمع إلى ما تبثه الإذاعات الأميركية من أغانٍ وموسيقى فازداد عشقه للفن الذي نبع لديه منذ طفولته، وبعد زواج والدته في أميركا التحق بوب وزوجته الشابة ريتا بوالدته في الولايات المتحدة.
حيث اشتغل كعامل نظافة في أحد الفنادق، باللهجة العامية فرّاش، وفي ذلك الوقت احتك بوب عن قرب بحركات المطالبة بحرية السود الذين كانوا يعاملون بعنصرية وقسوة بالغة في بلد الحرية والديمقراطية «أميركا» وظهر تأثره البالغ بتلك الفترة في مجموعة من أغانيه ومنها أغنيته الشهيرة «جندي بافالو».
وفي العام 1966 عاد بوب إلى وطنه لتشكيل فرقة «الويلرز» التي سترافقه في جميع حفلاته لاحقاً، وهناك اعتنق عقيدة الرستفارية التي تؤمن بأن أفريقيا هي مهد البشرية، وانطلق بوب مارلي في عالم الغناء والشهرة فذاع صيته حول العالم واستطاع أن ينشر موسيقى «الريغي» التي تعتبر خليطاً من الموسيقى الجامايكية المحلية والموسيقى أفرو-كاريبي من ناحية الإيقاعات وموسيقى الآر إن بي المنتشرة في أميركا.
وترى بعض المصادر أن أصل مصطلح «ريغي» قادم من لفظة أسبانية تعني ملوك الموسيقى، وكان بوب مارلي هو الذي يكتب الكلمات ويلحنها، ويكمن سر نجاحه وانتشاره ببساطة الكلمات والإيقاعات القوية وأهمية الرسائل التي يوجهها في تلك الأغاني من حرية ومحاربة فقر ونشر سلام، لدرجة أن الرئيس السابق لمنظمة العفو الدولية جاك هيلي قال عنه يوماً:
«أينما ذهبت حول العالم وجدت بوب مارلي رمزاً للحرية»، وأصدر بوب مارلي عشرات من الألبومات والأغاني الناجحة في السبعينات يعتبر أقواها «رعب أنيق» الذي صدر عام 1974 وضم أغنيته الرومانسية الخالدة «لا نساء.. لا دموع».
وفي مايو من عام 1980 أصدر ألبوم «ثورة» الذي بات رمزاً ونشيداً لجميع الحركات الثورية في العالم، واستمر بوب بالغناء حتى وفاته عام 1981 لتباع ألبوماته إلى اليوم بأرقام خيالية، حيث بيع من ألبومه «أسطورة» ما يقرب من 20 مليون نسخة في الولايات المتحدة وحدها، واستمر العالم يستمع إليه حتى بعد رحيله بمجموع مبيعات بلغ 300 مليون نسخة عام 2000، وهو ما لم يحقق مطرب آخر في العالم بعد وفاته.
البيتلز مبيعات تفوق جاكسون و إلفيس بريسلي
أما الفرق الغنائية التي لاقت نجاحاً كبيراً في أيام الزمن الجميل فهي كثيرة؛ ولكن تبقى فرقة «البيتلز» البريطانية أشهرها على الإطلاق، فلقد طافت أغانيها ما بين الخافقين واستمع إليها شباب العالم منذ الستينات حين انطلقت في ليفربول عام 1960، وتشكلت من 4 فنانين شباب هم: جون لينون، بول مكارتني، جورج هاريسون ورينغو ستار، ورافق ظهور أيام الثورة الطلابية والثقافية اليسارية في أنحاء العالم.
ونجحت منذ أغنيتها الأولى «هل تحبني» عام 1962م، ليصدر بعد ذلك ألبومهم الأول «من فضلك لي» فجابوا قاعات الاحتفال في أنحاء العالم ليعودوا إلى تسجيل الأغاني في الاستديو حتى انفصالهم عام 1970 أنتجوا خلالها 13 ألبوماً، وقد أحرزت البيتلز المرتبة الأولى في قائمة «الخالدون» أفضل فناني التاريخ التي أصدرتها مجلة «رولينغ ستون».
كما وقد أدرج أحد عشر ألبوماً من أصل الثلاثة عشر ألبوماً الذي أصدرته فرقة البيتلز على قائمة «أفضل 500 ألبوم في تاريخ الموسيقى» التي أصدرتها المجلة ذاتها، ودخل البيتلز كتاب غينيس للأرقام القياسية من خلال المبيعات الأكثر حول العالم بليون و600 مليون والتي جاوزت مبيعات ملك الروكألاإلفيس بريسلي وملك البوب مايكل جاكسون.

