قديما كانت الأغنية الشعبية خير تعبير عن روح الشعب، كونها تتمتع بأصول وقيم وعادات اجتماعية تبتعد عن التردي الفني، إلا أنها خلال السنوات الأخيرة أصبحت عشوائية وكلماتها أقرب إلى ألفاظ نابية لا تخضع لأي مواصفات أو معايير، فانتشرت أغنية -وعذراً في استخدام أغنية-«أنا مش خُرنج».

«شربت حجرين عالشيشة»، الأمر الذي دفع البعض الى اعتبار هذه الأغنيات بمثابة «سب وقذف» في حق المجتمع، ويستحق مؤدوها عقابا قانونيا لكن التساؤل: لماذا تغير مسار الأغنية الشعبية، وإلى أين يمضي قطار الإباحية الشعبية؟

من الطبيعي أن يكون متلقي هذه الأغاني مجبرا عليها، فهو يلقاها في وسائل النقل المختلفة، في صالون الحلاقة، في الشارع، في المطاعم، وكلماتها لا تكف عن مطاردة المواطن البسيط حتى في بيته، ومع ذلك فإن أغنية واحدة من هذه الأغنيات الهابطة قادرة على كتابة شهادة ميلاد فنان ورفعه إلى عنان السماء في عصر اتفق فيه الجميع على انهيار الأغنية الشعبية.

انهيارٌ أوّل

لكن النقاد يؤكدون أن بداية انهيار الأغنية الشعبية لم تكن وليدة هذه الأيام، فقد بدأت بالفعل على يد أحمد عدوية، الذي نصّب نفسه سيدا على الأغنية الشعبية بلا منازع منذ نحو 40 عاما بعد أن ظهرت أولى أغانيه العام 1973 بعنوان «سلامتها أم حسن».

ورغم النجاح الجماهيري الذي حققته الأغنية إلا أنها تسببت في تحميل عدوية وزر الإساءة للذوق العام، ومنعت آنذاك أغانيه من العرض في الإذاعة المصرية وكذلك التليفزيون، ومع ذلك استمر في تقديم أغنيات «الطشت قاللي»، ولم يجد عدوية من يدافع عنه للخروج من هذا المأزق.

سوى قلة مثل الشاعر الشعبي أحمد فؤاد نجم، الذي اعتبره خليفته في الوصول إلى قلوب الشعب المصري، لكن أديب نوبل، نجيب محفوظ، وصفه بأنه مطرب عبثي يغني لشعب فقد الثقة في نفسه بعد هزيمة 1967.

طعنة عدويّة

وكان العام 1989 بمثابة الطعنة القاتلة لعدوية بعد إصابته بجلطة أدت إلى شلل، فأصبحت ساحة الغناء خالية أمام الآخرين خاصة بعد انسحاب ليلى نظمي، وفاطمة عيد، حتى تعطّش الشارع المصري للغناء الشعبي فوجد المطربان حكيم وحسن الأسمر الفرصة مواتية لينالا شهرة واسعة.

فبدأ كل منهم يتجه إلى الحفلات في الداخل والخارج، وجذبته أضواء السينما أيضا، وانشغلا عن الغناء الشعبي، فالتقط شعبان عبدالرحيم الميكروفون، وأصبح صاحب الأثر الكبير في مسيرة الأغنية الشعبية رغم صوته الذي لا يرقى إلى مرتبة «منادي سيارات».

لكنه انتهج إيقاعا معينا عاش في قلوب الجماهير، فأصبح «شعبولا» يتربع على عرش الأغنية الشعبية، ووصل إلى مستوى من الانتشار لم يتوقعه النقاد والموسيقيون، فقد أصبح واعظا من خلال كبسولات إرشادية دون تزويق، مستخدما ألفاظا حقيقية يتداولها الكادحون في حياتهم مُلامسا همومهم اليومية رغم أن أغانيه مثلت صدمة للمثقفين المصريين والعرب، لكنها لاقت نجاحا لم يصل إليه أحد ممن شرعوا في الغناء الشعبي.

هبوط حاد

ورغم الصدمة التي أحدثتها أغاني شعبان، إلا أن البعض لم يعتبرها ظاهرة عبثية، بل علامة فارقة تؤرخ لمرحلة جديدة من الهبوط المتنامي يوما بعد يوم، وقد حدث هذا الهبوط بالفعل بعد ظهور عبدالباسط حمودة، ودياب الملقب بـ «غمازات» .

ثم طارق الشيخ، محمود الليثي، إبراهيم عبدالرازق، سعد الصغير، بعرور، وأخيرا «أبو الليف».. لكن السؤال الذي يطرح نفسه.. هل هؤلاء يقدمون بالفعل ما نسميه اصطلاحا «أغنية شعبية» أم أنها سذاجة تعتمد على الألفاظ الخارجة والعبارات الهابطة التي لا تمت إلى الفن أو الطرب بصلة؟.

مرتزقة غناء

يؤكد د. أحمد السيد، أستاذ الأدب الشعبي، أن مطربي الشعبيات هذه الأيام هم السبب الرئيسي وراء انحدار الأغنية الشعبية بعد أن بلغ مستوى الانحدار منتهاه على شاشة الفضائيات، لدرجة أن المشاهد يستمع وهو في منزله آمنا إلى أغنيه تقول كلماتها «ابقى تعالى بالليل..

وانا أورّيك الويل»، أي ويل أكثر من هذا؟! فقد أصبح هذا اللون الغنائي عبارة عن خلاعة وإسفاف ورقص، فقد أصبح رقص الرجال بطريقة نسائية موضة على إيقاعات هذه العبثيات من أجل لقمة العيش، فهؤلاء «مرتزقة غناء» لا يمكن السيطرة عليهم في ظل وجود انتشار فضائيات مبتذلة تسمح لهم بالظهور بل والنجومية.

أغنيات كالمناديل الورقية

يضيف السيد: للأسف فإن الكلمات الركيكة والعبارات التافهة أصبحت تجذب الكثيرين؛ لذلك أصبح أعداد هؤلاء الشرذمة في تزايد، وكما يقولا المثل الدارج «حسن السوق ولا حسن البضاعة»..

فكل يوم نستقبل 10 مطربين جدد لا يبقى أحد منهم في الذاكرة؛ لأن الغناء الذي وُلد من رحم الفضائيات يُعتبر أشبه بالمناديل الورقية التي تستخدم في دورات المياه لمرة واحدة فقط لهواة التغييب، وبعدها يكون مصيرها سلة القمامة..

ويختتم بأن الأغنيات لا يمكن إدراجها تحت مسمى الأغنية الشعبية، لكنها عشوائية لن تعيش وإن حققت جماهيرية كبيرة أو تحدثت عن قضايا سياسية واقتصادية، فهي أغنيات مؤقتة رخيصة مثل أصحابه.

حرمة الأموات

وفي أول دراسة من نوعها تصف الأغنية الشعبية الحديثة كشف د. نبيل عبدالحميد، مدرس علم النفس بآداب المنصورة،شمال القاهرة أن الظاهرة امتدت إلى استخدام الألفاظ النابية؛ حيث بدأت بإباحية عدوية حين غنى «السح الدح امبو».

وبعدها يقول مطرب آخر لحبيبته «أنا لقيتك رمّة»، حتى وصل بها الحال إلى اختراق حرمة الأموات فقامت بإخراجهم من قبورهم وزوّجتهم وجعلتهم يرقصون على الأنغام التي لا تمت إلى الطرب بصلة؛ حيث يقول واحد ممن أطلقوا على أنفسهم مطرب شعبي: «أنا مش مندوب جوازات..

ولا برقّص في الأموات»، وقد وجد الباحث أن أسباب انتشار هذه الأغاني الهابطة هي استخدام عبارات ذات مدلول جنسي، علاوة على طريقة الأداء التي لا تخلو من الإيحاءات حتى لو كانت الكلمات غير جنسية، علاوة على الألفاظ الهمجية المشجّعة على العنف والعدوان اللذين انتشرا بصورة واسعة بسبب الفراغ الثقافي وانهيار الذوق العام الذي أصاب المجتمع.

عبدالباسط مطرب الوجودية

وكان من الطبيعي أن يدافع المتهمون من المطربين بالتسبب في انهيار الذوق العام للأغنية الشعبية وجعلها تسقط في قاع الطرب؛ حيث يؤكد عبدالباسط حمّودة، صاحب أغنية «قوليلي يا مرايتي» أن أغانيه تعبر عن الناس وهمومهم، وتمس قلوبهم، وأنه اتخذ هذا اللون من الغناء منذ 10 أعوام، ونجح فيه بجدارة..

واستند حمودة في كلامه إلى الغناء الشعبي لكبار المطربين أمثال عبدالوهاب، وعبدالمطلب، ومحمد قنديل في الأفراح، ودلل على قيمته الفنية من خلال تعامله مع ألحان الكبار - حسب قوله - أمثال بليغ حمدي في أغنية «يا عيني على وقتك» .

وياسر عبدالرحمن، كما تعامل مع الكتاب الموهوبين أمثال أمل الطائر في أغنية «متصحّوش المواجع»، واختتم حمودة دفاعه بأنه المطرب الوحيد الذي وزع من ألبومه 3 ملايين نسخة، وكان ينتظر جائزة الميوزيك أوورد لأنها من حقه حسب قوله..

ولمن تعجب من كلام عبدالباسط أقول إن كاتبا بجريدة شهيرة ربط بين ما قاله عبدالباسط حمودة في أغنية «قوليلي يا مرايتي» وبين الفلسفة الوجودية.

مطرب ميكروباص

كما اعترف طارق الشيخ بأنه مطرب ميكروباص قائلاً: هذا اللقب يزيد من شهرتي، ولا أخجل منه؛ لأنني في الأصل «سائق ميكروباص»، ويكفيني فخرا أنني أحد رواد الأغنية الشعبية في مصر، ولا يعني ذلك أنني راض عن الكلمات السخيفة التي تظهر في أغنيات بعض المطربين كل يوم.

بعد أن كنا نسمع تلك الكلمات في المشاجرات والعشوائيات والمناطق التي يسكنها البلطجية مثل خرنج وهاعرفك مقامك، وكأنهم يعلّمون المستمعين أصول المشاجرات على أصولها.

إضاءة

أكد طارق الشيخ أنه يحاول الابتعاد عن الكلام البذيء في أغنياته والبحث عن معنى ونصيحة للجمهور.. وقد وصف مطرب الميكروباص زملاءه من المطربين فقال إن عدوية «راحت عليه».

وسعد الصغير ب«حلو»، وشعبان عبدالرحيم ب«جيّد»، وعبدالباسط حمّودة ب«صوته خطير»، وبعرور «سيئ»، وأمينة «صوت جاف»، وهدى بأنها تحاول الرقص وتمتلك إمكاناته.