هو بالتأكيد ليس عملاقا.. المتحف الذي تسابق مصر الزمن على الانتهاء من تشييده على مقربة من الأهرامات ليكون أحد أكبر متاحف العالم، كما أنه ليس كما المتحف المصري العتيق الذي يتوسط قلب القاهرة وفي ميدانها الأشهر «التحرير»، لكنه متحف قزم، اتخذ من جدران مكتبة الإسكندرية الحديثة ركنا يتحصن به، وينتسب إلى كيان ثقافي عالمي يزيد من زخم المدينة الشاطئية الأشهر في مدن البحر المتوسط..
لكن ما يميز هذا المتحف القزم على الرغم من مساحته الضئيلة أنه يضم مجموعة من الآثار النادرة التي تعتبر مرآة تعكس ما شهدته الإسكندرية من حضارات متعاقبة.وإذا كانت مصر تضم أكثر آثار العالم، فمع تنوع متاحفها وحجمها يحاول متحف «مكتبة الإسكندرية» مناطحة هذه المتاحف باقتناء عدد من الآثار النادرة والقطع الأثرية المتميزة لتعكس ما مر من حضارات على المدينة الشاطئية، وعلى الرغم من تعدد المتاحف المصرية.وأبرزها المتحف المصري بالتحرير، الذي سيتحول إلى متحف للمقتنيات النادرة، ومتحف الحضارة، والمتحف المصري الكبير الذي سيكون أكبر وأهم متاحف العالم، ومتحف النوبة، ومتحف الأقصر، والمتحف القبطي، والمتحف الإسلامي، والمتحف اليوناني الروماني.ومتحف المجوهرات وغيرها، فإن متحف آثار مكتبة الإسكندرية يناهز كل هذه المتاحف، ليصبح أول متحف داخل مكتبة في العالم، ولم يكن المتحف جزءا من المخطط الأساسي لتصميم المكتبة في بداية الأمر، إلا أن الأقدار كان لها دور كبير في إقامته.
عصور متعاقبة
أثناء حفر أساسات المكتبة في الفترة من 1993 إلى 1995، عثر المشرفون على مجموعة من القطع الأثرية النادرة بموقع الحفر، والمتبع في مثل هذه الحالات هو نقل القطع المكتشفة إلى أي متحف آثار من متاحف الدولة، إلا أن الأمر اختلف بشأن تلك القطع الأثرية، حيث تقرر تضمين المكتبة متحفا صغيرا على مساحة 1700 متر مربع، ويقع في المستوى الأول 1 من المكتبة العريقة.
وفي أثناء زيارة السيدة الأولى في مصر سوزان مبارك لموقع العمل وإطلاعها على أمر هذه المكتشفات النادرة جاءت الفكرة، ومن ثم دعت إلى تشكيل لجنة لإعداد الدراسات اللازمة لإنشاء المتحف، ونظرا لأن القطع المكتشفة لا تكفي- من حيث العدد- لإنشاء متحف آثار بالمعنى المتعارف عليه، جاءت فكرة إنشاء متحف يضم العصور المختلفة للحضارة المصرية، بدءا من الفرعونية إلى الإسلامية.
فقامت مجموعة من الأثريين من المجلس الأعلى للآثار بوزارة الثقافة المصرية بمعاونة الدكتور مصطفى العبادي، أستاذ التاريخ بجامعة الإسكندرية، باختيار المعروضات المختلفة التي يضمها المتحف، وروعي أثناء جمع المعروضات أن تكون متنوعة من حيث الشكل والمضمون، لتعطي للزائر صورة كاملة مبسطة للعصور المصرية المتعاقبة.
آثار مختلفة
يضم المتحف نحو 1079 قطعة أثرية جمعت من مناطق ومتاحف مختلفة في أرجاء مصر مثل: المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية، والمتاحف: المصري والقبطي والإسلامي بالقاهرة، ومن الفيوم والمنيا والأقصر، ولعل أبرز ما يميز مقتنياته ضمها أبرز وأهم القطع التي عثر عليها بموقع المكتبة أثناء أعمال الحفر.
كما ضمت المجموعة الآثار الغارقة التي تم انتشالها من الميناء الشرقي، ولا تقتصر تلك القطع الأثرية على الإشارة للدلائل التاريخية التي مرت بها مصر فقط، بل امتدت لتشير لجميع المجالات العلمية والثقافية والفنية والدينية والاجتماعية.
ينقسم المتحف إلى صالة رئيسية، قاعة مومياوات، قاعة اكتشافات حفائر مكتبة الإسكندرية، قاعة جانبية، أما الصالة الرئيسية فهي كبرى صالات العرض الموجودة داخل المتحف، وتتميز باتباعها التخطيط العالمي المتعارف عليه من حيث التصميم الداخلي للمتاحف.
وهو أن تكون نقطة البداية هي نفسها نقطة النهاية للزائر، وتضم معروضات متنوعة للمراحل التاريخية المختلفة التي مرت بها الحضارة المصرية، بداية من عصور مصر القديمة، فالعصر اليوناني، البطلمي، الروماني، القبطي، الإسلامي، بالإضافة إلى مجموعة من البرديات.
أما قاعة المومياوات فهي من أهم قاعات المتحف، وأكثرها جذبا للزوار، وتقع في مستوى أقل من مستوى سطح القاعة الرئيسية.، وتتميز باحتوائها على مومياء واحدة ترجع إلى العصر الروماني، وتابوتين من العصرين الفرعوني والبطلمي.
أيضا هناك قاعة اكتشافات حفائر مكتبة الإسكندرية، التي تعتبر النواة الرئيسية وحجر الأساس في متحف الآثار، وتضم مجموعة نادرة من المقتنيات ذات الأهمية الفنية والتاريخية، فهي تعطي صورة واقعية لجانب من الفن السكندري في عصر من أزهى عصوره التاريخية، أما القاعة الجانبية فقد ألحقت بالمتحف حديثا، وتضم مجموعة رائعة من الأدوات الجنائزية، والقرابين، بالإضافة إلى مجموعة متنوعة من تماثيل للآلهة من عصور مختلفة.
تكنولوجيا رقمية
ومواكبة لكل ما هو حديث في عالم التكنولوجيا الرقمية، أتاح المتحف لجمهوره خدمة دليل رقمي، وذلك لوضع المتحف في صفوف المتاحف العالمية التي تستخدم أحدث التقنيات العلمية والتكنولوجية، وقد تعاقدت المكتبة مع شركة IBM العالمية لتنفيذ المشروع وأشرف على التنفيذ مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي CULTNAT وهو أحد المراكز البحثية التابعة لمكتبة الإسكندرية.
هذا ويعتبر المتحف الثاني في مصر الذي يطبق فيه هذا المشروع بعد المتحف المصري بالقاهرة، والدليل الرقمي عبارة عن جهاز بحجم كف اليد، سهل الاستخدام، يحتوي على شرح صوتي ومرئي للقطع المعروضة بأسلوب واضح.
وتقدم هذه الخدمة بثلاث لغات هي: العربية، والإنجليزية والفرنسية، ويمكن للزائر التعرف إلى مقتنيات المتحف بأكثر من طريقة: الاختيار الأول هو الجولات المعدة وفقا للعصر أو الموضوع، وتتراوح مدتها ما بين 30 و90 دقيقة، وعددها ثماني جولات، منها: «كنوز من الحضارة الفرعونية»، و«معتقدات الحياة الآخرة»، و«حفائر المكتبة».
متحف المخطوطات
ويبرز- مكملا للمتحف مركز ومتحف المخطوطات بالمكتبة، فبعد أن بدأ كإدارة للمخطوطات صدر قرار جمهوري في سبتمبر من العام 2002 بتطوير الإدارة لتصبح- رسميا- مركزا للمخطوطات.
ليضطلع هذا المركز بمجموعة من المهام الرئيسة مثل: جمع المخطوطات الأصلية وفهرستها وصيانتها بشكل علمي، الحصول على المصورات الميكروفيلمية والصور الرقمية من المجموعات الخطية في دول العالم، ونشر التراث العلمي خاصة ما يتعلق بتاريخ العلوم وإسهامات الحضارة العربية والإسلامية في تراث الإنسانية.
وغيرها من الأدوار المهمة كتوفير مصادر البحث العلمي في المجالات التراثية، وتنظيم الدورات التدريبية المتخصصة في المجالات التراثية المختلفة مثل: فهرسة المخطوطات وتحقيقها ونشرها، وأخيرا التنسيق بين المراكز المتخصصة في التراث والمخطوطات وعقد الندوات والمؤتمرات العلمية في هذا المجال.
وينقسم إلى عدد من الأقسام المتخصصة تعمل بشكل متناغم، وهي قسم الأوعية النادرة، الذي يضم نفائس المقتنيات المحفوظة بالمكتبة من المخطوطات الأصلية مثل: مجموعة بلدية الإسكندرية، والكتب النادرة، والخرائط والعملات القديمة.
والوثائق وغيرها، ويضم هذا القسم وحدة تهتم بالمجموعات الخاصة التي تضم المكتبات الكاملة المهداة من كبار الشخصيات مثل: مجموعة عبدالرحمن بدوي (13000) كتاب ومخطوطة مصورة، ومجموعة محمد حسنين هيكل (1440 كتابا).
ويضم القسم أيضا قاعة اطلاع على المخطوطات، وهي قاعة مخصصة للباحثين مجهزة بأحدث وسائل الأمان والضبط البيئي لحماية المخطوطات وحفظها من عوامل التلف.
والقسم الثاني التابع لمتحف المخطوطات هو قسم الميكروفيلم الذي يعمل على جمع المصورات الميكروفيلمية للمجموعات الخطية في العالم لتكون بين أيدي العلماء والباحثين المترددين على المكتبة.
كما يحتوي رصيد القسم على مجموعة ميكروفيلمية كاملة للجرائد الوطنية والعربية منذ صدورها وحتى الآن، ويضم القسم أيضا مجموعة من الشرائح الضوئية المتميزة التي تشمل مجموعة لوحات بيكاسو، وألبوما كاملا به مجموعة الفنون الأرمينية.
إقبال متزايد
يشهد المتحف القزم منذ افتتاحه مع بداية العام 2003 إقبالا متزايدا يوما بعد يوم، حيث يأتي لمشاهدته يوميا آلاف المصريين والأجانب للتعرف إلى الآثار التي تعبر عن الحضارات التي عايشتها مصر على مر السنين، ويعتبر المتحف بمثابة نافذة حضارية تساعد جمهور المكتبة على التعرف إلى الحضارات المختلفة.
عروس المتوسط
تشتهر مدينة الإسكندرية المصرية باسم عروس البحر الأبيض المتوسط، وهي العاصمة الثانية لمصر، والعاصمة القديمة لها، تضم بين طياتها الكثير من المعالم المتميزة، كمكتبة الإسكندرية والعديد من المتاحف والمواقع الأثرية مثل قلعة قايتباي وعمود السواري، فضلا عن منارة الإسكندرية التي اعتبرت من عجائب الدنيا السبع.
مكتبة الإسكندرية
تأسست مكتبة الإسكندرية القديمة بأمر بطليموس الثاني، في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد، وضمت أكثر من 000 .700 مجلّد وكانت أكبر مكتبة في العالم في عصرها وأقدم مكتبة حكومية عامة في العالم القديم.. وقد أعيد إحياؤها سنة 2002 بدعم من منظمة «اليونسكو».
المتحف المصري
يحتوي المتحف المصري بالقاهرة على أكبر مجموعة من الآثار المصرية القديمة، وإن نافسه المتحف البريطاني واللوفر ومتحف مترو بوليتان في نيويورك في ذلك.. ويقبع المتحف بميدان التحرير بقلب القاهرة منذ عام 1906م، ويحتوي على أكثر من 136 ألف أثر فرعوني، بالإضافة إلى مئات الآلاف من الآثار الموجودة في مخازنه.
المتحف الكبير
المتحف المصري الكبير هو أحد أضخم متاحف العالم الحديثة، ويجرى العمل على تنفيذه على بعد أميال قليلة غرب القاهرة وبالقرب من أهرامات الجيزة، على مساحة 117 فدانا، ويقام على سهل صحراوي حيث يرى زائره الأهرامات أحد أعظم آثار العالم.. ومن المقرر افتتاحه في العام 2012 بعد انتهاء المرحلة الثالثة منه.

