عندما كتب تشارلز داروين «أصل الأنواع»، ما كان لأحد أن يتنبأ أن بعض المساحات الجليدية ستذوب، وأن منسوب المياه سيرتفع إلى حد يدفع بالكائنات الحية فوق الأرض لتعيش مجدداً تحت الماء أو ينتهي بها المطاف إلى الزوال. لقد جئنا من الماء، والآن وبفضل تقنية الخلايا الجذعية والاستنساخ، يجب أن نعود إليه من أجل البقاء، لا فهذا ليس خيالاً علمياً، إنه التطور.
وهكذا ارتقت بصمة المصمم الراحل أليكسندر مكوين المميزة في التصميم إلى آفاق تقنية جديدة. فلكل زي طابعه الفريد الذي صمم خصيصاً ليلبي ذوق من يرتديه!
فعلى الرغم من رحيل ماكوين عن عمر ناهز الاربعين سنة، عشية مشاركته في اسبوع الموضة العالمية في نيويورك، لا تزال تصاميمه تلقى اقبالا كبيرا من محبات الموضة، وكان ماكوين قد شارك في عرض مجموعته (أتلانتيس أفلاطون) في ميلانو التي قيل انها ليست خيالا بل تطوراً فى اختيار الاقمشة التي تنوعت لتقدم لكل شخص ما يناسبه او للقصات التي تلف الجسد كأنها تبدأ وتنتهي من النقطة ذاتها.
وفى السياق كانت منصة عرض مجموعة أتلانتيس أفلاطون بمثابة مختبر للكيمياء الحيوية مرصوف بأرضية بيضاء مع مساحة عملية تغطيها كاميرتان ترصدان تفاصيل حركة العارضين أثناء سيرهم على ممشى العرض؛ فكانت أشبه بجنة صنعها الإنسان على الأرض.
أما الخلفية، فكانت عبارة عن شاشة مضيئة تعرض فيلماً أعده أليكسندر مكوين مع نيك نايت، ويصور فيه امرأة تتحول إلى مخلوق بحري يعيش تحت الماء في عالم يختلط فيه الخيال بالحقيقة، أما الشعر فكان حقيقياً ومستوحى من الضفائر الصغيرة الملتفة لمريم المجدلية .
كما صورها فنان النهضة الإيطالي ليوناردو دافنشي، فأضحت ملامحه أكثر تجسيداً مع استمرارنا في عملية التطور،و المكياج هو الأرض التي تحتم عليها قوانين الطبيعة أن تغدو أكثر تطرفاً خلال انتقالنا من اليابسة إلى البحر؛ فيتجلى التحول وفقاً لمسيرة التطور الطبيعي الذي تتكيف معه قسمات الوجه على نحو غامض المعالم.
ومن جانب اخر ، فقد طغت على المجموعة الجديدة التصاميم العضوية التي تتحرر من إطار الجسد كما لو كانت امتداداً لتكوينه؛ فليس ثمة حواف حادة واضحة للعيان، بل تم إنجاز التصاميم من قطعة قماش واحدة تلتف حول الجسد لتنثني على ذاتها عائدةً إلى الجسد الذي بدأت منه. كما تم قص ظهر الثوب في استحضار جديد لمفهوم أفعى الكوبرا.
أما الجذع، فتم دعمه بقالب مقسى على الطراز الفيكتوري الذي تجلت ملامحه كذلك في العديد من التفاصيل الأخرى التي تلوح هنا وهناك مطلة على المستقبل من وراء ستار حريري، بينما بدا التحول الجديد في المظهر أشبه بدخول طور ثانٍ من مراحل التطور .
ويبدأ العرض بمعالم غنية التصميم من أقمشة الجاكارد والطبعات وقماش الخيط المقصوص «فيل كوبيه» التي تتماهى سوياً على نحو يصور انتقال الأنواع من طور إلى آخر.
وثمة طبعات نقطية أخرى تتلاقى أجزاؤها الدقيقة لترسم ملامح فراشة العثة وفرس النبي، فتسهم في إضفاء تمويه طبيعي يلتف حول الجسد مستحضراً بألوانه الكالحة أسلوب الزمن الجميل؛ بينما تتداخل أقمشة الشيفون الحريري، والأورجانزا، والتفتا، والجيرسي، والقطن مع بعضها البعض ضمن تفاصيل الأزياء.
أما الأحذية، التي أطلق عليها تسمية فيلاأرماديللولالا بسبب شكلها ومظهرها المدرع الشبيه إلى حد بعيد بالحيوان المعروف بذات الإسم، فقد انبثقت هي الأخرى عن الساق نفسها لتعطي الانطباع بمظهر راقصة الباليه التي تقف على رؤوس أصابعها، فتضفي لمسة من الهشاشة على عملية التحول هذه.
وفي القسم الثاني من العرض، تواصل التصاميم محاكاتها العالم الطبيعي في أقمشة الجاكارد والقصات المستوحاة من شكل أسماك المانتاراي؛ فتزدان بعضها بمشهد جوي للحيد المرجاني العظيم في أستراليا أو بطبعة تصور امتداداً لا نهاية له يلتف حول الجسم. كما تستحضر التطريزات الموشاة بلون الزنجار آثار الملابس التي تم انتشالها من الحطام المتهالك لسفينة التايتانيك.
وجاءت التصاميم أكثر نعومة لتعكس حركة مد وانحسار الأمواج. أما الأجزاء العليا من الثياب، فقد استحالت أمواجاً وأصدافاً تنبثق وسط كشاكش بسيطة بما يشبه تشكل حيد مرجاني جديد فوق الأجسام المستقرة في أعماق البحر.
وثمة لمسات تصميمية مستمدة من فكرة عمال الإنقاذ، فتمثلت على شكل طبقات من الموهير الحريري والجيرسي لإضفاء طابع جديد على أزياء النهار. أما أحذية «تايتانيك»، فهي مصنوعة من سبيكة زنجار معدنية تبدو كما لو أنها انتشلت من حطام السفينة.
ولا تلبث المجموعة أن تشهد حضوراً طاغياً لمخلوقات بحرية غريبة تبدو قادمةً من عوالم مجهولة، فتأثرت بعض تصاميمها بظاهرة الكائنات المضيئة في أعماق المحيطات والأسلوب الذي تتكيف به للبقاء على قيد الحياة، ويتجلى ذلك في استخدام الترتر الفوسفوري والخرز البراق.
أما الأحذية المستوحاة من أعمال الفنان السريالي السويسري إتش آر جيجر، فقد تحولت لتقاوم عناصر المناخ وتتكيف مع التطور الطبيعي للقدم في انتقالها من الأرض إلى البحر.
وأخيرا، تطالعنا حورية البحر في مشهد يتماهى فيه الإنسان مع البحر متحولاً إلى كائن هجين يمتاز بقدرة البقاء على قيد الحياة دون استخدام أجهزة التنفس الاصطناعية.
دبي - رشا عبد المنعم
