الكلام عن شارع «قصر العيني» يطول باعتباره صورا متداخلة من صور الحياة في مصر، فالشارع يعد علامة مضيئة في تاريخ مصر العلاجي بوجود مستشفى قصر العيني، الذي يعتبر حبة دواء لكل من داهَمهُ مرضٌ في مصر أو في بلاد عربية مجاورة فترات طويلة من الزمن.

فهذا المستشفى الذي عاش مؤسسة تعليمية علاجية ضخمة، لايزال يواصل دوره حتى يومنا هذا، إضافة إلى أن الشارع يضم أهم المؤسسات في مصر مثل البرلمان المصري، وبعض الوزارات والسفارات، والمؤسسات الصحفية، إلا أن الشارع أبى أن يتخلى عن أهميته في الفترة الأخيرة، فصار قبلة المتظاهرين والمحتجين والمعتصمين في مصر، فكأنه شارع يلخص الحياة في مصر بأكملها، ورحلة طويلة تمتد من المرض إلى الشفاء.اسم «قصر العيني» منسوب إلى صاحبه، أحمد بن العيني، الذي أسسه العام 1466 قبل أن تنتقل إليه «مدرسة الطب» في العام 1837، وهي أول مدرسة قومية للطب في مصر، وكانت ملحقة بالمستشفى العسكري في «أبو زَعْبل»، وارتبط هذا المستشفى بالجرَّاح الفرنسي أنطوان برتلي كلوت، المعروف بـ «كلوت بك»، الذي كان يعمل كبير أطباء وجرّاحي الجيش المصري العام 1827.

والذي سُمي باسمه أحدُ أشهر شوارع القاهرة، الممتد من ميدان العتبة حتى ميدان رمسيس، ويعتبر الشارع من أكبر الشوارع التجارية بالقاهرة، وكان هذا تخليدا لدور الرجل في خدمة الطب بمصر.

ورغم أن «كلوت بك» كان قد عاد إلى فرنسا في العام 1847 بعد تقديم استقالته من المستشفى العسكري، فإنه عاد إلى مصر العام 1855 فأُعيد تعيينه مديرا لمدرسة الطب ومستشفى «قصر العيني».

واستمر في هذا المنصب 3 أعوام فقط ثم عاد إلى فرنسا لأسباب صحية بعد 33 عاما قضاها في خدمة الطب والتعليم في مصر.. وفي العام 1838، أي العام التالي لانتقال مدرسة الطب، تم افتتاح أول مدرسة للمولّدات بمستشفى قصر العيني.

ومع تطور التعليم والطب في مصر تم ضم مستشفى «قصر العيني» و«مدرسة الطب» إلى الجامعة المصرية العام 1925، وشغل د. ولسن منصب المدير، وفي العام 1929 عُين د. علي باشا إبراهيم عميدا للكلية والمستشفى، واستمر في منصبه حتى العام 1940.

منطقة مكتبات طبية

ومستشفى قصر العيني ظل لأعوام طويلة المؤسسة الطبية والتعليمية الأكثر أهمية في المنطقة، وقد أدى الزحام المستمر على هذا المستشفى إلى افتتاح مطاعم وأكشاك عديدة حوله لخدمة المترددين عليه، وتضم الشوارع المحيطة بالمستشفى كبرى مكتبات بيع الكتب والمجلات الطبية المتخصصة، التي يلجأ إليها كل العرب للبحث عن المراجع المهمة والكتب النادرة والحديثة في مجال الطب.

وبالرغم من أن هذه المكتبات على الأرصفة أو «الترابيزات» في الشارع، فإنها ظلت الملجأ الوحيد لطلاب الطب والدراسات العليا وكبار الأطباء من كل دول المنطقة الذين يتابعون حركة التطور المتلاحقة في هذا المجال، وكثيرا ما نجد أحد المصريين أو الطلاب العرب في القاهرة يتلقى مكالمة هاتفية أو رسائل عبر البريد يطلب كتبا بعينها من هذه المكتبات الغنية بالمراجع والتي يصل في بعض الأحيان سعر المرجع فيها إلى أكثر من ألف جنيه مصري.

وفي مستشفى «قصر العيني» تخرّج مئات الآلاف من الأطباء؛ بحيث يعتبر المستشفى التعليمي الأهم والأكبر في المنطقة كلها، وما يؤكد دوره وأهميته بقاء لافتات العيادات الخاصة التي تحمل اسم الطبيب مقترنا بالعمل في مستشفى «قصر العيني»، إشارة للثقة التي يتمتع بها المكان لدى المرضى الباحثين عن علاج لدى طبيب مميز.

ومعروف أن مستشفى «قصر العيني» يستقبل حتى اليوم، بالرغم من وجود مئات المستشفيات الحكومية والخاصة في القاهرة الكبرى، العدد الأكبر من المرضى، كما أن المستشفى يعمل به أكبر الأطباء ويضم أحدث الأجهزة، وتعد شريحة الفقراء هي التي تلجأ إلى مستشفى «قصر العيني»؛ حيث تجد اهتماما كبيرا، وعلاجا مجانيا في أي وقت.

«قصر العيني» الجديد

وفي إطار عملية التطوير حظي «قصر العيني» باهتمام بالغ انطلاقا من أهميته العلمية والتاريخية، فقد أنشئ «قصر العيني الجديد» الذي تسلمته جامعة القاهرة العام 1995، والذي يطلق عليه المستشفى الفرنساوي، وقد أنشأته مجموعة فرنسية من ثلاث شركات، هي «سوجيا».

«إيبوتي دي فرانس»، «ست فولكييه»، وافتتحه الرئيس المصري حسني مبارك، والرئيس الفرنسي جاك شيراك في أبريل من العام 1996، ويعد المستشفى امتدادا للمستشفى القديم، وقد تكلف إنشاؤه 80 مليون فرنك، بالإضافة إلى 150 مليون جنيه مصري، ويعد مرحلة مهمة وجديدة في تاريخ «قصر العيني» وكلية الطب بجامعة القاهرة.

وفي «قصر العيني» متحف ملحق بكلية طب «قصر العيني»، الذي تم تأسيسه على مرحلتين، الأولى في مارس 1998، والثانية في مارس 1999، ويضم المتحف تقنيات طبية نادرة منذ عهد محمد علي باشا، وتحكي مقتنياته ووثائقه تفاصيل النهضة العلمية والطبية في مصر الحديثة، كما يضم أهم الكتب النادرة في مجال الطب ابتداء من مدرسة الطب في «أبو زَعْبل» حتى يومنا هذا، كما وثّق المتحف إسهامات الأطباء المصريين وجهودهم للارتقاء بالطب في مصر.

واتصال ذلك بالطب والعلم في عهد الفراعنة، ويتكون المتحف من قاعتين، رئيسية وفرعية، ويجري حاليا العمل لافتتاح المرحلة الثالثة من المتحف، وأبرز ما يشد الزائر لهذا المعرض الأدوات الطبية التي استخدمها مشاهير الأطباء منذ مئات الأعوام في عملياتهم الجراحية.

كذلك الأدوات الطبية التي كانت تستخدم في تركيب الدواء وإعداده، وفي جانب آخر من المتحف مجموعة من الآلات الجراحية والقواطع والمشارط المعدنية التي كان يستخدمها «كلوت بك» في الجراحات المختلفة التي كان يُجريها، وهي محفوظة بشكل رائع؛ حيث تجد كل مجموعة في العلبة الخشبية الخاصة بها.

ويعتبر مستشفى «قصر العيني الجديد»، «الفرنساوي»، صرحا تعليميا علاجيا عالميا قام بالتدريس فيه كثير من الأطباء الفرنسيين، وكبار الأطباء من الدول الصديقة لمصر، ويعد أكبر كلية طب في الوطن العربي والقارة الأفريقية، وقد كان التجديد الذي تم في «قصر العيني» نتيجة التعاون القائم بين مصر وفرنسا.

حيث كان للفرنسيين دور كبير في تأسيس وتطوير مدرسة الطب و«قصر العيني القديم» بقيادة «كلوت بك»؛ لتثمر هذه العلاقة تجديد أكبر صرح علاجي وتعليمي وهو «قصر العيني الجديد» وفق عقد موقع بين جامعة القاهرة العام 1984 والمجموعة الفرنسية «كونسيرتيوم»؛ حيث بدأ العمل فيه العام 1986 واستغرق 9 أعوام كاملة.

شارع مؤسسات ووزارات

الشهرة الكبيرة التي حظي مستشفى «قصر العيني» في مصر دفعت الحكومة إلى تسمية الشارع الذي يؤدي إلى المستشفى باسم «شارع قصر العيني» والواقع بحي «جاردن سيتي»، ويمتد من ميدان التحرير حتى المستشفى.

وهو الشارع الذي يضم أهم المؤسسات السياسية والتعليمية والفنية والثقافية في مصر مثل مجلسي الشعب والشورى، نقابة الأطباء، مسرح السلام، مسرح فيصل ندا، مؤسسة روزاليوسف الصحفية، وعددا من الوزارات المهمة والمصالح الحكومية الكبيرة إلى جانب العديد من السفارات مثل السفارة السودانية، السفارة الكندية، وغيرها.

إضاءة

صار شارع قصر العيني بما تقدم بانوراما للحياة المصرية وشاهدا على أحداث سياسية أثارت وما زالت تثير الرأي العام المصري، فقد أصبح الشارع مقرا لكل من يريد الاحتجاج على أوضاعه السياسية والاجتماعية.

ويشهد حاليا تجمعات من عمال مصر من أقاليم مختلفة، جاؤوا ليرتموا على جانبي الشارع ما بين معتصم وممتنع عن الطعام انتظارا لقرار من الحكومة المصرية برفع الظلم عنهم وزيادة أجورهم، إنه نوع آخر من المطالبة بالعلاج من خلال أصوات علا ضجيجها في شارع القصر العيني.