أرمن ويونانيون وطليان.. أطياف أوروبية على كل لون حلَّت ضيوفا على عروس البحر المتوسط منذ بدايات حكم محمد علي في القرن الثامن عشر، تماهوا مع الشعب السكندري حتى أصبحوا نسيجا من أنسجته، عاشوا بذكرياتهم التي أتوا بها من أماكن متفرقة حاملين بين الضلوع أحلامهم في غد آمن..

وفسَّر كثيرون مسألة اتخاذهم الإسكندرية كوطن بديل ببحث الإنسان الدائم عن الأماكن الخالية من النزاعات؛ لذا كان الرحيل إلى الإسكندرية مدينة الجمال والهدوء.حضر الأرمن، الذين فروا هاربين من المذابح التي تعرضوا لها في بداية القرن العشرين، والتي اختلف حول عدد ضحاياها، فقيل إنهم تخطَّوا 10 آلاف، وبالغ البعض حتى قال إنهم مليون أرمني، وبسبب ذلك، هاجر الأرمن إلى العديد من دول العالم، خاصة سوريا ولبنان والعراق، لكن الوفود الأهم منهم حضرت إلى مصر، وعاشت بين أهلها في القاهرة والإسكندرية، إلا أن أحفادهم تمركزوا في الإسكندرية بشكل أكبر.كذلك لا بد أن تجد لليونانيين حضورا بارزا في الشارع السكندري، فهم يعتبرون أنفسهم أصحاب الإسكندرية الحقيقيين باعتبارهم أحفاد بانيها الإسكندر؛ لذا تعتبر الجالية اليونانية الأكبر بين الأوروبيين في المدينة، حيث شكلت نحو 90% من الأجانب في الإسكندرية.

كما وفد الإيطاليون على المدينة، وانضموا إلى قائمة طويلة من الجنسيات الأوروبية التي استوطنت أحياء بأكملها لم يشاركهم فيها المصريون، فكأننا أثناء جولتنا نشم رائحة الخواجة «زيزينيا»، تاجر القطن اليوناني، ومؤسس الحي الراقي الشهير بالاسم نفسه. الأرمن اشتهرت منطقة «الإبراهيمية» في الإسكندرية منذ زمن بعيد بأنها مقر رئيسي للجالية الأرمينية، فنرى العديد من الأسماء الأرمينية تلمع على اللافتات التجارية للمحال والصيدليات والعيادات، وفي جولتنا السريعة توقفنا عند واحدة من أقدم وأشهر هذه الصيدليات التي حملت اسم مؤسسها د/ أنصوريان، فالتقينا ابنه د .جوزيف أنصوريان الذي حكى تاريخ أجداده في الإسكندرية قائلا:

قدم أجدادي إلى مصر في العشرينيات من القرن الفائت، وقد حكى لي جدي وجدتي ووالدي الكثير عن تلك الفترة، فقد هربوا إلى مصر من ويلات المذابح التي شهدتها بلادهم، والتي بدأت منذ العام 1915، واستمرت حتى العام 1950.

وقد انقسم الأرمن إلى جزأين، الأول في جمهورية أرمينيا تحت الحكم الروسي، والثاني في شرق الأناضول بتركيا تحت حكم الدولة العثمانية، وهؤلاء من تمت إبادتهم وترحيلهم؛ حيث كان الجنود الأتراك يأخذون الرجال ويدفنونهم، أما النساء والأطفال فيتم ترحيلهم قسرا إلى سوريا والعراق.

وغالبا ما كان يتم قتلهم أيضا؛ لذا فرَّ جدي إلى مصر التي فتحت ذراعيها للأرمن، وسمحت لهم بالحياة على أرضها، ليس كلاجئين فقط، بل الاندماج في شعبها من خلال منحهم الجنسية المصرية بسهولة، خاصة أن فترة العشرينيات والثلاثينيات من القرن الفائت كانت أكثر فترة ازدهرت فيها الجاليات الأجنبية في مصر بشكل عام، وفي الإسكندرية بشكل خاص.

ولأنهم جاءوا هاربين فقد ساعدتهم الجمعيات الخيرية على توفير الدخل والعمل والسكن وتعليم الأبناء أيضا، وفي البداية كان عمل جدي في مهن حرفية بسيطة، لكنه استطاع تعليم ابنه؛ ليتخرج في كلية الصيدلة، واستطاع بعد أعوام من العمل أن تكون له صيدليته الخاصة التي اشتهر بها في هذا الحي، والتي ورثتها عن أبي لأكمل المسيرة.

خواجات

يضيف د.جوزيف أن الحياة في الإسكندرية كانت مفعمة بالثقافات الأجنبية المختلفة، فكل جالية كانت لها مدارسها التي لم تقتصر على تعليم أبنائها، إنما كانت مفتوحة ومتاحة لمختلف الجنسيات، لاسيما أن الإسكندرية مدينة مرحبة بالثقافات الأجنبية؛ لذا لم يشعر الوافدون بالغربة فيها، بل اندمجوا مع أهلها..

وضحك د. جوزيف حين تذكر أباه الذي كان ينادي عليه المصريون ب«الخواجة»، وقال إنه دخل الجيش المصري وأدى الخدمة العسكرية باعتباره حاملا للجنسية المصرية، وأكد أنه لا يحمل أي جنسية أخرى؛ لذا لم يعد يرحب بلقب «خواجة»..

وأكد أن الأسرة الأرمينية تتميز بالترابط الشديد، فالشباب يجتمعون دائما مع كبار السن من العائلة؛ ليتواصلوا عبر حكاياتهم مع تاريخ الأرمن والصعوبات التي واجهوها، بشرط أن يكون الحديث داخل منزل الأسرة باللغة الأرمينية التي يحرصون عليها تماما كما يحرصون على التزاوج فيما بينهم للحفاظ على هويتهم ولغتهم، بما لا يمنعهم من الاندماج مع المجتمع المصري من خلال العلاقات الاجتماعية وإتقان اللهجة المصرية والتفاعل في مختلف الأنشطة الاجتماعية؛ لأنهم ببساطة أبناء هذا الوطن وليس لديهم وطن غيره.

تشيكي في النادي اليوناني

يوجد في الإسكندرية لكل جالية نادٍ يجمع أبناءها، ولاتزال هذه النوادي مستمرة في دورها إلى يومنا هذا، فهناك النادي اليوناني والإيطالي والأرميني، وحتى النادي البرتغالي على الرغم من أنه لم يتبق أعداد كبيرة من الجالية البرتغالية.

ولأن الجالية اليونانية من أكبر الجاليات تأثيرا في الحياة السكندرية، حتى إن اسم مدينة الإسكندرية مكتوب على بوابات المدينة وعلى العديد من المرافق باللغة اليونانية؛ لذا فقد توجَّهنا إلى النادي اليوناني على شاطئ البحر قبالة قلعة قايتباي التاريخية الشهيرة في منطقة الأنفوشي وداخل النادي التقينا بأسرة تقضي يومها هناك..

الزوج: أنطوان سيدلاشيك، مهندس كهرباء، قال إنه وُلد في مصر من أب تشيكي وأم يونانية، وإن والده حضر إلى مصر منذ أعوام طويلة عندما كان في مقتبل عمره، وعمل بها وأسس شركة «باتا» لتجارة الأحذية.

وقد عرفت أحذيتها بجودتها ومتانتها، وقد تعرَّف والده على والدته اليونانية هنا في مصر وتزوَّجا، وكان هو ثمرة هذا الزواج، وعندما قامت الثورة أُمّمت شركته، لكن والده رفض أن يغادر مصر كما فعل كثير من الأجانب حينها، وفضل الحياة فيها، وظل يعمل مدياَ لشركة «باتا» حتى تُوفي.

وأضاف: نشأت في مصر رغم كثرة سفري إلى اليونان لزيارة عائلة أمي، وعائلة زوجتي، فقد تعلمت وعملت هنا طوال حياتي إلى أن تقاعدت، وحاليا أقضي الوقت بين مصر واليونان..

ولن أترك مصر اقتداء بوالدي، فكما عاش هنا في هذا الوطن سأفعل مثله وأوصيت أبنائي الأربعة أيضا بذلك، وكم كنت أتمنى دخول الجيش المصري لأداء مهمتي العسكرية إلا أنني مزدوج الجنسية، لكني أتعامل مع المصريين كمصري وهم أيضا لا يحسون بأي فارق بيني وبينهم، ولا أستطيع أن أعيش من دون الأكل المصري والعادات المصرية، حتى إن زوجتي اليونانية أتقنت الأكلات المصرية كالملوخية والمحشي.

إيطالية

وفي أحد النوادي الاجتماعية التقينا تانيا لوريندو، إيطالية الجنسية، التي قالت عن حياتها في مصر: أعيش هنا أسعد أيام حياتي، فعائلتي مرتبطة بالإسكندرية منذ زمن بعيد، أجدادي اعتادوا التجارة بين إيطاليا ومصر، وافتتحوا عدة محال تجارية هنا،.

وكونوا ثروة كبيرة جيدة، لكن أمي تزوجت من إيطالي يعيش في روما، فانتقلت إلى إيطاليا بعد زواجها وأنجبتني هناك، وكنا دائمي الزيارة لأجدادي هنا في الإسكندرية إلى أن توفيت والدتي، فاخترت أن أنتقل للإقامة مع جدي وجدتي، فعشت فترة شبابي في الإسكندرية، وتزوجت من مصري، وأنجبت ثلاثة أبناء، وكنت أزور روما من وقت إلى آخر مع أولادي لزيارة والدي قبل وفاته.

وأضافت: كانت الإسكندرية مدينة الفنون والعروض المسرحية والموسيقية للفرق الأجنبية، وظل وجود الأجانب وسط أهلها طبيعيا نظراا لتعودهم على ذلك منذ زمن بعيد، فكنت أسمع جدي يشيد دائما بأخلاق الزبائن المتعاملين معه وأمانة العاملين لديه.

وكان شديد الارتباط بأهل الإسكندرية، ويؤكد أنه لا يُعامل من قبل المصريين كأجنبي، أما الأجيال الجديدة في الإسكندرية فبكل أسف أصبحت لا تهتم بالتواصل مع الجيران ولا بمساعدة الآخرين، وهي الصفات التي تميز الشعب المصري، لكن عزاءنا الوحيد أن هذه المشاعر الباردة ليست خاصة بنا فقط، إنما هي سلوك جماعي وثقافة باردة وفدت على المصريين من قسوة ظروف الحياة.

وأكدت أن الجاليات الأجنبية اعتادت التجمع في النادي الخاص بكل جالية، خاصة في أيام الآحاد، وفي بعض دور العبادة الخاصة بهم، لكن هذا لا يعني أن كل جالية منغلقة على نفسها، على الرغم من قلة الأجانب في الوقت الحالي نظرا لأن جيل الأبناء أصبحت غالبيته تفضل العودة إلى أوروبا للعمل هناك برواتب كبيرة، وتكتفي بزيارة الأهل هنا في المناسبات فقط، وإحياء ذكرى الراحلين.

القاهرة - دار الإعلام العربية