واحة تحيطها بساتين النخيل والأشجار من كل صوب؛ وتصبو إليها العيون لأنها في القلب «عين»، فكأنها جاءت إلى الأرض عبر تاريخ قصص الشرق القديمة، يحتضنها جبل «حفيت» فتتألق النجوم على وجه مياه عيونها العذبة؛ إنها مدينة العين التي يشعر المرء حين يزورها بسكينة وسلام داخلي وإحساس يفوق الجمال عذوبة.
وفيها كان ل«الحواس الخمس» هذه الجولة مع مرفق سياحي يعتبر الأبرز في وطننا الحبيب «متنزه العين للحياة البرية» الذي زاره العام الماضي أكثر من 800 ألف شخص من داخل الدولة وخارجها، واصطحبتنا في الجولة هدى عياش محرر العلاقات العامة في المنتزه.يعود تأسيس «متنزه العين للحياة البرية» لعام 1968، حيث تم إنشاؤه في الأصل كـ «حديقة حيوان العين» من قبل المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والمتنزه مشروع تطويري متعدد الأوجه يتمحور بالكامل حول الحياة البرية.وقد صُمِّمَ بهدف إيجاد وجهة مستدامة ترفيهية وتعليمية تعمل على جعل الإنسان أقرب إلى الطبيعة.
ويمتد «متنزه العين للحياة البرية» على مساحة أكثر من 900 هيكتار ليشكل مهداً طبيعياً يحتضن حالياً أكثر من 4300 من الحيوانات منها 30% من الأصناف المهددة بالانقراض. دور ثقافي تعليمي إن «المنتزه» ليس بمكان للفرجة والاستمتاع بمشاهدة الأنواع النادرة للحيوانات ومعايشة تفاصيلها اليومية بصورة محببة؛ بل إن القائمين على المتنزه -وعلى رأسهم معالي الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان رئيس مجلس الإدارة ورئيس هيئة أبوظبي للسياحة- آثروا أن يقترن المتنزه بدور ثقافي تعليمي للجمهور وتحويله لمقر لدراسة وتطوير وبحوث للحياة البرية، ليأخذ المتنزه مكانه على خريطة المراكز العالمية في الحفاظ على الحياة البيئية .
ويكون نموذجاً متألقاً لمراكز البحوث والتطوير على مستوى العالم، ومن المقرر إنشاء مشروع التطوير الذي تعمل عليه الإدارة منذ سنوات؛ على ثلاث مراحل، حيث تضم المرحلة الأولى منطقة السفاري الإفريقية و«مركز الشيخ زايد لعلوم الصحراء» والذي سيفتتح في عام 2011 وتنفذ مراحله الأولى حالياً؛ يشكل معلماً بارزاً في المتنزه.
وسيصبح المركز معرضاً ومكاناً لاكتشاف التاريخ الطبيعي والثقافي للصحراء المحلية، بالإضافة إلى صحاري العالم، وللتقاليد والعادات العربية، وهو يقام على مساحة تقدر بحوالي 10 آلاف متر مربع، وستنتهي المرحلة الثانية والثالثة تباعاً في العام 2012 والعام 2013، حيث سيقام في محيط المتنزه مشروع سياحة فندقية ومجموعة من أماكن الترفيه.
شراكات استراتيجية
لدى «المتنزه» شراكات استراتيجية مع حديقة حيوان «سان دييجو» الشهيرة عالمياً وحدائق فيرتشايلد للنباتات الاستوائية والرابطة العالمية للحفاظ على حدائق النباتات وحدائق نباتات إدنبرة الملكية والصندوق الدولي للحفاظ على الصحراء وحديقة حيوانات ونباتات سينسناتي والرابطة العالمية لحدائق الحيوان والأحياء المائية، بالإضافة إلى الاتحاد العالمي للحفاظ على البيئة وهيئة البيئة - أبوظبي.
ويشارك متنزه العين للحياة البرية بفاعلية في الجهود المبذولة لحماية البيئة على مستوى العالم، كما يقود مبادرات الحفاظ على الأنواع الساعية لدعم العديد من أنواع الغزال وظبي المها العربي وحيوانات المناطق القاحلة آكلة اللحوم، مثل قط الرمال والنمر العربي.
يأوي متنزه العين للحياة البرية حالياً أكثر من 200 نوع مختلف من الحيوانات والنباتات، ولديه أكثر من 2500 من الثدييات و1200 من الطيور و600 من الزواحف، ويعمل في المتنزه 400 شخص، بينما يجري الإعداد حالياً لتوظيف حوالي 2500 شخص مع اكتمال خطط تطوير مراكز البحوث والسفاري والسياحة الفندقية التي تشمل 1000 فيلا سكنية وفندق درجة أولى بواقع 200 غرفة.
من أبرز المحطات التي يفتخر بها المتنزه؛ تجربة كوادره في التلقيح الصناعي لنوع نادر هو «قطط الرمال»، وتعتبر التجربة الأولى على مستوى العالم، ويعود موطن «قط الرمال» إلى دولة الإمارات والشرق الأوسط وأجزاء من شمال إفريقيا، ويواجه حالياً خطر تناقص أعداده، وضمن ما يسمى «مشروع قط الرمال» تم تخصيب أربعة قطط كمرحلة أولى من البرنامج.
وفي يوم 13 ديسمبر 2009 أنجبت واحدة منها زوجا من القطط، مما يعد انجازا تاريخيا في حماية هذه الأنواع، كما يعمل المتنزه مع حدائق حيوانات في أوروبا وأميركا الشمالية على دراسة التنوّع الوراثي للحيوانات الوحيدة الباقية في العالم من فصيلة المها معقوف القرن (أبو حراب)..
ويقيم المتنزه رحلات «سفاري» لزواره تمتد حتى منتصف الليل، وانطلقت بصورة تجريبية قبل فترة؛ إلا أن انطلاقها الرسمي سيكون في سبتمبر المقبل، وسيتمكن الزوار من مشاهدة إطعام التماسيح وطيور البطريق وحيوانات المنطقة العربية والإفريقية المتنوعة في أوقات الغروب.
كما تقوم إدارة المتنزه عند المساء ببث أفلام سينمائية مشوقة تكون مواضيعها عن عالم الحيوانات مثل «ليلة في المتحف» و«الحديقة الجوراسية» و«العصر الجليدي» وعشرات من الأفلام الأخرى.
ويتاح للزوار التجول عبر المتنزه بواسطة القطارات الثلاثة المهيأة لهذه الخدمة وتطول مدة الجولة لأكثر من عشرين دقيقة، ولكي يخفف عن الزوار بعض حرارة الصيف وضعت الإدارة مرشات رذاذ بارد خفيف في أعلى الممرات، وهو ما يمنح المرء شعوراً بالانتعاش.
ممشى الديناصورات
كأنك تتجول في «الحديقة الجوراسية» التي أبدعها المخرج العالمي ستيفن سبيلبرج؛ فحين تدخل في «ممشى الديناصورات» الذي يعتبر الأول من نوعه في الشرق الأوسط، تذهلك الأصوات المرعبة الصادرة من الديناصورات الضخمة التي يبلغ عددها 24 ديناصوراً، وتم تصميمها في الولايات المتحدة، ويجري تحريكها إلكترونيا بصورة فائقة يظن الزائر أنها حقيقية.
وأكثر الجمهور التصاقاً وحباً لها هم فئة الأطفال الذين تربطهم علاقة خفية مع هذه المخلوقات التي انقرضت قبل ما يقارب 65 مليون سنة خلت، ويكون ذلك الخوف الجميل أكثر تأثيراً بحلول المساء حيث تضاء الحديقة الجوراسية التي تبلغ مساحتها 6000 متر مربع لتظهر الدينصورات من بين الأشجار بأصواتها المعروفة.
يحوي معرض «الحيوانات الإفريقية» في المتنزه عدة أنواع، من الحيوانات الجميلة التي قدمت من موطنها الأصلي في إفريقيا، حيث يقف الكركدن وحيد القرن مع زوجته، بهدوء عند بركة الماء وكأنه يتأمل في شيء نجهله.
بينما تراقب الزرافات الجميلة عن كثب كل شاردة وواردة من حولها، وتتأنق حمير الوحش بخطوطها المتموجة وكأنها مدعوة إلى حفل ساهر لدى المها الإفريقي بقرونه الفضية، وليس بعيداً عن هذا المعرض يجلس بهدوء توأم الأسود الإفريقية البيضاء المهددة بالانقراض، يجاورهم في السكن زوج من الفهد الصياد الذي يستقبل مدربته «بريجيت» بفرح غامر في داخل القفص.
العين- محمد الأنصاري


