حينما انتقلنا إلى منزلنا الجديد كسبنا بعض علاقات الجيرة الجميلة التي توطدت بتبادل الزيارات، والمشاركة في مناسبات الأفراح والأتراح،باستثناء بيت واحد يفصل بيننا وبينه جدار واحد ! وقد يُطرح السؤال هنا ولِم ؟

المشكلة التي أوجدها جارنا هي فيلاالباركناتلالا فإذا أوقفنا السيارة أمام بيته بعد أن ضاقت الدنيا بما رحبت أقام هذه الدنيا ولم يُقعدها،حيث يبدأ بافتعال مُشكلة،وبانفعال كبير لا يهدأ إلا إذا حركنا السيارة مضطرين إلى أبعد مكان من بيتنا حتى يهدأ بركان الجار حفاظا على صحته ! وحتى لا نُفاجأ بإفساد أحد إطارات السيارة ! لدرجة فكرنا مليا أن نضع مُلصقا على السيارة مكتوبا عليه : فيلاالجار قبل الدارلالا .

كثيرة هي المواقف الحياتية التي تبرز فتور العلاقة بين الجيران، ويعود هذا الأمر لأسباب عديدة منها تراجع العادات والقيم الاجتماعية، وسيطرة التقنيات التكنولوجيا الحديثة محل الوصال الفعلي المتمثل في اللقاء..إلا أن هذا لا يمنع أبدا من وجود علاقات تكافل ومحبة بين الجيران تتجسد في تبادل الزيارات وتقديم يد العون والمعاملة الحسنة، نتجت عنها علاقات مصاهرة وصداقات تتحدى الزمن.

الحواس الخمس استطلع هذا الموضوع مع مجموعة من الشخصيات التي أكدت في مجملها أن العلاقة بين الجيران التي من المفترض أن تتسم بالمودة والإخوة وحسن الجوار، غلبت عليها الخناقات والصراعات على أتفه الأسباب.

لقمة العيش

في صغره اصطحبه والده لأحد المجالس،وبينما اندمج والده في حديث مع أصدقائه،فإذا به يرمي كلمة فيلاكاذبلالا في وجه أبيه،وكانت النتيجة أن قام أحد الجيران بصفعه بقوة على وجهه، ولايزال يذكر هذا الموقف على الرغم من مرور 30 عاما.هذا ما أوضحه الفنان الإماراتي منصور الفيلي،موضحا أنه لو قام أحد الجيران بضرب ابن جاره الآخر لسوء تصرف بدر منه قامت الدنيا ولم تقعد ! ففي يومنا هذا لن يرضى أي جار أن يُضرب ابنه حتى لو كان وللأسف الشديد على خطأ.

مؤكدا في الماضي كانت العلاقة بين الجيران مميزة ومتينة تعوض المرء عن علاقاته العائلية، فكان تأديب الجار لابن جاره واجباً تفرضه العادات وأسلوب الحياة،كما كانت زيارة الساكن الجديد ومباركة سكنه ودعوته لتناول الطعام وتقاسم العيش ضرورة تفرضها التقاليد والموروث الشعبي..أما الآن فإن الجيران يتواصلون فيما بينهم بوجود الجدار الفاصل فقط بالهاتف النقال،أي من خلال فيلامسجلالا أو مكالمة سريعة فاقدة لمعنى الحميمية بين الناس.مُردفا أن انعدام العلاقة بين الجيران نتيجة انشغالهم في الحياة العملية والسعي الدائم للبحث عن لقمة العيش، فلربما لا يرى الجار جاره إلا في المسجد.

توطيد العلاقات فيلاضرورةلالا

ويبدي محمد الغفلي طالب جامعي وفنان مسرحي رأيه في الموضوع قائلا : إن ابتعاد الناس عن العادات والتقاليد أدى إلى حدوث تغيرات اجتماعية،مُتمنيا توطيد العلاقات بين الجيران لاستمرار الحياة الاجتماعية السلمية المترابطة.مؤكدا بأن ديننا الحنيف أمر بحسن الجوار وعدم الظلم والإساءة للآخرين والتعاون فيما بين الناس.

جيران الأمس واليوم

ويُفسر حميد الظاهري سبب الاختلاف الذي طرأ على علاقة الجيران بقوله: فيلاجيران الأمس كانوا إخوة بكل ما في الكلمة من معنى،يحفظون حرمة بعضهم البعض،يصونون العادات والأعراف،وهو ما كان يشعر الجميع بالأمان.

وكانت كل الصفات الحميدة تعم المنطقة التي نعيش فيها، حقا كانت الحياة حلوة ومرحة وبلا مشكلات أو تعقيدات، وإذا ما تمت المقارنة بين حياة الأمس وحياة اليوم نجد الفرق واضحا حيث الاختلاف في كل شيء، في علاقة الجار بأخيه، في العلاقات الأخوية والحرص عليها، وحب المساعدة الذي كان شائعا بين الجميع.

خوف وشك

فيلاالجار قبل الدارلالا مقولة أصبحت من الماضي البعيد ولا احد يقف حاليا عند مغزاها طويلا هذا ما أكده الفنان عبد الله الجفالي بقوله: كانت العلاقات الاجتماعية فيما مضى تتسم بالوئام والانسجام وكانت خالية من التعقيدات التي فرضتها الحياة العصرية الحديثة.وبنوع من الاستهجان يضيف :

مع انشغال الكل بمشاكله اليومية باتت الأسرة الواحدة مهددة بالتفكك، ناهيك عن العلاقة بين الجيران التي بدأت تندر ويغلب عليها الجفاء،مُبيينا أن الأسباب عديدة منها الخوف من الاختلاط الذي يغلبه الشك.

مشاكل لا نهاية لها

وتشير ميرة آل علي ربة بيت أن الجيران يتشاجرون بسبب الأطفال والنظافة والضوضاء والنميمة، وفيما تتحول بعض الخلافات البسيطة إلى مشاكل مستمرة لا نهاية لها ! مضيفة : إن العلاقة المميزة التي كانت تربط بين الجيران في الماضي انهارت مثلما انهار واختفى كل شيء أصيل من حياتنا بفعل الحياة العصرية ومشاغلها ومشاكلها.

أما عذيجة الكتبي ربة بيت فتقول :إن السبب في التحول الذي طرأ على علاقات الجيرة يعود إلى أن الناس أصبحوا ينظرون إلى الجيران على أنهم مصدر إزعاج أكثر منهم مصدر تعايش وانسجام ! مُتسائلة : هل القطيعة بين الجيران والعزلة هما الحل لتفادي المشكلات ؟!

دبي ـ جميلة إسماعيل