حين يطلق على العقود السابقة بأنها «الزمن الجميل» فأن بعض الأجيال الحالية تستغرب المسمى، وترى فيه إجحافاً لزمانها، وما أنتج فيه، ولو عدنا بنظرة منصفة إلى تلك العقود التي بدأت مع السنة الأولى من القرن الماضي، وما أنتج فيها من ثقافة وفنون وظواهر اجتماعية ورموز كان يقتدى بها في جميع أنحاء العالم، فإننا سندرك سر التسمية، وكأن الكرة الأرضية بعولمتها الجديدة قد عقمت ولم تلد بعدهم أحداً، فثقافياً وفكرياً ترنو إلى مسامعنا أسماء بالآلاف منها:

نجيب محفوظ، الجواهري، الماغوط، ماركيز، كولن ولسن، بيكاسو، البير كامو، ورمزياً: جيفارا، محمد عبده، ماو، جميلة بوحيرد، شيخ إمام، مظفر النواب، ناجي العلي، خروتشوف، غسان كنفاني، تيتو، أما فنياً وهذا ما يهمنا في هذه المتابعة لفن الزمن الجميل؛ تأخذنا تلك السنين المنسية إلى أصوات من أنحاء العالم كان شباب الماضي يتحلقون حول جهاز الراديو أو جهاز التسجيل ليستمعوا إلى غناء مطربين بكل اللغات: اليوناني ديميس روسس، الإيرانية كوكوش، الهندي محمد رافي، الجامايكي بوب مارلي، التركي إبراهيم تاتليس، فرقة البيتلز، وكوكب الشرق أم كلثوم، واستذكاراً لفن العمالقة هؤلاء سنمضي في رحلة التذكار والاستذكار في فنهم وحياتهم.

ديميس حديث الصغار والكبارنبدأ الحديث عن الفنان اليوناني الأسطورة ديميس روسس الذي نهل من ماء مصر، وأكسبته شمس الإسكندرية ملامح الشرق، واسمه الحقيقي «أرتيميوس ديميس فنتوريوس روسس»، وكان مولده في الإسكندرية عام 1946م لأبوين يونانيين، ولدا بمصر أيام العز الملكي، وعندما بلغ ديميس عمر 10 سنوات خسر والده جميع ممتلكاته بعد تأميم قناة السويس عام 1956م لترحل العائلة عائدة إلى اليونان. وفي سن السابعة عشرة يشتهر ديميس في أرجاء اليونان بعد أن شكّل بفرقة «ذي إيدولز»، التي قدمته للجمهور المحلي، أما انطلاقته الحقيقية فكانت مع فرقة الروك التقدمي «أفروديت شايلد- أبناء أو أطفال أفروديت» وكانت تؤدي أغاني قريبة من الخط اليساري الذي كان منتشراً آنذاك، ثم استقل ديميس ورافق فرقة «فانجيليس»، التي غنى معها ما يقرب من نصف أغانيه.

وما أن خطى خطواته الأولى نحو الشهرة حتى انهالت بعض وسائل الإعلام الصفراء بحملة ممولة من بعض الجهات للنيل منه لأسباب خاصة، فأشاعوا عنه بأنه «مصري» و«مسلم» لتصريحه قبل تلك الحملة بأن الراقصة المصرية «نيلي مظلوم» بمثابة والدته لأنه يعتز بها، ولم تقف المفاجآت في حياة ديميس؛ ففي العام 1985م وفي طوفان الحرب الأهلية اللبنانية، تختطف إحدى المليشيات التابعة لأمراء الحرب طائرة مدنية تابعة لخطوط «تي دبليو أي» الأميركية.

وعلى متنها عشرات المسافرين الأجانب من بينهم ديميس وزوجته باميلا، وتطالب المليشيا بفدية لفك أسر الرهائن، ويستثنى من ذلك المطرب اليوناني ديميس وزوجته حيث أطلق سراحهما بعد يومين قضاهما بدلال لم يحظ به في حياته، فلقد احتفلت المليشيا في منزل زعيمها بعيد ميلاد المطرب اليوناني، وأقاموا له حفلاً كبيراً حتى الصباح الباكر ليطلق بعده سراحه وسراح جميع الركاب دون فدية.

وعودة إلى أول ألبوم خاص أطلقه ديميس نعود إلى 1971 وعنوانه «الجانب اليوناني من عقلي»، ليستمر في مشواره الفني، ومظهره الذي يرتدي فيه «جلابية» تشبه الثياب التي يرتديها أشقاؤنا في مصر، وتتواصل أغانيه في الانتشار حول العالم، وتظهر أغنيته الشهيرة «فار أوي- بعيداً جداً» في ألبومه «سعيد بوجودي»، الذي سجله عام 1976م فيرددها الصغار والكبار إلى يومنا هذا.

وهو ما دفع المطربة المغربية حسنا لإعادة غنائها على شكل دويتو جميل تم تركيب صوت ديميس فيه، وما يميز هذا الأسطورة اليونانية، غير غنائه بعدة لغات وموسيقاه النابضة بالجمال والحب ومظهره المميز، هي تلك «البحة» الراقية في صوته والتي تفيض حناناً وعذوبة تجعل المستمع يستغرق في عوالم أخرى حتى وأن لم يدرك اللغة، وهذا ما يحدث أيضاً مع عمالقة المطربين العالميين الذين سنتحدث عنهم في السطور التالية.

كوكوش أم كلثوم إيران

من اليونان ننطلق هذه المرة صوب بلاد فارس أيام «الشاهنشاه» محمد رضا بهلوي، فعلى الرغم من عشرات الأصوات القادمة من تلك البلاد مثل: داريوش، حميرا، وغيرهم؛ إلا أن صوتاً ظهر منتصف الستينات ترك بصمته العالمية وصورته الأسطورية؛ ألا وهو صوت المطربة الإيرانية «كوكوش»، ويلفظ اسمها بالجيم المعطشة بلهجة أبناء مصر، فهي الاسم المرادف لاسم أم كلثوم في عالمنا العربي أو اسم فيروز، وهي مغنية الملوك والشعوب على حد سواء، انتشرت صورها وألبوماتها في بيوت المشرق العربي ومغربه وبلدان الاتحاد السوفييتي السابق التي تتحدث الفارسية، وتجاوز ذلك إلى أوروبا وتركيا وبلدان العالم الأخرى،.

ومسيرة حياتها تبدأ من طهران مكان ولادتها وحرمانها من حنان الأم بعد حصول الأب صابر على حضانتها الكاملة بعد طلاقه بزوجته نسرين، فتتربى على يديه وهو أحد الممثلين والفنانين المعروفين آنذاك؛ فكان يصحب ابنته الصغيرة «كوكوش» في المسرحيات الاستعراضية الغنائية التي كانت تؤدي فيها أجمل الرقصات والمقطوعات الغنائية لأشهر مطربي إيران آنذاك:

غزال ودلكاش، وفي عام 1966م أطلقت «كوكوش» ألبومها الأول «غسيه فاف» الذي نال شهرة داخل إيران والشرق، لتقودها مسيرتها بعد ذلك للغناء في جولات أوروبية وأميركية والغناء مع أشهر المطربين العالميين آنذاك: تينا ترنر، راي تشارليس، رومينا باور وباتي برافوا، يساعدها في ذلك إجادتها للغات عالمية عدة منها:

الإنجليزية، الإيطالية، الفرنسية والأسبانية، والعربية، وكانت «كوكوش» مطربة الحفلات الخاصة لشاه إيران السابق، وغنت في احتفالات تتويجه عام 1967م التي حضرها جميع ملوك ورؤساء العالم، وفي العام 1973م يمنحها الرئيس التونسي الراحل قائد الاستقلال الحبيب بورقيبة وسام الثقافة التونسي، ولم تكتفِ «كوكوش» بالغناء الذي كان يردده الصغير والكبير، فمثلت في 25 فيلماً أولها فيلم «بيتالا».

وآخرها فيلم «دار امتداد» الذي يعد الأكثر نجاحاً في تاريخ السينما الإيرانية، وبعد قيام الثورة الإيرانية عام 1979م، منعت كوكوش من الغناء بعد مجيء حكم رجال الدين؛ واستمر الحال كذلك إلى أن سمح لها بالسفر إلى خارج إيران لأحياء الحفلات الفنية في عهد الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، فاستقبلتها الحشود المليونية في كل مدينة زارتها خارج إيران ومن بينها الحفلة الكبيرة التي أقامتها في دبي، واستمرت إلى يومنا هذا في إقامة الحفلات من مقر إقامتها في الولايات المتحدة أو ما يعرف إيرانياً ب«الشيطان الأكبر».

وعلى الرغم من بلوغها أكثر من 67 عاماً إلا أن كوكوش لاتزال محتفظة بجمالها وجمال صوتها الذي خطف القلوب قبل الأبصار في شرق الأرض وغربها، ولقد كانت أغلب المحطات التلفزيونية العربية وغيرها تبث مجموعة من أغانيها يومياً في سبعينات القرن الماضي، فتظهر بجمالها الأخاذ وصوتها الرقيق الدافئ وحركاتها الراقصة التي قلدتها فيها عشرات من المطربات في وقت لاحق إلا أنها أثبتت بصورة حصرية مقولة «المرأة الجميلة مثل سجاد كاشان كلما مرّ بها الزمن تزداد جمالاً»؛ فلا مكان في قلوب عشاق السبعينات ومراهقيها لغير «كوكوش» الفاتنة.

محمد رافي أسطورة الهند

ربما يعتقد ملايين المشاهدين، غير الهنود، الذين يتابعون الأفلام الهندية أن أميتاب ودارمندر وراجي وشامي كابور، وعشرات من نجوم السينما الهندية هم من يؤدي الأغاني التي تظهر في الأفلام؛ وهو اعتقاد خاطئ جملة وتفصيلاً، فالسينما البوليودية احترفت دبلجة الأغاني منذ ثلاثينات القرن الماضي، فكان مطربون مثل كاندال لا سيجال، والمطربة الكبيرة لاتا مانجشكار وموكيش، الذي تلقى تكريماً تاريخياً من الرئيس جمال عبد الناصر، كان هؤلاء يؤدون جميع أغاني الأفلام الهندية التي ظهرت منذ الأربعينات وحتى نهاية السبعينات؛ إلا أن صوت الفنان الهندي المسلم محمد رافي بات أسطورة في الغناء الهندي.

حيث غنى ما يقارب 28 ألف أغنية هندية دون أن يظهر في فيلم واحد وهو رقم قياسي جرى الاختلاف حوله، فهو متعدد الطبقات الصوتية وظل محتفظاً بخامته الصوتية إلى يوم رحيله، وكانت ولادته في عام 1924م بإقليم البنجاب وسجل أغنيته الأولى عام 1944م أما أغنيته الأخيرة فكانت في سنة وفاته عام 1980م لفيلم آس باس، وكانت مشاركته في غناء الأفلام عام 1945م في فيلم ليلى ليغني بعدها في فيلم شاه جهان الذي أعيد إنتاجه أخيراً.

ومن أبرز أغانيه هي التي أداها نجوم فيلم قدر الإسكندر- مكدر كا إسكندر، عام 1978م، وأغاني الدويتو التي جمعته بمطربة الهند الأولى لاتا مانجشكار في فيلم مسافر وغيره من الأفلام التي تبلغ 4516 فيلم غنى فيها محمد رافي بقيت في ذاكرة المشاهدين ومن وسجل رافي أغانيه بجميع اللهجات واللغات في الهند فأحبه الجميع، وفي يوم 31 يوليو 1980م تعرض رافي لأزمة قلبية توفي على إثرها فأعلنت الحكومة الهندية يوم وفاته عطلة رسمية، لتكرمه لاحقاً بإقامة نصب تذكاري عند قبره والاحتفال في كل عام بذكراه واعتبار رحيله يوماً وطنياً.

أبو ظبي- محمد الأنصاري: